أنثروبولوجيا عمانويل كانط وفك إرتباطها من اللاهوت وما أثر غياب عقل أنوارها من ساحتنا السودانية

طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com
أنثروبولوجيا عمانويل كانط وفك إرتباطها من اللاهوت وما أثر غياب عقل أنوارها من ساحتنا السودانية
تظهر عظمة عمانويل كانط و قدرة تمحيصه في أنه قد فك إرتباط الانثروبولوجيا من اللاهوت و أبعدها من الخطاب الديني و أكد بأن الإنسان وفقا لتجربته في ضمير الوجود بالضرورة أخلاقي و عقلاني و إمكانية إعادة خلق مجتمع عادل و متساوي ممكنة في حدود قدرة عقله البشري بعيدا عن تهويمات رجال الدين و شطحاتهم. و بالمناسبة عمانويل كانط كان متزمتا و لم يخرج سباته الدوغمائي العميق إلا بعد إطلاعه على فلسفة ميشيل دي مونتين و يعتبر مونتين من الإنسانيين الكبار و كانت أفكاره قد جعلته سيد أفكار القرن السادس عشر و هو قرن فكر الإنسانيين الكبار و بداية فك إرتباط الفكر اللاهوتي الديني و إتاحة الفرصة لفكر النزعة الإنسانية التي تعطي الإنسان إمكانية إعادة خلق مجتمع وفقا لقدرة عقله البشري و بعيدا عن الما ورائيات أي إبعاد الميتافيزيقيا.
من المفارقات المضحكة أن أفكار ميشيل دي مونتين تزامنت في القرن السادس عشر مع قيام سلطنة الفونج في سنار و هي ترتكز على الفكر الديني و هنا تتضح إمكانية رؤية كيف أصبحت المسافة تتسع بين الشعب السوداني و الشعوب الحية و نقصد أن سيرنا منذ قيام دولة الفونج كان معاكس لسير العالم الحديث حيث سار العالم الحديث على أفكار النزعة الإنسانية و سرنا في السودان تحت ظلال الفكر الديني اللاهوتي لمدة خمسة قرون.
هذا هو المدى الزمني الذي يفصلنا من روح العالم الحديث لذلك سطعت الآن في السودان خلال الخمسة قرون الأخيرة أفكار اللاهوت الديني الجدلي و لم تقدم لنا غير شخصية سودانية عدائية و حادة و عنيفة محفوفة بفكر اللاهوت الجدلي الديني و قد تجلت في سلطنة الفونج و مرورا بالمهدية و أخيرا في الحركة الإسلامية السودانية و ثمرتها المرة الإنقاذ و كيزانها و قبحهم الذي لا يحتاج لدليل. و النتيجة سيطرة أفكار المؤرخ التقليدي في السودان و سيطرة أفكار الأنثروبولوجيين السودانيين العاجزيين عن فك إرتباط الأنثروبولوجيا عن اللاهوت كما فعل عمانويل كانط من قبل قرنيين و نصف حيث فك إرتباط الأنثروبولجيا من الفكر اللاهوتي الديني مع إفتراضه أن الإنسان عقلاني و أخلاقي. و بالتالي يؤمن بالحرية للآخريين و يمكنه أن يؤسس مجتمع في حدود مقدرات عقله البشري و بعيدا عن أفكار رجال الدين.
من هنا يمكننا و في سهولة رؤية عجز النخب السودانية و حيرتها و إستحالة إمكانية مواجهتها لأي تحدي و التغلب عليه لأننا خلال الخمسة قرون الأخيرة ما زلنا نرزح تحت ظلال الفكر اللاهوتي الديني الذي أبعده فكر الإنسانيين الكبار و كذلك أبعده فكر عقل الأنوار. و بالتالي من سهولة أن تلاحظ المكابرة و المغالطة التي يقدمها المؤرخ التقليدي السوداني الذي عجز أن ير أن التاريخ على المدى الطويل يصير علم إجتماع و هذا العجز جعله في أواخر عمره يدافع عن الكيزان و الجيش الكيزاني لأن مفهوم الدولة الحديثة قد غاب عن أفقه بالكلية. و كيف لا يغيب عن أفقه؟ و قد اتخذ من الماركسية كدين بشري في ايمانها بالمطلق مراءة شبابه. لذلك ليس من الغريب أن ينحدر من أقصى يسار المطلق الى أقصى يمينه الديني اللاهوتي.
و يمكنك أيضا ملاحظة كيف يدافع أحسن إقتصادي سوداني عن مشروع و فكر إمام الطائفية بل لا ير أي حرج في أن تلتف حوله النخب و هو للأسف مشروع طائفي لم يخرج بعد من اللاهوت الديني الجدلي و كل هذا لأن النخب السودانية غير مدركة أن هناك فكر نزعة إنسانية قد فك إرتباط الأنثروبولجيا من الفكر الديني و هناك أيضا فكر ادم إسمث و قد فك إرتباط علم الإقتصاد من الفكر الديني و الفلسفة و أصبح مشروع يفسر أخلاقية و عقلانية الإنسان كنتاج لمجد العقلانية و إبداع العقل البشري.
بالمناسبة ادم اسمث هو فيلسوف أخلاق قبل أن يكون إقتصادي و يرى كثر من النقاد أن ادم اسمث في كتابه نظرية المشاعر الأخلاقية السابق لكتابه المشهور ثروة الأمم فيه من علم الإقتصاد ما يفوق محتوى ثروة الأمم لذلك ليس بغريب أن يقول عمانويل كانط بأنه لم يفارق سباته الدوغمائي العميق إلا بعد إطلاعه على أفكار كل من ادم اسمث و كذلك أفكار ديفيد هيوم.
قد يقول قائل من القراء الكرام ما علاقتنا بكانط و ادم اسمث و ديفيد هيوم و ميشيل دي مونتين؟ و هولاء فلاسفة غربيين ليس لثقافتنا العربية الإسلامية التقليدية أي صلة بهم و بفكرهم و لنا طريقنا في تطورنا لتاريخنا الخاص بنا و هنا تكمن روح مقالي الذي أكتبه الآن و هو أن أنثروبولوجيا كانط نظرت للإنسان بأنه إنسان و لا يهم أن يكون أبيض أو أسود أو أوروبي أو أسيوي أو أفريقي بل أن الإنسان هو أخلاقي و عقلاني و يمكنه إعادة تشيد مجتمع بشري وفقا لقدرة عقله البشري و في حدود عقله البشري و ليس كما يظن كثر في أن اللاهوت الديني عبر شرائعه يمكّننا من بناء مجتمع عادل و هنا ظهرت الحيلة العاجزة للنخب السودانية و ظهر أيضا عقل الإستحالة للنخب السودانية في حيرته و عدم قدرته في فك إرتباط الأنثروبولوجيا و الإقتصاد من فكر اللاهوت الديني و عقله عقل القرون الوسطى.
لهذا السبب ما زالت أغلب النخب السودانية أسيرة و تحت نير فكر المرشد الكيزاني و الإمام الأنصاري و الختم و كذلك تحت نير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني التي تفكر بدلا عن أتباعه و هم تحت نير تربية حزبية لا تفترض أن الفرد بالضرورة عقلاني و أخلاقي.
بالمناسبة أنثروبولجيا عمانويل كانط هو آخر كتاب لعمانويل كانط و هو مجموعة دروس في الأنثروبولجيا قدمها لطلابه خلال ثلاثة و عشرين عام في سمستر الشتاء إبتداء من عام 1772 الى عام 1796 و فيه تتضح فكرة القطيعة مع الأنثروبولجيا التي ترتكز على الفكر اللاهوتي و بعد كانط و في أنثروبولوجيا كانط كانت القطيعة بين الأنثروبولوجيا و الفكر الديني و أصبحت أنثروبولجيا كانط تقوم على فكر النزعة الإنسانية.
كانط يفترض أن الإنسان في صميمه له ميل طبيعي للحرية و كذلك ميل طبيعي لفكرة العيش المشترك لذلك هذه النزعة التي في صميمه تجعله بكل سهولة أن يكون أخلاقي و عقلاني لكي يعيش في مجتمع و يؤسس لفكرة العيش المشترك و بالمناسبة من فكرة كانط هذه نجد كلود ليفي اشتراوس يؤسس أفكار البنيوية و ينتقد جون بول سارتر و عجزه عن رؤية أخلاقية و عقلانية الإنسان. لذلك ظل سارتر مدافعا عن النظم الشمولية و خاصة الشيوعية و قد إنتقده كلود ليفي أشتراوس بأن أخلاقية الإنسان و عقلانيته تؤكد خطاء فكرة الصراع الطبقي لذلك كان كلود ليفي اشتراوس يفتخر دوما بأن أستاذيه هما كل من ميشيل دي مونتين و عمانويل كانط.
السودان الآن يكمل سبعة عقود من إستقلاله و لم تتمكن نخبه من تأسيس و ترسيخ فكرة العيش المشترك و السبب لأن نخبه لم تستطع فك إرتباط كل من الأنثروبولوجيا و الإقتصاد من الفكر اللاهوتي الديني. و لن تخرج النخب السودانية من وحل الفكر الديني إلا يوم أن تدرك أن الطريق الوحيد للخروج هو فك إرتباط كل من الأنثروبولوجيا من الفكر اللاهوتي الديني و كذلك فك إرتباط علم الإقتصاد من الفكر اللاهوتي الديني و بعدها سوف تتضح فكرة الشرط الإنساني التي تمثلها الفلسفة السياسية التي تفترض أن الإنسان عقلاني و أخلاقي و في حدود عقله البشري يمكنه تشيد مجتمع تسوده الحرية و العدالة و بعيد عن ظلال الفكر اللاهوتي الديني الذي ينعكس على ساحتنا في خنوع الكوز للمرشد و خنوع أتباع الطائفية للإمام و الختم و خنوع الشيوعي السوداني للجنة المركزية للحزب الشيوعي و كأنهم لم يسمعوا إجابة كانط لسؤال ما التنوير؟ و كذلك كأنهم لم يسمعوا لسؤال كانط عن من الإنسان؟ و بقية أسئلة كانط الثلاثة الأخرى و هي ماذا أعرف؟ و ماذا أعمل؟ و ماذا أأمل؟ و هي أسئلة كانت في جهوده الفكرية التي سبقت كتابه أنثروبولوجيا كانط.
و لكن خيط معرفة المعرفة أو النقد المعرفي عند كانط يشير الى أن سؤاله عن من الإنسان؟ جوابه كان في كتابه أنثروبولوجيا كانط و سؤاله ماذا أعرف؟ فهو في الميتافيزيقيا و بالتالي إجابته في كتابه الدين في حدود مجرد العقل أما سؤاله ماذا أعرف؟ فهو يتمدد في مفهوم الأخلاق عند كانط و هي مكنون الإنسان و صميم ميله الحدي للحرية و ليست الأخلاق نتاج الشرائع الدينية. أما سؤال ماذا أامل؟ فهو في علاقة الإنسان بربه بعيد عن وساطة رجال الدين من كل شاكلة و لون لذلك يصير الدين في أفق كانط أفق الرجاء و مفهومه أفقي و ليس عمودي كما يعتقد عبدة النصوص فالدين عند كانط شأن فردي في مسيرة الإنسانية التاريخية التي تسير بقوة مجد العقلانية و إبداع العقل البشري.
لذلك عند كانط تسهل مسألة فصل الدين عن الدولة لأنه قد فصل الأنثروبولوجيا عن اللاهوت كما فصل أدم إسمث و فك إرتباط الإقتصاد من كل من الفلسفة و الدين و دعاء لمجد العقلانية و إبداع العقل البشري. و من هنا تأتي دعوتنا للنخب السودانية للتفكير في فصل الدين عن الدولة و تأسيس مجتمع إنساني في حدود قدرات عقلنا البشري تسوقه معادلة الحرية و العدالة.
على العموم نختم هذا المقال و دعوتنا لنخب السودانية أن تنفتح على أفكار كانط في جهوده الفكرية في أنثروبولوجيا كانط. على ضؤه أنثروبولوجيا كانط خرجت الفلسفة من حيزها الكلاسيكي و تمددت في حيزها التطبيقي. و لي ملاحظة و هي أن ميشيل فوكو و هو أحد فلاسفة ما بعد الحداثة و رغم هجومه الدائم على عقل الحداثة إلا أنه له إهتمام كبير بأنثروبولوجيا عمانويل كانط و بالمناسبة ربما تكون فلسفة كانط التطبيقية في أنثروبولجيا كانط هي من جعلت ميشيل فوكو يتراجع عن هجومه على عقل الأنوار مع بقية فلاسفة ما بعد الحداثة في هجومهم على عقل الأنوار و أشهرهم ميشيل فوكو و جاك دريدا و ربما يكون تراجع فوكو سببه إهتمامه البالغ بأنثروبولوجيا عمانويل كانط و كذلك بسبب هجوم فلاسفة فرنسيين على فكر فلاسفة ما بعد الحداثة و خاصة فكر ميشيل فوكو و جاك دريدا.

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

الصراع بين المهدي و العلماء الدكتور عبد الله علي ابراهيم و اللا مفكر فيه

طاهر عمرtaheromer86@yahoo.com كتاب عبد الله علي ابراهيم الصراع بين المهدي و العلماء كتاب يجد إحتفاء …