أوراقٌ يـوغـنـديـّة : دِبلومَاسيـوْن في حَـفــلٍ دَمَـوي .. بقلم: جمال محمد إبراهيم
12 مارس, 2015
منشورات غير مصنفة
47 زيارة
أقرب إلى القلب:
تغرّب عَن الأوطانِ في طلبِ العُـلى
وَســافِــر ففي الأسفارِ خمسُ فوائدِ
تَفــَرُّجُ هَــمٍّ ، واكتسَــابُ مَعــيشةٍ
وَعِـلــمٌ وآدابٌ ، وَصُحــبةُ ماجـِـــدِ
الإمام الشافعي
(1)
إذا قيلَ في الأثر أنّ في الأسفار خمسَ فوائد ، فثق أن في السَفر الدبلوماسي مخاطر لا تقلّ عددا. .!
لا يرى الكثيرون في الدبلوماسي، وهو يمارس عمله بعد سفره إلى الخارج، إلا ذلك الجانب المشرق الذي تمثله تلك الفوائد الخمس. ويغيب عن النظر في أكثر الأحوال، أن الدبلوماسي يسافر وهو يحمل حقيبته فوق كتفه، زاده السياسة وكسبه معاناة ورهق. ليس هو ذلك المتجول بين البلدان، كمثل السائح أو المكتشف، يمرّ مروراً عجلاً على الأمصار والبلدان. ليس هو ذلك الرحالة الذي يسجل مشاهداته، وما يلفت نظره من عجائب قومٍ غير قومه ، أوثقافات شعوبٍ غير تلك الثقافات التي ألفها في بلاده. كلا. . بل هو المسافر يحطّ رحله في بلد غريب، يقيم فيه لزمانٍ، وقد تمتد إقامته فيه لسنوات طوال، وقد تقصر قليلا. أكثر الدبلوماسيين، ومن طول مكثهم في بعض البلدان، تجدهم يلحنون بألسنة قومها، ويتأثرون بالايجابي من ثقافاتها وآدابها وطرائق المعيشة فيها. ولكن ليست حياة الدبلوماسي كلها مُتعاً واكتساب معيشة وتفرّج همّ وصحبة أماجد. ثمّة جوانب يكاد يخفيها الدبلوماسي، متعمّداً أن لا تُحدِث- إن افصح عنها- ما قد يضرّ بأدائه لمهمته في تلك البلاد الغريبة. .
(2)
قد لا يتصوّر البعض أن يعرض للدبلوماسي من الأمور ما قد يستهجنهُ، أوما قد لا يستسيغه، ولربّما يتحاشاه العقل السويّ. إن حقائبنا الدبلوماسية ملأى بالقصص والحكايات ، فيها المضحك، مثلما فيها المحزن المُبكي . .
كنا في يوغندا حتى أواخر سبعينات القرن الماضي، نؤدي مهامنا الدبلوماسية في همّة عالية في سفارة السودان في قلب العاصمة كمبالا ، ونحن في بلد نحسبها الأقرب وشيجة لنا، والأكثر معرفة بنا وبثقافاتنا الأفريقية. حملتْ الأنباء توترات في البلاد، وأذيعت بيانات عسكرية عن ثمّة محاولة انقلابية فاشلة في كمبالا، وأن المحكمة العسكرية التي أنشأها على عجل الفيلد مارشال عيدي أمين حاكم البلاد، قد قضت بأحكام إعدام لجميع المتورطين في العملية، العسكريين منهم والمدنيين.
بلغتنا في السفارة مذكرة رسمية من وزارة الخارجية، عمّمت على السفارات في كمبالا، تضمنت دعوة سفراء السلك الدبلوماسي المعتمدين في كمبالا أو ممثليهم، لحضور تنفيذ أحكام الإعدام في الميدان العام الذي حددته الحكومة. تلمسنا مواقف عددٍ من البعثات الدبلوماسية الصديقة ، فآثر أكثر السفراء إرسال ممثلين عنهم لحضور عملية تنفيذ الحكم. سألت صديقاً لي في مراسم الخارجية اليوغندية، فقال لي إن التوجيهات صدرت من القيادة العليا، بهدف التقصّي عن مواقف تلك البعثات الدبلوماسية، ومواقف بلدانها من النظام القائم في كمبالا. لتجنب التصنيف السالب، قرر القائم بالأعمال في سفارتنا، أن نمثله أنا والقنصل، في ذلك الحفل المأساوي، أسوة بما قررته بعض السفارات الأخرى.
(3)
أقتطفُ من مذكراتي المكتوبة في دفتر يومياتي ، عزيزي القاريء، متخيّراً لك ما لن يزعجك وأنت تتابع مقالي :
(.. دلفنا.. أنا وصديقي القنصل إلى موقع تنفيذ أحكام الإعدام. يقع ميدان “برج الساعة” في قلب مدينة كمبالا ، وهو المكان الذي حددته الحكومة لتنفيذ الأحكام رمياً بالرصاص على المتهمين. البيانات الرسمية دعت جمهور العاصمة للحضور إلى الميدان ، ولتسهيل الأمر فقد أغلقت الحكومة مكاتبها باكراً، وكذا المصارف والمحلات التجارية. ميدان “برج الساعة” هو الذي يبدأ منه الطريق المؤدي إلى مطار “عنتيبي”.
الساعة تميل إلى الخامسة عصرا. سوق السمك الشهير في ضاحية “كاتوي” قبالة الميدان، خلا من المتسوقين. لم يكن اختيار هذا الميدان بلا مبرر، إذ من ذلك المنحدر يطل في مرتفعٍ قريب قصر “الكباكا” ، والكباكا الحالي، سليل “موتيسا”، هو زعيم قبيلة “الباقندا” التي تحمل الدولة نصف إسمها : “يوغندا”. يقيم “لكباكا” في منفاه الاختياري في لندن، هرباً من جحيم نظام “عيدي أمين” . ما فتيء الرئيس الحالي، وقد حكم البلاد بعد انقلاب عسكري في عام 1971، يهدد “الكباكا” ويتوعّده .
ضُربت الأعمدة الخشبية وعددها ثلاثة عشر، منذ الصباح الباكر في ذلك الميدان, ثم وضعوا البراميل وثبتوها على تلك الأعمدة . جاءت شاحنة كبيرة وأفرغت أكوام الرمل أمام البراميل وبدأ الجنود بلباسهم الرسمي يهيلونها إلى داخل البراميل. تقاطر عدد كبير من الناس إلى الميدان ، تسلقوا الأشجار المحيطة بالمكان، وبعضهم تسلق الأعمدة وأسقف البنايات..)
(4)
هاأنذا أراجع أوراقي ويعتريني قلقٌ كاسح، برغم أن تلك المشاهد قد انقضتْ عليها السنوات الطوال. أتجاوز بعض السطور المقلقة، ولكني أشركك معي، عزيزي القاريء، في مشاهدة تلك الوقائع المحزنة :
(خصّصوا مكاناً مميزاً في المقاعد الأمامية، للسفراء والدبلوماسيين. كنا الأقرب للأعمدة المنصوبة ، فيما بدا صديقي القنصل الرشيد بابكر، غير مصدق لما يرى. كنا نشاهد الناس يتدافعون، تدافعاً محموماً للظفر بمكانٍ يتيح لهم متابعة ما سيجري من أحداث، فيما سعى الجنود اليوغنديون وأسلحتهم على أكتافهم، يحاولون ضبط النظام. الخامسة إلا الربع جيء بالمحكوم عليهم مقيدين، وهم بملابسهم العادية ورؤوسهم مغطاة بأقمشة سوداء تتدلى إلى أكتافهم. قيدوا كل متهم إلى عمود.
تمام الساعة الخامسة عصراً، اقتربت شاحنة عسكرية ترجّل منها جنود مقنّعون بملابس الميدان يحملون رشاشاتهم، وعددهم خمسة عشر جندياً. ران على المكان صمت مخيف، فلا تسمع إلا وقع أحذية الجند رتيباً على حشائش الميدان. رفع قائدهم يده بالإشارة وصاح بأمر الإعدام. لم تنقضِ هنيهة، ثم أفرغ الجنود المكلفون بالعملية، رصاصات رشاشاتهم في جسد المتهم المقيد أول صف الأعمدة. تهاوت أجسادهم تباعاً بعد ذلك في قيودها، جسداً بعد جسد . تهاوت إلى قيعان الموت، ونحن شهود. .
غرقنا في ذهول طاغٍ، ونحن نسمع صياح بعض المشاهدين ينبهون الجنود المدجّجين :
– إن الرابع ما زال حيا.. !
ولم تهدأ الرشاشات.. التصويب لم يكن محكماً والمشاهدون المعذبون يتعطشون لأداء أجود..
– الثاني كذلك..لا يزال حياً.. ! )
الطغيان المفرط لا يحفظ للإنسانية قيمة تذكر…
(5)
تفرّق الناس بعد انتهاء المسرحية الدموية، مثلما يتفرّق الجمهور بعد مبارة حامية في كرة القدم..!
تلك الليلة .. لا أنا ولا صديقي القنصل، أمكن لنا أن نتناول عشاءنا. قضينا وقتاً طويلاً امتد لساعات الفجر، نتداول حول ما شهدنا ، وفيما إنْ كان لهذا الحفل الدموي من ضرورة، وهو من إخراج أطراف متشدّدة من العصبة المسيطرة على الأمور في كمبالا. يعرف صديقي أنّ جلّ هذه العصبة هم ضباط وجنود “الأنيانيا” السابقين الذين لم تستوعبهم اتفاقية أديس أبابا عام 1972، وهي الاتفاقية التي أنهت الحرب الأهلية في جنوب السودان. سودانيون بالأصل، ولكنهم يوغنديون بالتجنس! كانت لصديقي القنصل- وقد سبقني بسنوات في الإقامة والعمل في سفارتنا بكمبالا- رؤية ثاقبة، إذ أقنعني أن السفينة في كمبالا، لا تسير بما يرضي قبطانها، وأن الأفق ينبيء عن عواصف، بل أعاصير قد تدفع بالنظام الحاكم إلى حواف الانهيار. .
بعد أشهر قليلة ، وقعت الواقعة ، وانهار نظام “عيدي أمين” . . وتلك قصة أخرى.
قد يكون كوب الدبلوماسي مليئاً إلى نصفه بفوائد السفر، غير أن نصفه الباقي، محتشد بمعاناة وتعاسة ورهق. .
الخرطوم- مارس 2015
jamalim1@hotmail.com
//////////