بقلم: حامد بشرى
مقدمة
نحاول في هذه المقالات دراسة تجارب العدالة الأنتقالية في بعض دول القارة الأفريقية قبل أن نتمعن في الحالة السودانية، لعلها تساعدنا في وضع خارطة طريق لتجنب مطبات ومصاعب المصالحة الوطنية والعدالة الأنتقالية والتي تُعد من أصعب وأعقد الملفات في الفترة الانتقالية، ولا فرار منها عندما تضع الحرب أوزارها لمداوت الجروح ووقف نزيف الدم الذي خلفته الحرب ولبناء وطن يعمه السلام .
سبق أن بينا في مقالات سابقة مفهوم العدالة الأنتقالية وتطبيقاتها في بعض دول أمريكا اللاتينية وتعرضنا بإسهاب لتجربة دولة كولومبيا التي مزّقتها الحروب لاكثر من نصف قرن والتي كان عدد ضحاياها ما يقارب ضحايا حرب السودان التي أندلعت بعد الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2023. هذه الاحصائية تخلو في حساباتها من ضحايا حرب الجنوب ودارفور والنيل الأزرق. ولتقريب الصورة أكثر للقارئ، أتضح أن ضحايا الحرب الحالية والتي ما زال حبلها على الجرّار فاق ضحايا القنبلة الذرية التي أسقطت علي هيروشيما وناغازاكي مجتمعتين.
هذه التجارب مجتمعة، تتطلب منا الاستعداد الذهني والروحي للتحدي في أبتداع نموذج لعدالة أنتقالية سودانية توفّق بين العدالة والعفو، في بلد لا زال يحبو في مسيرة أنتقال من نظام أستبدادي مارس كل أنواع السوء والبطش، المتمثلة في الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وإشعال النعرات القبلية وخطاب الكراهية طوال عقود نهلت من هيمنة أيدلوجية التفوق العرقي، والتطرف الديني. السودان الدولة الوحيدة في العالم الذي تم فيه تقديم عريضة أتهام ضد رئيس دولة مسلمة وحاشيته الخمسينية الي محكمة الجنايات الدولية بالتهم آنفة الذكر إضافة الي جرائم ضد الإنسانية. هذا ما كان عليه الحال قبل الحرب الدائرة اليوم التي أضافت الي ما سبقها من بطش وأرهاب وأذلال لكرامة الأنسان مئات الآلاف من الضحايا وأضعافهم من الجلادين والمجرمين ومنتهكي حقوق الأنسان. في هذا الوضع المتأزم والمعقد بكل أشكالياته السياسية والأجتماعية من الضرورة أن نسعى الي استقرار سياسي وحفظ السلم الأجتماعي في مجتمع ممزق وأن نساهم بجديه في ترسيخ روح المصالحة.
كما أن، الملاحظة الجديرة بالاهتمام والتي تستحق التدوين، أننا في التاريخ السياسي للسودان لم نتتطرق الي مفهوم العدالة الانتقالية من قبل، ولم نسع الي تطبيقها حتى حينما بدأنا في التفكير لأيجاد حل للحرب التي دارت بين جنوب السودان وشماله جراء المحاولات الفاشلة والمسيرة العرجاء لتطبيق ما سمي بالشريعة الإسلامية. هذا الأهمال ساق الأتهام بأن أحدي الأسباب التي أدت الي الأنفصال أضافة الي نظام المؤتمر الوطني سيئ الذكر والسمعة، عدم الغوص والأنتباه لتجارب العدالة الأنتقالية التي حظيت بالتطبيق في بعض البلدان الأفريقية وأنقذتها من آفة التشرذم والانقسامات التي ابتلينا بها. ومما يزيد الطين بله سلكنا نفس المسلك في التعامل مع قضية دارفور التي لم نتعلم من دروسها شيئاً وفرطنا في العدالة الانتقالية حتى وصلنا الي أسفل سافلين في حرب لم نستثمر فيها موروثنا السياسي والأجتماعي والثقافي والديني لايقافها وتقليل عدد ضحاياها .
تجارب العدالة الأنتقالية التي سنستعرضها في هذا المقال تشمل تجربة جنوب أفريقيا، رواندا، موزمبيق وسيراليون.
جنوب أفريقيا
أفضت عقود طويلة من سياسات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وما ارتبط بها من مواجهات دامية، الي ندوبات عميقة في الذاكرة الجمعية مما طفح بشهوة الانتقام لدى الغالبية العظمي من السود. وطرح هذا الوضع سؤال تحدٍ كبير: كيف السبيل الي تجاوز إرث الكراهية وأجواء الحداد وبناء سلم مدني من دون التفريط في كشف الحقيقة؟ وهذا السؤال أثار موجه أخري من التساؤلات: هل نجحــت لجنة الحقيقــة والمصالحــة في جنوب أفريقيا في تدابير إرث الأنتهاكات الجســيمة لحقوق الأنســان؟ وهل لجنة الحقيقة والمصالحة عملت على التوفيق بين الحاجة الملحة إلى تحقيق اســتقرار سياســي وبناء ســلم مدني وساعدت في الكشــف عن “حقيقة” تضمن هدوء الذاكرة؟ أم أنها تبؤت موقعا ًوســطاً بين العدالة العقابية والعفو الشــامل؟ هل وفّقت اللجنة في مسعى التوفيق بين الحاجة الي منح العفو وضرورة كشف الحقيقة، أم تمت مقايضة العدالة بالعفو؟ الأ يبدو العفو، حتى في صيغته المشروطة، شكلاً من أشكال الحصانة بالنسبة الي الجلاّدين؟ أيبدو العفو رهاناً أخلاقياً ضرورياً للأنتقال من “ذاكرة شقية” الي “ذاكرة سعيدة” وفتح نافذة على المستقبل؟
تفترض الدراسات التي قامت بتقييم لجنة الحقيقة والمصالحة، أن اللجنة تبؤت موقعا معتدلاً بين العدالة العقابية والعفو الشامل، ونأت عن منهج الانتقام، وعملت ّ على إعادة تأسيس نظام يؤسس على منطق الفهم، ويستعيض عن العقاب الجنائي بالوصم الاجتماعي. لذلك، نعتقد أن اللجنة نجحت نسبياً في تشييد نموذج عدالة جمع بين العفو بحسبانه قيمة ً أخلاقية، والأعتراف بالجرم باعتباره نوعاً من سداد الدين ومعبراً نحو المصالحة.
رسّخ شــعار لجنة تقصي الحقائق والمصالحة «كشــف الحقيقة يضمد الجراح» أفكاراً محددة روجت لها اللجنة عن التأثير القوي لســرد ذكريات العنف والاعتداءات على تضميد الجراح والمصالحة. ونص رئيس هذه اللجنة الأســقف سيموند توتو على هذه الأفكار وحض آخرون على ضرورة نسيان الماضي بدعوي أننا يجب «أن نضرب عن الماضي صفحاً». وجاء رفض هذا الخيار لأن مثل هذه الفجوة في الذاكرة يمكن أن تزيد مآســي الضحايا بإنكار تجاربهم المروعة وببســاطة لن تجدي شــيئاً لأن الماضي لا يرقد بهدوء. فمن عادة الماضي الغريبة أن يعود ليتســلط على ذهن الإنســان.
وفي هذا السياق نستدعي الذاكرة بما دوّن بالمتحف الكائن في معســكر إعتقال “داخاو” الذي تم أنشأوه كأول معسكر للسجناء السياسيين بواسطة المانيا النازية وحلفائها بين عامي ١٩٣٣و ١٩٤٥. في هذا المعسكر تجاوز عدد السجناء ٢٠٠٠٠٠ميئتين ألف سجين ويعتقد الخبراء أن ٤٠٠٠٠ أربعين ألف سجين على الأقل قد ماتوا في هذا المعسكر. أما في مدخل المعسكر فقد كتبت هذه الكلمات المزخرفة «أولئك الذين ينسون الماضي مآلهم تكراره». ويعني هذا أنه مهما كانت التجربة موجعة، فلا ينبغي أن ندع جراح الماضي تتقيح، بل يجب فتحها وتطهيرها. وعلينا أن نضع عليها البلسم الشافي لتندمل.
