د. هشام عثمان
hishamosman315@gmail.com
تُظهر الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة مختلفة في علاقتها بالعالم، مرحلة تتراجع فيها نزعتها العالمية وتتقدم فيها أولويات الداخل، بحيث يصبح الأمن القومي امتدادًا مباشرًا للأزمة الداخلية الأمريكية أكثر من كونه رؤية كونية لإدارة العالم. إن ما يميز الوثيقة أنها ليست مجرد تحديث تقني لاستراتيجية سابقة، بل تحوّل بنيوي في الفلسفة التي حكمت السياسة الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالدور الريادي، والتحالفات العابرة للقارات، ومنطق الهيمنة الليبرالية، ووعود نشر الديمقراطية، كلها تُطوى الآن لصالح رؤية قومية محافظة تعيد تعريف الدولة ككيان مهدد من الخارج والداخل في آن واحد، وتُحمِّل العالم مسؤولية تراجع القوة الأمريكية بدل أن تُحمّل أمريكا مسؤولياتها تجاه العالم.
وما يضاعف أهمية هذا التحول هو مقارنته بإستراتيجيات الإدارات السابقة، إذ إن الفارق لا يكمن في الأسلوب وحده بل في المبدأ المؤسس. فقد كانت استراتيجية جورج بوش الابن بعد أحداث 11 سبتمبر محكومة بمنطق الهجوم الوقائي ونشر الديمقراطية بالقوة، وكانت ترى أن أمن أمريكا يتحقق في بغداد وكابول وعمّان وليس في حدودها فقط، ولذلك توسعّت عسكريًا في الشرق الأوسط تحت شعار “محور الشر” و“الحرب على الإرهاب”. أما استراتيجية باراك أوباما فقد اتسمت بالطابع الليبرالي العالمي، فكانت تعتبر العولمة والتعاون المتعدد الأطراف حجر الأساس، وتضع الديمقراطية وحقوق الإنسان في مقدمة رؤيتها، وتؤمن بأن القوة الأمريكية ينبغي أن تُمارس عبر المؤسسات الدولية وليس خارجها. ثم جاءت استراتيجية جو بايدن لتعيد إحياء روح التحالف الغربي عبر التركيز على الصراع بين “الديمقراطيات” و“الأنظمة السلطوية”، وتضع الصين وروسيا ضمن تحديات كبرى، لكنها أبقت على التزامها بتحالفات الناتو واهتمامها بأوروبا وأعادت الاعتبار لسياسات حقوق الإنسان.
الوثيقة الجديدة تختلف جذريًا عن هذه النماذج الثلاثة. فهي لا تشبه بوش لأنها لا تؤمن بالتدخلات الخارجية ولا بتغيير الأنظمة بالقوة، ولا تشبه أوباما لأنها لا ترى في العالم فضاءً للتعاون الدولي ولا تعتبر الديمقراطية قيمة يمكن تصديرها، ولا تشبه بايدن لأنها لا تعطي الأولوية للتحالفات الغربية ولا للصراع الأيديولوجي بين الديمقراطية والاستبداد. إنها وثيقة “داخل-داخل” وليست “داخل-خارج”، تعيد بناء الدولة من الداخل بدل إعادة بناء العالم من الخارج.
وفي هذا الإطار لم تعد الولايات المتحدة ترى نفسها مقيدة بالتزامات توسعية، بل ترى أن حماية الحدود، والسيطرة على الهجرة، واستعادة الصناعة الوطنية، وفك الارتباط عن سلاسل التوريد العالمية، هي أولويات تُبنى عليها كل الخيارات العسكرية والسياسية. وتأتي الصين كمبدأ منظّم لهذه الرؤية، باعتبارها المنافس الوحيد القادر على تهديد التفوق الأمريكي، وهو ما يجعل كل مناطق العالم تُقاس بمدى ارتباطها بالمواجهة معها. أما أوروبا، التي كانت حجر الزاوية في النظام الغربي منذ الحرب الباردة مرورًا بأوباما وبايدن، فتبدو في هذه الوثيقة أقرب إلى عبء أمني واقتصادي منها إلى شريك، بينما توضع أمريكا اللاتينية في صدارة الاهتمام باعتبارها المجال الحيوي الذي يجب أن يُؤمَّن قبل أي شيء، وهو ما يعيد إحياء عقيدة مونرو بشكل أوضح من أي وقت مضى.
