أنا وصديقاتي

خيط النور

بعض الذكريات لا تعود لأنها جميلة فقط، بل لأنها علّمتنا كيف نضحك قبل أن نفهم. وكيف لبعض الصداقات أن تظل محفورة في الذاكرة، رغم تباعد الأيام والمسافات؟
أيام الجامعة ذكريات جميلة وصحبة نقية لا تزال إلى يومنا هذا تجابه رياح البعد والوحدة، وما زاد حبنا رسوخًا هو نقاء سريرتنا ووهج محبتنا الخالصة، كنا خمس صديقات شلّة من الرأفة يلفها الضحك والإقبال على الحياة، نمتهن الشمار فيما بيننا ونشدو بالأغاني مع هالة ونستمع إلى القصص والحكايات مع سارية ونفيض بجنون اللهو والدمع مع رانيا ونسرح مع الباوقة بتفاصيلها الحنينة مع ريم، وأنا بينهن أقرأ خواطري.
بين ضحكاتنا وجلساتنا الممتدة، كان الوقت يسرقنا بهدوء نحو سنوات لم نشعر بها، ومرّت الأعوام ما بين إفطار رمضان، وحفلة في مسرح الجامعة، وزيارات منزلية، حتى نضجت صداقتنا وصرنا شقيقات الورد، نتداول الحكمة علكةً فيما بيننا، نخلص في محبتنا، لا تغشانا الغيرة وإن حاولت، نقاوم اليأس ونمسح على الإحباط بالدعاء.
أذكر أننا، في يوم هادئ، جلسنا بعد أسابيع مزدحمة بالمهام، بعد أن عركتنا رياح العمل والحياة، وكان يوم خميس أول الشهر، اعتدنا أن يكون يومًا للترفيه، نتناول فيه طعامًا في مكان نترك اختياره لرانيا. اجتمعنا في بيت الحبشة، وبعد وجبة دسمة من الزغني، فيما لا زالت أنوفنا تتذكّر وهج الشطة، وشفاهنا تتلذذ بنكهة القهوة، حتى قالت هالة: «أتعلمون أن الكذب ملح الرجال؟» قالتها هكذا، ووجدت عبارتها استحسانًا من جلستنا، فصارت كل واحدة تحكي عن كذبة قيلت لها أو حدثت أمامها، حتى امست جلستنا نهراً من الحكايا والأشواق، وتجمعت قهقهاتنا بنعومة فطافت بين فم رانيا وريم وسارية وبيني والقهوة.
الآن، بعد أعوام، يمر على خاطري تلك الجلسة، فأضحك بنشوة وأفرح بشوق، لتطفو دموعي رغبةً في لقاء ولهفة لعناق طويل بيننا. فقد فرقتنا الأيام، وصارت كل واحدة منا في بلد، نجتر ذكرياتنا ما بين انشغال بالواجبات اليومية والحياة الروتينية، وتشكل هذه اللحظات الحنونة من الماضي عالماً صغيراً نلجأ إليه بين ضغوط الحاضر، لكن شفق كلمات هالة يتسلل إلى كتابتي بوعي وحكمة.
وبينما تتسلل ذكريات تلك الجلسة إلى قلبي، أدركت أن لكل كلمة طعمها، ولكل موقف أثره، كما للكذب والحب طعمهما الخاص.
فإن كان الكذب ملح الرجال، فهو شيء لا يمكن الاستغناء عنه، طعمه وروحه حاضر كما لا يُقبل الأكل بلا ملح حتى لو كان حلوًا. وبالمقابل، فالبابريكا هي إبهار النساء؛ ليست ضرورية، لكنها تعطي للطعام نكهة خاصة.
وإن نظرنا إلى الأمر بطريقة أعمق، فإن العلاقات الإنسانية تحتاج الشجاعة والصدق، وكلاهما مفصل في زاوية الحب. فلا حب يخلو من ملح وبابريكا، وكذا لا علاقة تصمد دون شجاعة وصدق. فإن صدقت الأنثى، فذلك بابريكا، وإن ظهرت شجاعة الرجل، فهو الملح الذي تقوم عليه كل العلاقة.
لنجد أنفسنا أمام معنيين متباينين تمامًا: الكذب والملح. أيهما خطأ، وكيف نفسره؟ قد نتساءل أكثر: لماذا تقول النساء إن «الكذب ملح الرجال»؟ هل يعتمد الرجال فعلاً على الكذب بهذه الطريقة، أم أن النساء تتحامل أحيانًا عليهم؟ أم أن حساسية المرأة هي التي تفكك العقد الصغيرة في الكلام، فتشعر بالكذب وتترك الرجل يمضي في امتداده دون اعتراض؟ أم أن كل هذا مجرد صدفة، نتيجة لمزيج من المزاج والحساسية والفطرة؟
حين أعود إلى تلك المقولة بعد مرور الأعوام، أدرك أن الأمر ليس بسيطًا كما بدا في لحظة الضحك. فالكذب، إذا كان خفيفًا ومحدودًا، يمكن أن يكون كالملح في العلاقة: يخفف الاحتكاك ويجعل الأمور أسهل، ويضيف نكهة دون أن يفسد الطعم، بينما الصدق والشجاعة هما الأساس المتين الذي يقوم عليه كل توازن حقيقي في الحب والعلاقات. والنساء، بحساسيتهن الدقيقة، يلتقطن هذه التفاصيل الصغيرة، فتظهر في أعينهن علامات الانتباه والوعي، كأن لديهن «قرون استشعار» ترصد الحقيقة وراء الكلمات. ولكن هذا لا يعني تحاملهن، بل يشير إلى أن الحب والصداقات تحتاج موازنة دقيقة: بين صدق الرجل ووعي المرأة، بين الشجاعة في القول والذكاء في الصمت، بين الملح والبهارات، وبين ما يُقال وما يُترك. وهكذا نتعلم أن الكذب أحيانًا يكون مجرد نكهة، والصدق دائمًا هو ما يبني العلاقة ويجعلها صادقة وممتعة، مع لمسات من المرح والدعابة تضفي الحياة عليها.
وتظل تلك الجلسات في الذاكرة كما ضحكاتنا التي ملأت لقاءاتنا بالدفء والنور. فأتذكر جلستنا في مكتب الكلية، بيت رانيا كما يحلو لنا تسميته، حيث هالة بنظارتها الشمسية، وريم بحقيبتها السوداء وأسرار علكتها، وسارية وهي تضغط على الثاء بمحبة، وأنا بينهن أطفو في سعاده. لقد علمتنا صداقتنا أن لكل رجل مقاييسه الخاصة في الحب والصدق: فالكذب أحيانًا يكون ملحًا يخفف الاحتكاك ويجعل الأمور أسهل، لكن الشجاعة والصدق هما ما يقوم عليه كل توازن حقيقي في العلاقة. وبين ذكريات الماضي وحكايات الحاضر، يظل الوعي بهذه الفواصل هو ما يجعل الحب والعلاقات صادقة وممتعة، ويمنحنا القدرة على التقدير والضحك، والشعور بالحنين إلى ما كان وما زال. ولصديقاتي أقول: هل ما زال سر العلكة والحكايات الصغيرة يرطب ذكرياتكن كما في تلك الجلسات؟
وللقارئ العزيز: هل لديك صديقات أو أصدقاء يجعلون لحظاتك أصفى، وذكرياتك ألطف، وضحكاتك أكثر صدقًا؟

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …