أمن مصر في حدود مصر وليس في عمق السودان

طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com

غياب شخصيات تاريخية في السودان يجعل مصر تتصرف و كأن السودان قاصر أو سفيه ينبغي أن تكون مصر ولي أمره و مصر على الدوام تتناسى أن السودان للسودانيين و ليس لمصر أي حق بأن تتدخل في شأن الشعب السوداني. مصر في تدخلها في الشأن السوداني تتدخل و هو تدخل فاقد الشئ الذي لا يعطيه لأنها لها أزماتها و من أزمات مصر أنها عجزت بأن تتحول الى دولة صناعية و بالتالي أصبحت دولة بلا مستقبل كما يقول الإقتصادي المصري جلال امين في كتابه ماذا حدث للمصريين؟

إذا انشغل المصريين بسؤال جلال امين و أنصرفوا الى شأنهم الداخلي في كيفية خروج مصر من أزماتها الإقتصادية الحالية و قد بداءت مصر في بيع أراضيها كإستثمارات لدول الخليج و بيع مؤسساتها لكان أفضل لهم من أن يكون كل همهم في الإستحواز على موارد السودان المهدرة بسبب غياب ريادات وطنية غير واعية في السودان.

لأن حل أزمة السودان مسألته مسألة وقت لذلك من الأفضل لمصر أن تفكر في كيفية الخروج من أزمتها الإقتصادية بعيدا من التفكير في فكرة الدفع الى الأمام أي أن تخلق إستمرارية أزمة في السودان لتظن أن مصر في وضع أفضل. منطق مصر و نخبها يتعارض مع أفكار ديفيد هيوم و خاصة في أدبه الإقتصادي و في معناه أن نهضة السودان الإقتصادية هي دفعة لمصر بأن تخرج من عجزها عن التحول الى دولة صناعية.

لا يمكن أن تكون نهضة السودان إلا بعقول أبناءه و ليس بتدخل مصر لأن مصر كأغلب الدول العربية ليس لهم نموذج ديمقراطي يمكن إتباعه و السير على تجربته لأن النظم في الدول العربية كلها نظم ملكية تقليدية كما في السعودية و دول الخليخ أو نظم حكم عسكرية تسلطية كما هو سائر في نظام السيسي في مصر فمثلا بعد سقوط الأسد لم يجد الشعب السوري نموذج ديمقراطي ناجح في الدول العربية يمكن محاكاته.

لهذا السبب تبنى احمد الشرع نموذج السعودية و توسط له ولي العهد السعودي لكي يدخله في ساحة المجتمع الدولي و بنفس هذه الطريقة تريد مصر و تتوهم أنها يمكنها أن تدعم جيش الكيزان في السودان و تخلق من البرهان العسكري الزعران سيسي سوداني و تقدمه للعالم كهلفوت و من خلفه تستحوذ مصر على خيرات السودان و هيهات. في وقت وضح فيه هدف ثورة ديسمبر أنها ثورة حرية و سلام و عدالة و ما حرب البرهان بجيشه الكيزاني ضد صنيعته الدعم السريع إلا محاولة لقطع طريق الثورة كما فعل نابليون عندما قطع طريق الثورة الفرنسية و هيهات.

و هنا يكمن إختلاف الشعب السودان عن بقية الدول العربية في مسيرته منذ سبعة عقود بعد الإستقلال و ثوراته التي تنشد النظام الديمقراطي و هي مسيرة راقية و يمكن تصنيفها أنها متقدمة على أغلب الدول العربية في مطلب الحرية بشكل جماعي كما أنجزه الشعب السوداني في ثوراته في إكتوبر1964 و ابريل 1985 و أخيرا في ثورة ديسمبر المجيدة.

طلب الحرية بشكل جماعي في ثورات السودان سيتحقق لأن السودان يسير في طريق مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و هي مجتمعات قد أدركت أن ظاهرة المجتمع البشري لا تفسرها غير معادلة الحرية و العدالة. و ثورات الشعب السوداني كلها تسير بروح معادلة الحرية و العدالة. و في المستقبل البعيد سيتحقق نظام حكم ديمقراطي في السودان تكون فيه العلاقة مباشرة بين الفرد و الدولة و سوف تتحقق المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد بعد أن يغيب بريق وهم أدب الهوية المجافي لأدب الحرية.

و من علامات أدب بريق الهوية التي تعمي إصطفاف النخب السودانية في أحزاب الطائفية و حزب المرشد و غيرها من أوهام وحل الفكر الديني و العرقي و هذا ما يجعل جهود رجل عظيم كعبد الرحمن علي طه و رغم عظمة شخصيته يكون أسير خيوط عنكبوت. الطائفية و بالمناسبة عبد الرحمن علي طه لو شق طريقه لوحده بعيدا عن خيوط عنكبوت الطائفية لأصبح شخصية تاريخية لا تقل قامته في رفعتها عن قامة نهرو في الهند.

و من هنا تكون دعوتنا الى الإقتصادي السوداني ابراهيم البدوي بأن يفك إرتباطه بأوهامه عن أفكار السيد الصادق المهدي و محاكاته له حتى في حشد مقالاته بأدب الإسلاميات الكلاسيكية في زمن روحه روح الإسلاميات التطبيقية و هي تجسد فكر إنثروبولوجيا كانط و قد أصبحت فيه النيوكانطية فنار العالم الجديد و قد أعملت القطيعة مع التراث الديني التقليدي.

نهضة السودان ينبغي أن تكون بعقول سودانية و شخصيات تاريخية سودانية تفك إرتباطها بالشرق الأوسط القديم و خاصة بأن هناك شرق أوسط جديد بداء مساره بعد أن هزمت إسرائيل كل من حماس و حزب الله فرع نصر الله أزرع إيران و بعدها هزيمة إيران و رجوعها الى الداخل الإيراني مهزومة مدحورة فالشرق الاوسط الجديد اللاعب الرئيس فيه ستكون إسرائيل و السعودية و دول الخليج أما مصر فلم تعد لاعب ذو أهمية في الشرق الأوسط الجديد و الدليل أن زيارة ترامب الى السعودية و دول الخليخ و إستثمارهم أموال لا يمكن أن تخرج من خزينة مصر يوضح بأن مصر قد أصبحت في الشرق الأوسط الجديد عبارة عن كم مهمل.

لذلك يستطيع القارئ السوداني أن يلاحظ بأن السعودية و في توسط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لترامب من أجل حل مشكلة السودان فيه قد سحب البساط من تحت أقدام مصر و خاصة في إستجابة ترامب الى طلب ولي العهد السعودي و هذا دليل على أن مصر لم تعد لاعب ذو قيمة في الشرق الأوسط الجديد و عليه سوف تستمر مصر في عرقلة التحول الديمقراطي في السودان بألف حيلة و حيلة.

و من حيل مصر أن أمن مصر في عمق السودان و هذا قول بالمناسبة فيه إستحقار للعقول السودانية لأن أمن مصر في حدود مصر و ليس في عمق السودان و السودان للسودانيين كما قال من قبل الرجل العظيم عبد الرحمن علي طه و نقولها اليوم بعد أن أعلنت مصر خطوطها الحمراء و هي واهمة أن أمن مصر في عمق السودان و تريد أن تكون أي مصر جزء من حرب عبثية بين جيش الكيزان و صنيعته الدعم السريع.

و هذا قول يجب أن يرفضه كل السودانيين لأن مصر ما زالت تحتل مثلث حلايب و ما زالت مصر تستغل موارد السودان المائية بوجود الرئ المصري في السودان و هذا ما يجب أن يرفضه جميع السودانيين كما رفضت أثيوبيا حيل مصر في أن تكون مصر جزء من إدارة السد أي سد النهضة و تريد أن تخدع الأثيوبيين بفكرة ري مصري في أثيوبيا كما إستغفلت النخب السودانية الفاشلة في مواجهتها لألاعيب مصر.

