برزت في أعقاب العملية العسكرية الأمريكية الدراماتيكية، التي انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من داخل غرفة النوم، أجندة السياسة الأمريكية، إزاء دول وشعوب، حين تزداد الأطماع وتتعارض المصالح. ولم تعد هذه الدول في القانون الدولي دولا إلا بقدر ما تعرفها السياسة الأمريكية، إن لم تكن بهمجيتها فبقوتها الغاشمة، وفرضها بما يتجاوز منطق الأشياء، حد ممارسة البلطجة الدولية.
الإدارة الأمريكية في ظل الرئيس دونالد ترامب في دورته الثانية، جاءت برؤية جعلت العالم يتوقع ما لم يعهده منذ صعود النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، كما لو أن البلد الأقوى عالميا عاد إلى بدايات التأسيس، فيما شهده تاريخه من إبادة وقوة مفرطة خلت من أي قانون، إلا قانون الغاب. ولم يكن العالم مذهولا أمام مشهد تكرر في القارة اللاتينية، من جانب الولايات المتحدة «قوة إنفاذ القانون الدولي»، فقد شهد العالم 1989 اختطاف الرئيس البنمي نورييغا بالسيناريو نفسه، والتهم والمصير نفسيهما.
ويبدو أن خشية العالم تأتي من سيادة هذا النموذج في مناطق أخرى، يزداد فيها التوتر بين القوى المتفوقة عسكريا والقوى المناوئة والأضعف، ولما كان موقف العالم ومؤسساته الدولية عاجزة عن فعل يردع التصرف الأمريكي، فقد تردد نفوذ الولايات المتحدة المطلق على النصف الغربي من الكرة على «مبدأ مونرو»، وهو ما أشارت إليه استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في نهاية العام الماضي، وزاد عليه ترامب بتصريحاته المبررة للعملية العسكرية، التي أطلقت عليها «عملية العزم المطلق». ومن الغريب أنه لم يذكر الديمقراطية، أو القانون الدولي في دعوى تبرير علمية الغزو، وهي ذريعة من بين الذرائع التي بررت بها أمريكا غزواتها لبلدان بعيدة عنها، كما حدث في غزوها للعراق عام 2003 وقتل مليون عراقي، ودول أخرى غيرت من أنظمة حكمها تآمرا وتخطيطا منذ إنشاء وكالة الاستخبارات الأمريكية في أربعينيات القرن الماضي. وفي وقت لم يعد للنظام الدولي بصيغته التاريخية فاعلا الآن، وسط تكتلات إقليمية وحضارية، وكل نطاق إقليمي بات يحدد نظامه الدولي، الذي لم يعد قائما على القوة الخشنة وحدها.
وبمنطق المجال الحيوي «مبدأ مونرو»، كما في الممارسة الأمريكية، ستستعيد دول مؤثرة أخرى مجالات تأثيرها الحيوي، كالصين في آسيا، وروسيا في أوروبا بحكم القوة، أو مجال التأثير، حتى ولو لم يكن العالم وخريطته الجيوسياسية تحتمل هذا التعدد في القطبية القارية. ومع اختلاف طبيعية نفوذ كل من الدولتين (الصين وروسيا) على مستوى التسلح والاقتصاد والعوامل الثقافية والتاريخية، التي تحد من نطاق التأثير، الذي لا يقارن بالسطوة الأمريكية على البحار وانتشار قواعدها على طول قارات العالم، وقدرتها بمواردها اللامحدودة على خوض حروب في مختلف بقاع الأرض، هذا الاستحواذ الكوني، الذي تشكل لمنع أي قوة تنافس الولايات المتحدة، خاصة أوروبا الحليف التقليدي، الذي يشكل تهديدا قائما بصيغته الإمبريالية، ضد دول القارة التي تعدها حديقتها الخلفية. فإذا كان مبدأ «مونرو» الكلاسيكي منذ القرن التاسع عشر في الجغرافيا السياسية التي يتبناها الرئيس الأمريكي، يكشف عند تطبيقه في القرن الحادي والعشرين توجها إمبرياليا لا يتناسب في التوقيت، أو الفضاء الجغرافي، مع تطور نظم العلاقات الدولية في ظل العولمة. فروسيا لديها من الأحلام المتصورة أكثر من الوقائع للعب دور على المسرح الدولي، في حدود تصورات القوة البرية ومناهضة الليبرالية الغربية على طريقة نظريات مفكر الكرملين الإسكندر دوغين، عن أوراسيا الجيوسياسية. أما الصين فرغم دورها الاقتصادي الهائل في الناتج العالمي من الصناعات، فليس لديها طموح توسعي يهدد مصالحها الاستراتيجية، حتى مع أمريكا نفسها، وتبقى دولة بخصوصيتها الثقافية ونظامها المركزي، أي كما يطلق عليها أستاذ العلاقات الدولية الصيني تشانغ وي وي، بالدولة الحضارية في سياق سياسي له مؤثراته الدولية، دون قوة تفرض هيمنتها على الطريقة الأمريكية.