ويتضح من الوثيقة أن الشرق الأوسط لم يعد منطقة استراتيجية تحظى بالأولوية، بل أصبح فضاءً ثانوياً تتعامل معه واشنطن بمنطق الحد الأدنى: حماية إسرائيل، منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وضمان تدفق الطاقة دون اضطرابات كبرى. أما بقية الملفات فتوضع في خانة “إدارة المخاطر” وليس بناء ترتيبات طويلة المدى. هذا الانسحاب الهادئ لا يعني ترك المنطقة بالكامل، بل تفويض قوى إقليمية للقيام بأدوار أكبر، مثل السعودية وتركيا والإمارات وإسرائيل، مع الاحتفاظ بأدوات ضغط محدودة تتعلق بالعقوبات والملف النووي وبعض الاعتبارات الجيوسياسية. وفي ذلك فرق جوهري مع استراتيجيات بوش وأوباما وبايدن، إذ كانت هذه الإدارات الثلاث تعتبر الشرق الأوسط ساحة مركزية للصراع العالمي، بينما تنظر الاستراتيجية الجديدة إليه كملف هامشي يُدار من بُعد.
وفي أفريقيا، يظهر أكثر من أي وقت أن مقاربة واشنطن أصبحت تقنية وباردة، فهي لا ترى في القارة شريكًا لتنمية مشتركة، بل ساحة صراع مع الصين ونقطة ضعف محتملة بسبب الهجرة والجريمة المنظمة. وهنا يتراجع الاهتمام بالصراعات المحلية كما لم يحدث منذ عقود، وتصبح الاستجابة الأمريكية محكومة بتجنب الفراغ الأمني وليس حلّ الأزمات نفسها، مما يخلق شعورًا متفاقمًا بأن أفريقيا أصبحت جزءًا من الأطراف غير المنتجة في الحسابات الأمريكية. وهو نهج يختلف جذريًا عن نهج أوباما الذي حاول بناء شراكات تنموية طويلة المدى، وعن نهج بوش الذي كثف المساعدات لمكافحة الإيدز، وعن نهج بايدن الذي عمل على منع تمدد روسيا والصين فقط.
أما السودان، فيقع في منطقة الظل داخل هذه الرؤية. فالحرب التي تهزّ البلاد ليست مدرجة ضمن تهديدات مباشرة للمصالح الأمريكية، ولا تمثل عبئًا على الحلفاء الغربيين، ولا تشكل خطرًا على خطوط الطاقة العالمية، ولا ترتبط بالصين بطريقة تستفز التدخل الأمريكي الواسع. ولذلك تصير الاستجابة الأمريكية محدودة ومجزأة، تعتمد على الضغط الدبلوماسي والاهتمام الإنساني ومراقبة النفوذ الروسي، أكثر من اعتمادها على أدوات الحسم أو فرض تسوية سياسية. ويُفهم من ذلك أن واشنطن قد تتعايش طويلًا مع حرب تستنزف السودان طالما أنها لا تتحول إلى تهديد يغير توازنات البحر الأحمر أو يسمح بظهور لاعب خارجي غير مرغوب فيه مثل روسيا، التي تسعى بوضوح للحصول على موطئ قدم بحري في المنطقة. ولهذا فإن أي تحرك أمريكي في الملف السوداني سيكون محكومًا بقاعدة واحدة: منع روسيا من بناء نفوذ استراتيجي، وليس منع انهيار الدولة السودانية أو حماية المدنيين.
ورغم ما يبدو من وضوح في الوثيقة، فإن مخاطرها أعمق بكثير مما تعكسه لغتها المباشرة. فانسحاب أمريكا من دورها القيادي سيترك فراغات هائلة ستتنازعها قوى إقليمية ودولية، مما يعزز مناخات عدم الاستقرار ويشجع على اندلاع صراعات جديدة. كما أن تراجع المبادئ الليبرالية سيضعف قدرة أمريكا على بناء تحالفات قائمة على الثقة والقيم، ويزيد من هشاشة النظام الدولي الذي كان يستمد توازنه من فكرة وجود “شرطي عالمي” يمنع الانهيارات الكبرى. ومع أن الوثيقة تَعِد بأمريكا أقوى داخليًا، إلا أنها قد تنتج عالمًا أضعف وأكثر قابلية للانفجار، خصوصًا إذا قورنت باستراتيجيات أوباما وبايدن التي كانت تراهن على تحالفات عالمية واسعة، أو باستراتيجية بوش التي كانت تراهن على الحسم العسكري بدل الانسحاب.
وبالنسبة للعالم العربي والسودان، فإن هذه الاستراتيجية تعني الانتقال من مرحلة الاعتماد على الإرادة الأمريكية، إلى مرحلة بناء مواقف مستقلة وأكثر براغماتية، لأن واشنطن لن تعود اللاعب الذي يسعى إلى إدارة الأزمات، بل اللاعب الذي يراقبها من بعيد ويتدخل فقط حين يتهدد ما يعتبره مصلحة مباشرة. وهو ما يفرض على الدول العربية تطوير سياسات أمنية واقتصادية جديدة، واستيعاب حقيقة أن عصر “التدخل الأمريكي المنقذ” قد انتهى، وأن الاستراتيجيات الوطنية يجب أن تُبنى على تنويع الحلفاء والاعتماد على الذات أكثر من التعويل على واشنطن.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم