عوض الكريم محمد عثمان عكاشة المحامي
حتى لا يتجه الطرح والحوار إلى نقاش تنظيمي دوغمائي مغلق، يلبي طموحات وأهواء وأشواق العودة إلى مرحلة مضت من تاريخ الحياة السياسية في السودان، من جانب، أو يتحول إلى منطلق هجومي يستبعد الأبعاد السياسية للموضوع، ويصرف النظر عن مدى تأثيره على استقرار الوضع السياسي الراهن، فإن من الضروري أن نبدأ بطرح بعض الأسئلة، بعيداً عن الخوض في الملابسات والأسباب التي دفعت بالأستاذ أحمد هارون من موقع الكادر التنفيذي الذي برز خلال مرحلة شهدت اتهامات علنية، داخلية وخارجية، جعلته، إلى جانب آخرين، مطلوباً للعدالة الدولية، إلى موقع الشخصية السياسية والتنظيمية التي أصبحت تلعب دوراً محورياً في صناعة القرار السياسي والتنفيذي داخل الحركة الإسلامية.
السؤال الذي يستحق التوقف أمامه هو: لماذا ظل أحمد هارون بمثابة حجر زاوية لا يقبل الإزاحة أو التراجع، رغم ما ترتب على وجوده من أعباء سياسية وأمنية، وفاتورة باهظة ظل الشعب والوطن يدفعان ثمنها دون أن تكون لهما إرادة أو خيار في تحديد مسار المواجهة التي تبنتها الحركة الإسلامية آنذاك مع المؤسسات الدولية؟
وهنا يبرز السؤال الأهم في التوقيت الراهن: هل من المسؤولية السياسية والوطنية تجاه الوطن ومؤسساته، التي تواجه تحديات داخلية وخارجية بالغة التعقيد، أن يُدفع بأحمد هارون إلى واجهة المشهد في هذا الطقس السياسي الشتوي الملتهب، استجابة لمشاعر وأهواء تنظيمية لا تخدم قضية وطنية، ولا تحقق بالضرورة أهدافاً سياسية واضحة؟
وفي المقابل، هل ظهور شخصية سياسية لا تستطيع حتى الإفصاح عن مكان وجودها يستحق كل هذه الضجة، التي أظهرت، للمرة الأولى، توافقاً واسعاً بين مختلف التيارات السياسية على رفض مجرد ظهوره كمادة إعلامية، ناهيك عن القبول به فاعلاً في المشهد السياسي؟
لا شك أن ظهور هارون لم يكن مجرد حدث عابر في سياق الصراعات التنظيمية، بل كشف عن أزمة أخرى من أزمات الواقع السياسي والأمني الراهن، ربما تتجاوز في خطورتها ما أثارته الواقعة نفسها؛ وهي أزمة غياب العقلية السياسية داخل الحركة الإسلامية، وإحلال عقلية أمنية صدامية محلها.
لقد حمل هذا الظهور رسالة سياسية واضحة، ليس فقط من حيث التوقيت والكيفية، وإنما من حيث ما عكسه من استهتار بحسابات التوازنات السياسية، وتجاهل لطبيعة التحالفات القائمة مع المؤسسة العسكرية، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات تمس تماسك هذا التحالف، فضلاً عن انعكاساته على العلاقات الخارجية ذات التأثير المباشر في مجريات الحرب ومستقبلها.
وهنا تكمن خطورة المسألة؛ فالمشكلة ليست في ظهور أحمد هارون وحده، ولا في حقه في ممارسة نشاطه السياسي من حيث المبدأ، وإنما في طبيعة الرسالة التي أراد هذا الظهور إيصالها، والجهة التي تقف وراءها، وحسابات المكسب والخسارة التي جرى تجاهلها، في وقت لا يحتمل فيه السودان مزيداً من المغامرات السياسية والتنظيمية التي تُقدَّم فيها المصالح الحزبية على حساب المصالح الوطنية. ظهور هارون ليس حدس انما اختبار لوجود الدولة ومصداقيتها.awadokasha087@gmail.com