فما هي المحركات التي تجعل الولايات المتحدة تتدخل في شؤون دول أخرى بعيدة عنها، متحدية المواثيق وسقف القانون الدولي، الذي ترعاه الأمم المتحدة ومجلس أمنها الدولي، أكبر مؤسسة أممية على أراضيها؟ ثمة رؤية تنبثق عن القوة الأمريكية تعرف بالمعنى التقليدي الهيمنة، كما تعبر عنها سياساتها على مدى عقود، وقد تختلف الأسباب ودواعيها في تبرير استخدام القوة، من حماية الأمن القومي إلى تهديد المصالح، وكلها تفسيرات بحساب متخذ القرار الأمريكي، تستدعي تدخلا أو ضربة استباقية. وهكذا تعاملت الإدارات الأمريكية المختلفة على نهج هذه السياسة، في تنفيذ أجندتها غير المصرح بها عادة، من تغيير للأنظمة، التي لا تروق لها، أو تأمين موارد حيوية تسعى للهيمنة عليها.
وتداخل في قضية الرئيس الفنزويلي المختطف، القضائي والسياسي والاستراتيجي، مثلما تعقد الموقف الدولي وردة فعله، بين صمت وترقب يشوبه حذر من دول تخشى توجه النزعات المتهورة لرئيس دولة لا يكترث، وليس لديه حدود في العدوان. وللعدالة الأمريكية أوجه كثيرة في فرض موازينها بمقاييس السياسة الأمريكية، والمعروف أنها عارضت مشاريع العدالة الدولية، كحالة رفضها التوقيع على نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، والتفافها حول اتفاقية جنيف لمعاملة الأسرى، كما كان الشأن بمعتقلي غوانتانامو الذين أطلقت عليهم صفة عدو مقاتل، حتى لا تنطبق عليهم صفة أسرى الحرب. هذه الرؤية الأحادية للعدالة من الطرف الأقوى يخل بمبدأ الشرعية الدولية، وبالتالي تجعل العالم يتساءل حول مدى فاعلية الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، التي من شأنها أن تضع التدابير بمفهوم السلم العالمي، دون الحيلولة في التدخل خارج أطر شرعية لها نظمها التأسيسية في مجلس الأمن الدولي، وليس رغبات الدول وزعمائها. مجال النفوذ الذي تدعيه الولايات المتحدة، باعتباره حقا حصريا في نطاق تطبق عليه تدخلاتها في بعد جغرافي آمن لا يصلها تهديد مباشر، إلا أن الممارسة وبهذه الوتيرة المنطلقة من هواجس «نظرية الأمن القومي»، ستؤدي إلى ما يمكن أن يشكل عبئا في المستقبل لا تقوى على تكاليفه بغير حدود. ولأن إدارة الصراعات بهذا الحجم على المدى الطويل يقتضي غطاء شرعيا، إن لم يفرضه الظرف العالمي الحالي، فقد تسعى تكتلات جيوسياسية إلى مواجهات تتطلب تضحيات غير مضمونة النتائج. فالمهددات التي زعمت الإدارة الأمريكية، أن الرئيس الفنزويلي يمثلها، تكاد تنطبق على دول القارة التي ما لبث أن وجه إليها الرئيس ترامب تهديدات مباشرة بشن هجمات برية، ما جعل الرئيس الكولومبي يصرح، بأن الولايات المتحدة تريد أن تجعل دول أمريكا اللاتينية مستعمرات.
وكما يرى المفكر نعوم تشومسكي في كتابه «الهيمنة أم البقاء ـ السعي الأمريكي للسيطرة على العالم» أن الاستراتيجية الأمريكية الإمبريالية تنطوي على تهدِّيد وستجعل العالم منقسما وأكثر خطرا، وتكون أمريكا نفسها أقل أمناً، وهي النظرة التي تشاركه بها نخبة من ساسة السياسة الخارجية، إذ فُتح الباب واسعاً لموجات من الكراهية، فحروبها التي شنت بدعاوى الضربات الوقائية؛ وليس الاستباقية أظهرتها قوة تعمل خارج مظلة القانون الدولي، لأن الحرب الوقائية تقع ضمن دائرة جرائم الحرب. وبهذه العملية الجريئة ضد فنزويلا ورئيسها، تتخطى منظمات العالم الدولية، التي لم تعد وفق سياستها بتصميمها الذي أقرته ظروف الحرب الباردة، تمتلك القدرة على استيعاب حاجاتها التوسعية الكاسحة.
كاتب سوداني
نشر بالقدس العربي اللندنية# 21 يناير 2026م
nassyid@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم