محمد عبد المنعم صالح
هل تساءلت يوماً وأنت واقف أمام قبة مشيدة أو ضريح مزخرف، هل هؤلاء فقط هم أولياء الله؟ هل الولاية محصورة فيمن بنيت لهم القباب وتوافدت إليهم الجموع؟ أم أن هناك أولياء آخرين لا نعرفهم، دفنوا في قبور عادية مثلنا، لا راية فوقهم ولا ضريح يذكرهم، ولا أحد يسأل عنهم؟ لقد أخفاهم الله في حياتهم، فأخفاهم في مماتهم، ستروا أنفسهم فسترهم الله تحت التراب، وجعلوا قبورهم مثل قبور الفقراء والمساكين، لأنهم كانوا في الدنيا هكذا، متواضعين خفيين لا يُلتفت إليهم، لكنهم عند الله من المقربين، وهم أوتاد الأرض التي بها يحفظ الله هذا الكون.
ليس الأمر أن الأولياء في الأضرحة فقط، ولا أن أصحاب القباب وحدهم هم أهل الولاية، بل الحق أن هناك أولياء في الأضرحة المشيدة وعليها القباب يزورهم الناس ويتبركون بهم، وهناك أولياء آخرون سترهم الله في قبور عادية لا تختلف عن قبور عامة الموتى، لا راية فوقهم ولا ضريح يذكرهم ولا زائر يسأل عنهم، وكلا الفريقين عند الله من المقربين، لكن أحدهما أذن الله بظهور كرامته للناس، والآخر اختار الخفاء فستره الله تحت التراب.
نحن نعتاد أن نرى الأضرحة الكبيرة والقباب العالية والزوار يتوافدون إليها، فنظن أن الولاية هناك فقط، وأن أصحاب القباب وحدهم أهل الكرامة، لكن الحقيقة أن أكبر الأولياء وأعمقهم سراً وأعلاهم درجة عند الله قد يكونون ممن دفنوا في قبور عادية لا تختلف عن قبور الفقراء والمساكين، لأنهم في حياتهم كانوا كذلك، عاشوا بين الناس كالماء في النهر لا صوت لهم ولا صورة ولا يلتفت إليهم أحد، بينما في الأضرحة والقباب يوجد أولياء أظهروا كراماتهم وعرفهم الناس فصلوا ببركتهم ودعوا عند قبورهم، لكن ليس كل صاحب قبة ولياً، وأيضاً ليس كل من دفن في قبر عادي عادياً، فالأمر كله بالسر الذي بين العبد وربه.
الذين في الأضرحة هم أولياء أذن الله أن تكون قبورهم معالم يُهتدى بها، فبرزوا للناس وأظهروا ما لهم عند الله من منزلة، وجعلوا قبابهم منارات للذكرى والتبرك، أما الذين في القبور العادية فهم أولياء اختاروا الخفاء بملء إرادتهم، لأنهم عرفوا أن الولاية سر بين العبد وربه إن أظهرته ذهب سره وإن تحدثت عنه فقدته، فكان همهم الوحيد أن يراهم الله لا أن يراهم الناس، فلم يطلبوا الشهرة ولم يسعوا إلى المقامات ولم يبنوا لهم زوايا ولم يجمعوا حولهم المريدين، بل كانوا في الأسواق يحملون الأثقال ويبيعون الخضار ويخدمون الفقراء ويمشون في الطرقات كأحد الناس يأكلون الطعام ويلبسون الثياب البسيطة ولا يُعرف لهم ذكر ولا يُلتفت إليهم لكنهم كانوا عند الله من المقربين وهم أوتاد الأرض التي بها يحفظ الله هذا الكون ولو أقسم أحدهم على الله لأبره وبدعائهم تُفرج الكروب وتُكشف الغموم لكن لا أحد يعرفهم.
هؤلاء الأولياء المستورون استتروا في الدنيا لأنهم علموا أن الشهرة فتنة وأن الظهور ابتلاء وأن القبة قد تكون حجاباً لا تكريماً وقد تكون سجناً لا مكرماً فآثروا الخمول على الشهرة والخفاء على الظهور والغربة على الألفة حتى إذا جاءتهم ساعة الموت لم يوصوا بأن يدفنوا في مكان مميز ولم يطلبوا أن يقام عليهم ضريح ولم يشترطوا أن تزار قبورهم بل تركوا أمرهم لله ودفنوا في المقابر العادية بين العامة والفقراء والجهال في قبور لا شاهد لها ولا بناء ولا علامة تذكرهم ليقال عنهم هؤلاء رجال مسلمون عاديون لا أولياء مرصودون وبهذا أتموا سترهم في الحياة والموت فكانوا مع الله في السر والعلانية بينما أصحاب الأضرحة والقباب كان لهم شأن آخر أظهرهم الله ليكونوا قدوة وبركة ظاهرة للناس.
وهنا يأتي السؤال الحائر إذا كان الأولياء في القبور العادية ولا يُعرفون فكيف نزورهم وكيف نتبرك بهم وكيف نطلب منهم الدعاء والجواب أن من كان سره مع الله فلا يحتاج إلى زوار ولا إلى مشهد ولا إلى راية ترفع فوقه لأن بركته ليست محصورة في مكان ولا مقيدة بضريح بل هي سارية في الأرض ببركة إيمانه وإخلاصه وهو حي عند الله يرزق يعلم به أهل السماء ولا يعلم به أهل الأرض وزيارته تكون بالقلب لا بالقدم والدعاء به يكون بالنية لا بالمشهد الظاهر فمن أراد أن يتبرك بهذا الولي الخفي فليتق الله في سره وليصحح نيته وليجعل قلبه معلقاً بالله لا بالقباب والمشاهد فوالله إن القبر العادي الذي لا يُزار قد يكون أعظم عند الله من قبة كبيرة يتوافد إليها الآلاف لأن صاحب القبر العادي كان همه أن لا يراه أحد إلا الله فأعطاه الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
نحن نظن أن الأولياء في الأضرحة وحدهم لأننا نرى بأعيننا ولا نرى بقلوبنا ونحكم بالظاهر ولا ننظر إلى الباطن لكن لو رفع الحجاب عن أبصارنا لرأينا عجباً ولعرفنا أن أكثر الأولياء في قبور منسية لا تزار وأن أعظمهم في قبور لا تُعرف ولا يُسأل عنها لأنهم ستروا أنفسهم في الحياة فسترهم الله في الممات وجعلوا قبورهم مثل قبور الفقراء لأنهم كانوا في الدنيا من الفقراء المتخفين الذين لا يُسأل عنهم ولا يُلتفت إليهم لكنهم عند الله من المقربين كما أن في الأضرحة والقباب أولياء أظهرهم الله ليكونوا آيات بينات وعلامات على ولايته في أرضه.
ولذلك أيها الزائر للقباب لا تغتر بالمشهد الظاهر فليس كل صاحب قبة ولياً وأيها المار على المقابر العادية لا تحتقر التراب الذي تطؤه فلعل تحت قدميك ولياً من أولياء الله لا تعرفه ولا تعلم به ولعل روحه تشهدك وتدعو لك وأنت لا تشعر فالقبة ليست دليلاً على الولاية وحدها والقبر العادي ليس دليلاً على الخمول عند الله إنما الولاية في القلب والسر في الإخلاص والقبول عند الله لا يُعرف بظاهر البنيان بل بصدق الإيمان وحسن الإخفاء فهنيئاً لمن ستره الله في قبر لا يعرفه أحد وهنيئاً لمن كان همه أن يراه الله ولا يراه الناس فكان عند الله من المقربين وفي القبر من المستورين الذين لا تُزار قبورهم ولكن أرواحهم في عليين وهنيئاً أيضاً لمن أظهرهم الله وجعل قبورهم مزاراً للناس وبركة للعالمين فكلٌ عند الله على منزلته وكلٌ له مقامه لكن القباب ليست حكراً على الولاية ولا القبور العادية دليلاً على الانقطاع..
mmoniem855@gmail.com