أما فرحة الكيزان العارمة بخطوط مصر الحمراء و بأنها ستكون عون لجيشهم الكيزاني في حرب عبثية مع صنيعتهم الدعم السريع فهذا ليس بغريب على عقل الكيزان لأن الكوز ليس له وطن و لا يعني له السودان معنى الوطن. لأن الكوز وطنه في سياجاته الدوغمائية و سباته الدوغمائي العميق لذلك معنى السودان كوطن لا يعني للكوز شئ. و بالتالي لا يبالي الكوز بأن يكون أمن مصر في عمق السودان و لا يحس بأن مثل هذا القول فيه طعنة لكل ذو ضمير حي و روح أبية ترفض التدخل الأجنبي في شؤون وطننا كما رفضها عبد الرحمن علي طه و قالها داوية السودان للسودانيين.

في ختام هذا المقال وجب التنبيه بأن الشرق الأوسط الجديد سيكون بلا خطاب للإسلاميين و سيكون الشرق الأوسط الجديد سير على إيقاع ما بعد إنهيار خطاب الإحياء الديني و قد ظهرت حشوده في مطلع سبيعنيات القرن المنصرم بعد فشل الجمهوريات العربية و فشل جمال عبد الناصر في أن ينقل العالم العربي نحو التحرر حيث تكون الحريات مطلب جماعي و هيهات.

و من هنا نقول للشعب السوداني وفقا لتاريخ ثوراته منذ 1964 فهو الشعب الوحيد بين شعوب ما بعد إنهيار خطاب الإحياء الديني سيكون له موعد مع الحضارات و موعد مع التاريخ لأن ثوراته الثلاث إكتوبر و أبريل و ثورة ديسمبر المجيدة كلها ثورات واضح فيها مطلب الحرية كمطلب جماعي و هذا غائب في جميع الدول العربية و الدليل ها هي مصر و نخبها تسير خلف السيسي الذي يمضي في طربق تأسيس نظام حكم تسلطي في مصر.

نقولها للكيزان في السودان أن تدخل السيسي لا يقدم و لا يؤخر من موت خطاب الإحياء الديني في العالم العربي الإسلامي التقليدي و الغرقان بتعلق بقشة فكيزان السودان غرقانيين في وحل التاريخ الذي لفظهم الى مزابله لذلك هم فرحون بخطوط مصر الحمراء.

و مصر نفسها لها أزماتها و في مقدمتها أزمتها الإقتصادية التي سوف تسوقها الى الهلاك و مسألة إنفجار الاوضاع في مصر مسألة وقت في ظل ظروف عجزت فيها مصر أن تتحول الى دولة صناعية و تتحول الى نظام ديمقراطي يحقق طموح مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية فالعالم اليوم يحتاج الى السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و هو الذي يقود الإقتصاديين و علماء الإجتماع و الأنثروبولوجيين و هذا السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني لا تتطابق صفاته مع عبد الفتاح السيسي في مصر.

و أخيرا و في عودة الى قدرة الكيزان و قدرتهم في خداع النخب السودانية الفاشلة و هو قولهم أن عبد الوهاب الأفندي و الطيب زين العابدين و المحبوب عبد السلام و التجاني عبد القادر قد نقدوا خطاب الإسلام السياسي و تجاوزوه. في قراءة سريعة لمقال التجاني عبد القادر الأخير و دعوته للسعودية و مصر لدعم الجيش الكيزاني ما هي إلا عودة آمنة للتجاني عبد القادر بأن يعود كوز كامل الدسم كما رأينا من قبله كيف عاد جميع الكيزان الكذبة في نقدهم للكيزان فعادوا كيزان أكثر مكرا مما كانوا عليه من قبل.

فجميع الكيزان ما هم إلا كتبة و فريسسين حفظة شريعة و قساة قلوب كما وصفهم السيد المسيح أما زماننا المعاصر فهو عصر الإنسان و نتاجه فكر الأنسنة و هذا ما سيكون عليه الشرق الأوسط الجديد.

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

الصراع بين المهدي و العلماء الدكتور عبد الله علي ابراهيم و اللا مفكر فيه

طاهر عمرtaheromer86@yahoo.com كتاب عبد الله علي ابراهيم الصراع بين المهدي و العلماء كتاب يجد إحتفاء …