أعطني بحيرة… لا سمكة

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
رؤية إنسانية في دور رأس المال زمن الحروب

منبر بنيان مقالات من بطون كتب
في أزمنة الانهيار الكبرى، ومنها الحروب لا تُختبر الدول وحدها،
بل تُختبر النخب، وتُختبر الضمائر،
ويُختبر معنى الثروة ذاته:

قبل سنوات، باع رجل كندي يُدعى مارسيل لابرون شركته التقنية مقابل مئات الملايين من الدولارات.
لم يفعل ما يُنتظر عادة من أثرياء هذا العصر:
لم يبنِ قصرًا زجاجيًا، ولم يشترِ يختًا،
ولم يحوّل ثروته إلى صور لامعة على منصات التواصل

. بل اختار طريقًا آخر، أكثر هدوءًا، وأشد وقعًا.
من ماله الخاص، خصّص ما يقارب أربعة ملايين دولار، وتوجّه إلى مدينة فريدريكتون في مقاطعة نيو برونزويك الكندية، ليبني مشروعًا غير ربحي أسماه:
«12 Neighbours – اثنا عشر جارًا».

لم تكن الفكرة مأوى طوارئ، ولا مشروع شفقة،
بل قرية صغيرة للكرامة الإنسانية.
منازل دائمة، مكتملة، يعيش فيها أناس كانوا بلا مأوى،
لا بوصفهم مشكلة اجتماعية،
بل بوصفهم جيرانًا. لكل بيت مطبخ، وحمام، وسرير، وتدفئة، وإنترنت، وطاقة شمسية.
والأهم: إحساس بالاستقرار والانتماء.

وفي قلب القرية، لم يتوقف المشروع عند السكن
، بل امتد إلى العمل. مركز تدريب،
مقهى،
ورشة إنتاج.

أناسٌ كانوا بالأمس على الأرصفة، صاروا اليوم منتجين، يتقاضون رواتب، ويستعيدون معنى القيمة.

يقول مارسيل لابرون عن فلسفته:
«لا أريد أن أعطيهم سمكة، ولا حتى أن أعلّمهم الصيد…
أريد أن أعطيهم بحيرة يصطادون منها بكرامة طوال حياتهم».

هذه الجملة وحدها تختصر فلسفة إنسانية عميقة،
نجد جذورها في الفكر الإنساني القديم،

وفي كتبنا نحن أيضًا. فالعمل الإنساني في جوهره، كما قال الفقهاء والمفكرون،
ليس إغاثة مؤقتة فقط، بل تمكين يرفع الحاجة أصلًا.
وفي التراث الإسلامي، لم يكن الوقف طعامًا عابرًا،
بل أرضًا،
وموردًا،
ومهنة،
ومورد رزق دائم.

من هنا، لا تُطرح تجربة مارسيل لابرون بوصفها قصة إعجاب،
بل بوصفها نموذج تفكير

. نموذج يطرح سؤالًا على عالمنا العربي، وعلى دول أنهكتها الحروب، وفي مقدمتها السودان.

في حرب السودان، رأينا شيئًا يستحق التقدير: السودانيين المغتربين. أفرادًا محدودي الدخل، لكن بأعداد كبيرة. أرسلوا من رواتبهم، وشاركوا في الإغاثة، وسندوا أهلهم بما استطاعوا.
لم تكن مساهماتهم ضخمة فرديًا،
لكنها كانت عظيمة جماعيًا
، لأنها خرجت من الإحساس بالمسؤولية.

لكن في المقابل، ظل سؤال دور رأس المال الكبير معلقًا.
، ، كسؤال رؤية:
هل يمكن لرجال الأعمال، في دول تعاني الحروب، أن ينتقلوا من منطق التبرع الموسمي إلى مشروعات كرامة دائمة؟
من منطق السمكة إلى منطق البحيرة
التفكير في نماذج عملية:
قرى صغيرة للنازحين، مشروعات إنتاجية مرتبطة بالسكن، أوقاف حديثة تُدار بعقل اقتصادي،
لا بعاطفة فقط. مشروعات تُخفف العبء عن موازنات دول فقيرة أنهكتها الحرب،
بدل أن تظل تعتمد على الإغاثة الخارجية وحدها.

التجربة الكندية تثبت أن الشرارة لا تحتاج قرارًا حكوميًا، ولا انتظار المنظمات الدولية.
تحتاج مبادرة، ورؤية، وشجاعة أخلاقية. وبعدها، تأتي الدولة، ويأتي الدعم، وتأتي الاستدامة.

فربما آن الأوان أن نعيد تعريف معنى الثراء في مجتمعاتنا، وأن نسأل: ماذا لو أصبح جزء من رأس المال العربي «وقف كرامة»
في زمن الحروب،

لا يُقاس أثر المال بما يُنفق في العلن،في إطار المسؤوليه الاجتماعيه للشركات وفق ضوابط ومعايير قوانين الاستثمار التي تمثل نسبه من أرباح النشاط بل بما يقدم إضافة وتزامنا بما يُغيّر حياة الناس في الخفاء.
ورب درهمٍ أُنفِق ليبني بحيرة كرامة، أعمق أثرًا واشمل نفعا واستدامه

السؤال، إذن، ليس عن مارسيل لابرون.
السؤال عنّا نحن:
متى نرى «اثني عشر جارًا» او اننا قد امتلكنا الرؤيه للنشئ بحيرتنا الخاصه ، وفي كل مدينة أرهقتها الحرب، لا بوصفه حلمًا، بل مشروعًا ممكنًا؟

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

تقلبات أسعار النفط… من يحرك البرميل؟

منبر بنيان مقالات من نبض الواقع، ،بمرجعيه بطون كتبليس النفط مجرد سلعة.إنه عصب صناعي، ورافعة …