أنا والسوق 3

يرويها الأستاذ محمد سيد أحمد الحسن
حررها عادل سيد أحمد

في فترة من الفترات، فقدت الاتجاه: تركت شل واعتزلت السياسة ورحلت إلى الكلاكلة، وبدأت أبحث عن عمل، وأسائل نفسي (ماذا سأشتغل؟)، تاجر لا أنفع، عامل؟ لا أنفع.
وبدأت التفكير، فكنت أذهب إلى سوق الكلاكلة اللفة وأتنقل هنا وأقف هناك لزمن، وأخيرا وصلت لأن الملح هو السلعة التي يستخدمها كل الناس ويوميا، وأنه من السلع الضرورية، فبدأت أسال عنه فاتضح لي أن الكلاكلة ليس بها شخص يصنِّع الملح، فمن أين يأتي؟ قالوا لي: (والله من أمدرمان يأتي به النقادة، والله من السجانة) …
فذهبت إلى السجانة، وسألت:

  • يا أخوانا، هل هناك طاحونة ملح؟
  • لا!
    وهكذا، الديم، نمرة تلاتة وطفت الخرطوم كله: ليس هناك طاحونة ملح!
    فأحسست أن هذا هو العمل الذي يمكن لي أن أشتغل فيه. وأعددت دراستي التي بنيت على أساس وجود عشرة ألف بيت، فلو استطعت أن أبيع ملحاً لخمسة ألف بيت، وكل بيت من الخمسة ألف اشترى ملحا بجنيه، فأكون قد بعت ما قيمته خمسة ألف جنيه، وخمسة ألف في عشرة بالمائة أرباح تساوي خمسمائة جنيه، وهو مبلغ كبير لأن احتياج بيتي الشهري كان حوالي ثلاثمائة جنيه.
    وقامت الدراسة على هذا الأساس وتلك المعطيات.
    ودخلت في الملح، واتضح ان الملح للبيوت لا يؤبه له، وانه يشكل نسبه ضئيلة من سوق الملح، فهو سوق ضخم جداً، ففيه ناس الجلود، وفيه ناس الجبنة، والفسيخ، والمطاعم، وفيه العرب حول منطقة الكلاكلة يقدمون الملح للبهائم، ناس جبل أولياء وطيبة الحسناب وشمال المسيد يأخذون الملح لأغنامهم وليس لهم، واتضح أن جبل أولياء تحتاج لكميات كبيرة من الملح لصناعة الفسيخ والجبنة.
    بعد ذلك جاءونا ناس (الظهرة)، فهم يأخذون البوهية أو التراب الملون، ويخلط مع الجير، ثم يثبتون المخلوط بالملح. فاتضح أن هذا السوق كبير جداً جدا، وبدأت أشتغل، يعني بجيب (قندران بترتلته).
    والملح نفسه أنواع، وأشكال وألوان منها ملح السجون، وملح باعبود، والملح الرواية، وصنف يكون رديئا بعد الطحن، وآخر يكون ملح قبيح جدا فتطحنه فيصير ملحاً جيدا، وهناك ملح مُر، وآخر ذو رائحة كريهة، وهناك ملح يزيد بعد الطحن وآخر يكش (ينكمش)، ويوجد ملح متعب في الطحن وصعب، بينما هناك ملح سهل الطحن والناتج يكون جميل جدا.
    فاتضح انه دراساتي وتجهيزاتي كلها غير دقيقة ولا تمتُ للواقع بصلة.
    واستمريت في الطاحونة إلى أن يعني… قصتها طبعا صارت كاللبانة، كل ما يقول أحد ما شيئا يقولوا له: (الطاحونة)، إلى أن تدخل جهاز الأمن وقرر إيقافها، فأوقفها!

amsidahmed@outlook.com

عن عادل سيد احمد

عادل سيد احمد

شاهد أيضاً

من طرف المسيد: عن شركة شَل 4 والأخيرة

يرويها الأستاذ محمد سيد أحمد الحسنحررها عادل سيد أحمد لم يكن هناك نشاط نقابي، وأكثر …