كما أنه لا يمكن افتراض أن قول الحقيقة في لجنة لتقصي الحقائق يداوي بالضرورة الجراح على المستوى الشخصي. ان بعض الناس يشعرون بقدر كبير من الارتياح والرضا عندما يدلون بشــهاداتهم، وخاصةً في حالات تســتر الدولة على العنف وعندما تُنكر الاعتداءات على الضحايا ولا يُعترف بمعاناتهم. لكن حتى هنا لا ينبغي افتراض أن الإدلاء بالشهادة تجربة تطهر وتداوي الجراح. في عام ١٩٩٧ ذكرت صحيفــة نيويــورك تايمــز أن مركــز الصدمات لضحايا العنف والتعذيب في الكيب تاون خلص إلى أن ٦٠ في المئة ممن أدلوا بشــهاداتهم أمام لجنة تقصي الحقائق والمصالحة في جنوب أفريقيا ساءت حالتهم بعدها مما يجعلنا نتسآل هل لجنة الحقيقة تمثل العلاج الشافي؟
علي الرغم من هذا، نجد أن لجنة الحقيقة والمصالحة نجحت نســبياً في انتشــال جنــوب أفريقيا من أتــون صراعات دموية مدمرة وتحقيق الأســتقرار السياســي النسبي، واســتطاعت الموازنة بين هاجــس طيئ صفحة الماضي وواجب عدم النســيان.
ورغم وجاهة تجربة جنوب أفريقيا الشكلية الأ أنها كانت تشكو من أوجه قصور، الشيئ الذي أثّر في قدرتها على شفاء كدمات النسيج الاجتماعي وصنع سلم دائم. إذ أن فعالية الســرد الشــفهي لذكريات العنف والصدمة تنطوي على اعتبار مفهوم قول الحقيقة بأعتباره أداة لمداواة الجراح والمصالحة. وهذه الأفكار هي نتاج ثقافة للذاكرة، نشأت عن حقبٍ تاريخية معينة في أميركا الشمالية وأوروبا التي ربما يكون مصدرها الكنيسة التي أتت بمفهوم التوبة وطلب الغفران من الرب والمسيح، وتطورت في العصر الحديث من خلال أفكار فرويد عن قمع الذاكرة والبناء النفسي للمفهوم السائد عن الاضطراب الناتج عن الكبت ما بعد الصدمات وعلاجه عن طريق عملية شــفهية. ومن خلال هذه المفاهيم، رسخ مفهوم السرد الشفهي للعنف والمعاناة كطريقة لتحرير الذاكرة بالدرجة الأولى. كما نجد إن المفاهيم البديلة لمداواة الجراح وجدت طريقها في أميركا الشــمالية وأوروبا وتجســدت في تعبير «اصفح وانس» وفي أصل كلمة amnesty أو العفو المشتقة من الكلمة اليونانية amnestia أو «النسيان». وهذه المفاهيم ضاع تأثيرها بسبب سيطرة ثقافة التذكر على حساب النسيان.
العدالة الانتقالية على الطريقة الرواندية:
أما في حالة رواندا فقد أوردت التقارير أنه لقي ما يصل إلى مليون شخص حتفهم، وتم اغتصاب ما يصل إلى 250.000 امرأة، خلال الإبادة الجماعية ضد التوتسي التي وقعت في عام ١٩٩٤، حيث تركت سكان البلاد في حالة ذهول، ودمّرت البنية التحتية بصورة هائلة، وخلفت دولة وشعب مثخن بجراح والآلام وصدمة إضافة الي جهاز قضائي مشلول. كل هذا لم يقف عائقاً أمام الحكومة الروانديه في تطبيق العدالة الأنتقالية لتعافي النفوس والخروج من هذا المأزق. وفي هذا المنحي أختارت الحكومة الرواندية نهجاً براغماتياً هجيناً للعدالة والتعافي، يجمع بين آليات تقليدية وأدوات بناء الدولة الحديثة، حيث شرعت في عملية طموحة لتحقيق العدالة والمصالحة لكي يعيش جميع الروانديين جنباً إلى جنب في سلام مرة أخرى.
في السنوات التي تلت الإبادة الجماعية، تم اعتقال أكثر من ١٢٠٠٠٠ مائة وعشرين الف شخص واتهموا بتحمل المسؤولية الجنائية عن مشاركتهم في عمليات القتل. وللتعامل مع هذا العدد الهائل من الجناة تم أنفاذ العدالة، تم متابعة الرد القضائي على ثلاثة مستويات:المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، نظام المحاكم الوطنية، ,ومحاكم جاكاكا. وللتعامل مع الكم الهائل من القضايا، الذي كان سيستغرق عقودًا أمام المحاكم العادية، أعادت الدولة إحياء نظام تقليدي لحل النزاعات المجتمعية يُعرف باسم “جاكاكا” (وتعني “أرض العشب”)، لكنها أعادت تشكيله جذريًا. عملت هذه المحاكم الشعبية اللامركزية بين عامي ٢٠٠٢و ٢٠١٢ ووضعت ثلاثة أهداف رئيسية: تسريع البت في قضايا الإبادة، وكشف أكبر قدر ممكن من الحقيقة حول ما جرى، وتعزيز المصالحة على مستوى القاعدة المجتمعية.
تقديرات “لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية” تشير إلى أن محاكم جاكاكا نظرت في نحو مليون ونصف المليون قضية، وحسمت ما يقرب من ٩٠٪ من الجرائم المرتبطة بالإبادة التي كانت عالقة في السجون والنظام القضائي العادي. ترأس هذه المحاكم قضاة منتخبون من المجتمع المحلي، ونظرت في جرائم تراوحت بين تخريب الممتلكات والمشاركة الفعلية في القتل، الأمر الذي وفّر شكلًا من العدالة كان يستحيل على المحاكم الرسمية وحدها إنجازه نسبة للعدد الكبير من القضايا. ركنٌ أساسي في هذه التجربة كان التركيز على الحقيقة والاعتراف العلني؛ إذ شُجّع الجناة على الاعتراف الكامل بما ارتكبوه، وإبداء الندم، والكشف عن أماكن دفن الضحايا، مقابل تخفيف العقوبة. كثيراً ما كان لهذا الاعتراف تأثير عميق في عائلات الضحايا، إذ منحهم، ولو جزئيًا، معرفةً بما جرى لأحبّتهم. ويصف الباحث فيل كلارك في دراسته الإثنوغرافية “محاكم جاكاكا، العدالة والمصالحة بعد الإبادة الجماعية في رواندا”، هذه العملية بأنها “شكل من العدالة التصالحية. يواجه فيها أفراد المجتمع الجناة وجهًا لوجه، بما يفتح الباب أمام الحوار والتسامح المشروط”.
أدت الحاجة السياسية الملحّة للوحدة بعد الإبادة إلى تبنّي نهجٍ شديد المركزية من أعلى إلى أسفل في إدارة المصالحة. فالقوانين التي تجرّم “أيديولوجية الإبادة” و”خطاب الكراهية والانقسام” ساهمت في الحد من مظاهر التحريض. وعلي سبيل المثال، أنطلقت تحت إشراف هذه التوجّهات حملة “أنا رواندي” التي تحضّ على الابتعاد عن التسمية العرقية (هوتو/توتسي/توا)، وتدعو إلى تعريف الذات أولًا وأخيرًا بأنها “رواندية”، انطلاقًا من تاريخ مشترك وقيم مشتركة. كما أنشأت السلطات معسكرات “إنغاندو” لإعادة التأهيل؛ وهي معسكرات إلزامية تستهدف طيفًا واسعًا من الفئات، من مدانين أُفرج عنهم إلى طلاب جامعات وموظفين كبار، وتتضمن برامج مكثفة عن تاريخ البلاد، والهوية الوطنية، وأهمية التضامن الاجتماعي. إلى جانب ذلك، شجّعت اللجنة مشاريع “قرى المصالحة”، حيث يعيش الناجون والجناة التائبون جنبًا إلى جنب في تجمعات جديدة، يعملون فيها ضمن تعاونيات اقتصادية مشتركة، في محاولة لترجمة المصالحة إلى ممارسة يومية ملموسة.
تؤكد دراسات ومنظمات دولية، بينها “إنترناشونال أليرت” في تقرير عام ٢٠١٢، أن “الجروح العميقة التي خلّفتها الإبادة تجعل من التعافي النفسي مهمة جيلية تمتد لسنوات طويلة بعد انتهاء المحاكمات”. في المقابل، تواجه عائلات المدانين وصمةً متوارَثة وشعورًا بالذنب، ينعكس في عزلة اجتماعية وصعوبات اقتصادية، ويجعل إعادة دمج من أفرج عنهم من الجناة مهمة صعبة ومشحونة بالمخاطر. يُضاف إلى ذلك غياب سياسة وطنية شاملة للتعويض المادي عن الخسائر، رغم التركيز على الغفران والتسامح في الخطاب الرسمي. فحين لا يقترن الاعتراف والتسامح بإعادة بناء سبل كسب العيش وتعويض الممتلكات المدمَّرة، يبقى عبء النهوض من جديد واقعًا بالكامل تقريبًا على عاتق الضحايا، ما يضعف مشاركتهم الفعلية في مسار المصالحة.
مع ذلك، لم تسلم جاكاكا من انتقادات حقوقية حادة. فقد رأت “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها لعام ٢٠١١ بعنوان “العدالة معرّضة للخطر” أن النظام “فضّل السرعة على ضمانات المحاكمة العادلة”، مشيرةً إلى غياب المحامين عن معظم الجلسات، واعتماد واسع على شهادات السماع، وإمكان تحيّز القضاة المنتخبين بحكم علاقاتهم داخل المجتمعات الصغيرة.
تُمثّل المصالحة الوطنية في رواندا استجابةً براغماتية غير مسبوقة لكارثة وطنية مروّعة. فمن خلال تكييف نظام جاكاكا التقليدي، وتفعيل برامج إعادة التأهيل والهوية المشتركة عبر “لجنة الوحدة والمصالحة”، وبناء رواية وطنية موحّدة، نجحت البلاد في تحقيق قدر ملحوظ من الاستقرار، وتخفيف العبء القضائي الهائل، والانطلاق في مسار إعادة إعمار اقتصادي ومؤسسي. والتحوّل من بلد يُستحضَر اسمه مقرونًا بالإبادة الجماعية إلى بلد يُقدَّم غالبًا كنموذج للتنمية السريعة والانضباط الإداري، تحقّق إنجاز لا يمكن إنكاره.
وللمفارقة، علي الرغم من العدد الكبير للضحايا والأنتهاكات التي حدثت، نجد أن المحاكمات التي استمرت لعقدين من العمل في أروشا، تنزانيا، حكمت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا على ٦١ شخصًا (فقط) بالسجن المؤبد لدورهم في المذابح. كما تمت تبرئة ١٤ متهما وإحالة ١٠ آخرين إلى المحاكم الوطنية. عقدت فيها المحكمة الجنائية الدولية لرواندا ٥٨٠٠ يوماً من الإجراءات، واتهمت ٩٣ شخصاً، وأصدرت ٥٥ حكماً أولياً و٤٥ حكماً بالاستئناف، واستمعت إلى “روايات قوية لأكثر من ٣٠٠٠ شاهد عمدوا بشجاعة إلى سرد بعض الأحداث الأكثر صدمة التي يمكن تخيلها خلال محاكمات المحكمة الجنائية الدولية لرواندا”.
كما أصدرت المحكمة عدة أحكام تاريخية متمثلة في الآتي:
• في أول حكم صادر عن محكمة دولية بشأن الإبادة الجماعية، أدين رئيس البلدية السابق، جان بول أكايسو، في عام ١٩٩٨ بتسع تهم تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية. وكان الحكم أيضاً أول من خلص إلى أن الاغتصاب والاعتداء الجنسي يشكلان أفعال إبادة جماعية متى ما ارتُكبت بنية تدمير مجموعة مستهدفة كلياً أو جزئياً.
• كانت إدانة رئيس الوزراء أثناء الإبادة الجماعية، جان كامباندا، بالسجن المؤبد في عام ١٩٩٨ هي المرة الأولى التي يُدان فيها رئيس حكومة بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.
مع ذلك، تبقى هذه الرحلة غير مكتملة، محكومة بتوازن دقيق بين الاستقرار من جهة، وغياب عدالة شاملة ومتساوية من جهة أخرى. فالمساءلة الانتقائية، وضيق هامش التعددية السياسية، والصدمة المتوارَثة بين الأجيال، ونظام الحكم الأحادي الاتجاه الذي كرّس من جديد هيمنة أقلية على أغلبية على نحو يستدعي إلى الأذهان مراحل سابقة في تاريخ البلاد الحديث أفضت بدورها إلى دورات عنف، كلها عوامل تُبقي على “الجمر تحت الرماد”.
وكما كتب إياد الجعفري في “العربي الجديد” (٢٠٢٥)، فإنه “من الصعب تصوّر خروج رواندا نهائيًا من لعنة الأقلية والأغلبية ومن سؤال “من يحكم من؟” ما لم تُبنَ سلطة ديمقراطية حقيقية، وتداول فعلي للسلطة عبر أحزاب سياسية لا تقوم على أساس عرقي أو طبقي. سوى ذلك، فإن التظاهر اليوم بدفن الأحقاد قد لا يؤدي إلا إلى دفع الغضب إلى طبقات خفيّة غير معلنة، تُشبه تلك التي عاشها السوريون واختبروها جيدًا في عهد حكم آل الأسد.
موزمبيق:
أما في موزمبيق تم تفعيل العدالة الانتقالية بصورة مختلفة حيث اعتمدت بشكل أساسي على العفو (Amnesties) كأداة رئيسية للعدالة الانتقالية عقب الحرب الأهلية، حيث صدرت ٦ مراسيم عفو بين عامي ١٩٨٤و ٢٠٢١ لتعزيز السلام والاستقرار. ركزت الجهود على نزع السلاح، التسريح، وإعادة الإدماج، مع محاولات محدودة لجبر الضرر وآليات العدالة المجتمعية، بينما ظل المساءلة الجنائية عن انتهاكات حقوق الإنسان ضعيفة.
اســتوعبت المجتمعات الريفية المقاتلين الســابقين، وداوت جراح أولئك الذين تأثروا بالحرب من خلال وســاطة الأرواح التي تطرد عنف الماضي من النفس عن طريق طقوس معينة. وبحســب الروايات المنقولة إن البرامج النفســية الاجتماعية التي شجعت الناس على التذكر والتحدث عن العنف جهراً لم تكن فعالة، وأن سرد ذكريات العنف شفهياً يعرض الشخص لأزمات نفسية. وعلاوة على ذلك، فإن مواطني موزمبيق، سواء الريفيين أم سكان المدن، رفضوا بأغلبية ساحقة وجود لجنة لتقصي الحقائق والمصالحة واعتبروها عملية يمكن أن تدمر المصالحة لا أن ترسّخها. وحينها، بدأت مداواة الجراح من خلال ممارسات النسيان الاجتماعي. النســيان الاجتماعي عملية تختلف عن النســيان الفردي، من ناحية أن الناس لا يزال لديهم ذكريات شــخصية عن العنف، ولكن التحدث عن العنف – وعلى الأخص علنا – كان (ولا يزال) ينظر إليه على أنه يشجع على عودته في وقت لا يزال حديث العهد ويمكن أن يتجدد في أية لحظة.
سيراليون:
منحت اتفاقية لومي عام ١٩٩٩ عفوا شــاملا لجميع المقاتلين مقابل التســريح والسلام. ولكن هذا العفو كان يعني الغياب المطلق للمحاســبة على الانتهاكات الضخمة لحقوق الإنســان في الحرب. ولذلك ضغط المدافعون عن حقوق الإنســان المحليون والدوليون باتجاه تشكيل لجنة لتقصي الحقائق والعدالة والمصالحة انتهى بها الأمر إلى أن تصبح لجنة لتقصي الحقائق والمصالحة. وبمساعدة مستشارين من المركز الدولي للعدالة الأنتقالية في نيويورك قامت هذه اللجنة بجمع الإفادات أواخر عام ٢٠٠٢ وعقدت جلسات علنية في العاصمة فريتاون وفي المناطق الإدارية الاثنتي عشر في سيراليون من إبريل/نيسان إلى أغسطس/آب ٢٠٠٣و٢٠٠٤.
والجدير بالاهتمام، كان التأييد الشعبي ضئيلا حتى لتأسيس لجنة لتقصي الحقيقة والمصالحة، ناهيك من لجنة لتقصي الحقيقة والعدالة والمصالحة، كون معظم الناس، ومنهم الناجين فضلوا اتباع نهج «الصفح والنسيان». وعلى حد قول مسؤول شارك في لجنة تقصي الحقائق والمصالحة «إن الناس في ســيراليون لم يهتموا أصلا بما حدث وبما لم يحدث”. أرادوا الســلام وحســب”. ولكن كانت هناك أقلية قوية مســموعة الكلمة آمنت بحاجة الناس للتحدث عما حصل. «إذ، وبناء على أفضل الدوافع، كان هناك هدف آخر غير معلن للجنة تقصي الحقائق والمصالحة، وهو تحويل الســكان الذين فضلوا مداواة جراحهم بالنســيان إلى أشــخاص يســردون الحقيقة بعد حثّهم على ذلك ولحين أن يرتأوا «الحاجة» للتحدث عن العنف.
ولكــن لمــاذا أراد كل هــذا العدد من الناس أن «يصفح وأن ينســى» بدلا من أن يتكلم عما حدث؟ يعود ذلك جزئياً في ســيراليون الى أمور في وسعنا أن نتوقعها في كثير من الظروف التي ترافق تأسيس لجان لتقصي الحقائق، منها الخوف من ثأر مرتكبي الجرائم؛ والقلق من انتقام الحكومة؛ ومخاوف ناشئة عن العمل المتزامن لمختلف آليات العدالة الانتقالية. لذلك ناقش الناس في مجتمعات شمال سيراليون موضوع الحرب داخل عائلاتهم وبيوتهم، ولكنهم غالبا ما كانوا يذكرون بعضهم الآخر بعدم «نقله إلى الخارج» خوفا من المجازفة بدمجه بالواقع.
المحاسبة مقابل إعادة الأندماج:
هل تفي الوســائل العملية المحلية لمداواة الجراح ما بعد النزاعات، والمصالحة، وإعادة الاندماج بالحاجة إلى العدالة والمحاســبة؟ وهنا من الضروري الفصل والتمييز بين ضرورة محاســبة الدول والقادة على العنف الجماعي من جهة، ومحاسبة مرتكبي الجرائم من الأفراد العاديين مــن جهــة أخــرى. ونجد في سيراليون، كما في موزمبيق، أن معظم الناجين أرادوا العودة إلى الاندماج والسلام، مما جعل المواطنيين يشعرون بأن لجنة تقصي الحقائق والمصالحة – وعلى الأخص في عقد الجلسات العلنية – هي عملية مدمرة.
وفي سؤال للناجين من العنف في مجتمعات شمال سيراليون عن شكل العدالة الذي يطمحون اليه، تحدث البعض عن ضرورة عدالة القصاص: «عندما تفعل شيئاً سيئاً في طريقك، سيكون المقابل الذي تجنيه شيئاً سيئاً». وكانت هنالك غالبية ساحقة أجابت: «لا حيلة لي؛ أفوض أمري إلى االله». وعندما تم تشــجيع الناس على الإجابة عن ســؤال عما يمكن أن يطلبوه إذا كانت لديهم ســلطة، أجاب معظمهم «إذا كنت أملك ســلطة، ســأظل أفوض أمري إلى االله من أجل الســلام»، فيسلمون الأمر للعدالة الإلهية ويرون في العقاب والانتقام تصعيداً لدورة العنف وليس إنهاءً لها.
ولهذا الســبب الأخير، عبّر معظم ضحايا الحرب الذين أجريت معهم مقابلات في عامي ٢٠٠٣ و٢٠٠٤ عن قلقهم إزاء احتمالات العنف الانتقامي عقب اعتقال قادة من مختلف جماعات المقاتلين واتهامهم في المحكمة الخاصة لسيراليون بارتكاب جرائم حرب. وقوبل قرار هذه المحكمة بحصر المقاضاة بأولئك الذين يتحملون «القدر الأكبر من المسؤولية» عن جرائم “الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بموافقة شعبية في هذه المجتمعات” . “إنهم الكبار الذين أرسلوا الأطفال ليرتكبوا أفعالا سيئة”
وبالنســبة لســكان شمال ســيراليون الذين تضم مجتمعاتهم مقاتلين سابقين من الجنود «الصغار» (والتعبير الأخير للدلالة على الرتبة العسكرية وليس العمر)، تصبح المســاءلة العلنية على أفعال الماضي أقل أهمية من الســلوك الحالي. ومعظم هؤلاء المدنيين، كانوا ينظرون إلى قدرات المقاتلين السابقين على الاحتفاظ بالعلاقات المعنوية في الحاضر بأهمية أكبر من تسوية حســابات الماضي. وللوهلة الأولى، يبدو ذلك مناقضاً لحقيقة أن الناس تدفقوا بأعداد كثيرة إلى جلســات لجنة تقصي الحقائق والمصالحة في المناطق الإدارية للاستماع إلى اعتذارات مرتكبي الجرائم. وكان الأهم بالنسبة إلى الحضور في جلســات لجنة تقصي الحقائق والمصالحة هذه الاعتذارات التي تعني دلالات الأسف الحقيقية، مثلا من خلال الركوع والســجود واختلاج الصوت من شــدة الانفعال. لم يتطابق أيٌّ من الاعتذارات مع «النمط المثالي» للاعتذار الذي نجده في نصوص العدالة الانتقالية، وبالتحديد الاعتراف الشفهي الذي لا لبس فيه بارتكاب أفعال خاطئة. إلا أن ردود فعل الحضور كانت عادة إيجابية طالما أن المتحدث كان «لطيف المشــاعر». وفيما يتعلق بإعادة اندماج المقاتلين الســابقين من الناس العاديين في المجتمعات الريفية، فمعظم المدنيين – بمن فيهم الضحايا – كانوا أكثر اهتماماً بالتحول الداخلي للمقاتلين الســابقين من اهتمامهم بطلب المحاسبة الصريحة الشفهية على أفعال الماضي. عملت لجنة تقصي الحقائق والمصالحة في ســيراليون في بيئة تأسســت فيها الممارســات البديلة لإعادة الاندماج والمصالحة والتعافي.
في الختام، تُبيّن هذه التجارب المتنوعة أن مسار العدالة الانتقالية لم يكن يوماً طريقًا معبّداً أو خالياً من التناقضات، لكنه، رغم تعرجاته وكلفته الأخلاقية والسياسية، أفضى في محصلته إلى قدرٍ من الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولو بصورة نسبية. لقد سعت الدول الأفريقية، كلٌ وفق سياقها الخاص، إلى موازنة دقيقة بين العفو وكشف الحقيقة، بين المحاسبة ومنع تجدد العنف، فنجحت – بدرجات متفاوتة – في حقن نزيف الدم وفتح نوافذ للمصالحة الوطنية.
ولتحقيق هذه الغاية، لجأت بعض التجارب إلى آليات غير تقليدية، استندت إلى الموروث الديني والروحي، وطقوس المصالحة المجتمعية، والتفويض الأخلاقي للعدالة الإلهية، فيما اكتفت أخرى بالوصم الاجتماعي وكشف الحقيقة بدلاً عن العقاب الجنائي الصارم. وفي حالات بعينها، جرى التغاضي المقصود عن الماضي أو طيّه جزئياً، لا إنكاراً للجرائم، بل خشية إعادة فتح الجراح وإشعال دورات جديدة من العنف.
تؤكد هذه الدروس مجتمعة أن العدالة الانتقالية ليست وصفة جاهزة تُستنسخ، بل عملية معقّدة تتطلب قراءة واعية للسياق، وشجاعة أخلاقية في اتخاذ القرارات الصعبة، وإرادة سياسية تُقدّم السلام المجتمعي ومنع التكرار على نزعات الانتقام، دون التفريط الكامل في حق الضحايا في الحقيقة والكرامة. وهي، في جوهرها، معركة طويلة مع الذاكرة، لا تهدف إلى محوها، بل إلى ترويضها حتى لا تتحول من جديد إلى وقود للعنف.
المراجع:
https://siyasatarabiya.dohainstitute.org/ar/issue047/Pages/Siyassat47-2020-Idali.pdf
https://www.un.org/ar/preventgenocide/rwanda/backgrounders.shtml#national-court
https://www.cmi.no/staff/elin-skaar
https://www.alaraby.com/news/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A2%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-300-%D8%A3%D9%84%D9%81-%D9%85%D9%81%D9%82%D9%88%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7
https://atjhub.csvr.org.za/mozambique/#:~:text=Background,-Following%20centuries%20of&text=The%20country%20continued%20to%20face,result%20of%20militarisation%20during%20elections.&text=Mozambique’s%20transitional%20justice%2Drelated%20efforts,and%20community%2Dbased%20justice%20mechanisms
https://www.ictj.org/where-we-work/sierra-leone
hamedbushra6@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم