أيلولة مشروع الجزيرة إلى الجيش .. بقلم: إمام محمد إمام
19 أكتوبر, 2014
منشورات غير مصنفة
36 زيارة
لم يكن غريباً أن يقرَّ الأخ محمد يوسف والي ولاية الجزيرة، بأن من تداعيات فشل مشروع الجزيرة، وتدني الإنتاجية بسبب تبعية المشروع إلى الحكومة الاتحادية، ارتفاع نسبة الفقر في ولاية الجزيرة إلى 46%، وتأكيده أن ولاية الجزيرة لا تجني أيّ فوائد مادية من مشروع الجزيرة في الوقت الراهن، حسب الحوار الصحافي الذي أجرته معه صحيفة “التغيير” أمس (الأحد). فإنه بكل المعايير والمقاييس، يتأكد للقاصي والداني أن مشروع الجزيرة فشل فشلاً ذريعاً، بعد أن كان نوارة الجزيرة كلها، وليس مشاريعها فقط.
وأحسبُ أن القارئ عن مشروع الجزيرة يعلم أنه لم يكن مشروعاً زراعياً فحسب، بل مشروعاً تنويرياً تنموياً للمنطقة بأسرها، ومن ثم إشعاعه التنويري امتد إلى كل بقاع السودان، وأن خيره الوفير -زراعةً ومحصولاً – فخر به كلُّ أهل السودان في زمنٍ ليس ببعيدٍ، ولكن كل المحاولات الأخيرة لمعالجة مشكلات المشروع فشلت في تحقيق مآرب الجهات الرسمية، سواء كانت في إدارة المشروع، أو في مؤسسات الدولة المختلفة. لقد كان لمشروع الجزيرة دوراً بارزاً في بسط التعليم وسط أبناء المزارعين، ونشر الوعي، وتقديم الإرشاد الزراعي، للمزارعين أنفسهم، ثم الإسهام في حركة تثقيفية عريضة أُستغلت فيها كل وسائط المعلومات والتعليم والترفيه، وهذه لعمري، المُرتكزات الأساسية للوسائط الصحافية والإعلامية، إلى يومنا هذا. وكان حسب ما أكده الأخ محمد يوسف والي ولاية الجزيرة، أن مشروع الجزيرة، كان سبباً في جعل مدينة ود مدني المدينة الثانية في السودان، من حيث الكثافة السكانية، والحراك الثقافي والرياضي، وإلى ما قبل ثلاثة عقود من الزمان كان فريقاً الهلال والمريخ يضمان أكثر من ثُلثِ لاعبيهم من مدني وحدها، وفي مدني كانت الفرق الثلاثة التي تشكل مورداً مُهماً من موارد الهلال والمريخ من اللاعبين الأفذاذ، هم: الأهلي (سيد الأتيام) والاتحاد (الرومان) والنيل. أما في فنِ الغناء شعراً ومغنىً، فحدث ولا حرج، فقد رفدت مدني الخرطوم بعمالقةٍ في الشعر الغنائي والمطربين، يكفيني تمثيلاً وليس حصراً، أستاذي الصحافي والشاعر الغنائي المُبدع فضل الله محمد، والشاعر علي المسّاح، ابن أم درمان الذي استقر في مدني، ومن المطربين العملاق إبراهيم الكاشف، والموسيقار محمد الأمين، والمبدع المُجدد أبو عركي البخيت، وصحبهم الميامين الذين ملأوا دنيانا شعراً وغناءً، وموسيقىً وطرباً. ولكن اليوم نحسبُ أنها عَقِمت، فلم تلد لنا مثل ما ولدت في السابق، وكأنها حزنت لموات مشروع الجزيرة، الذي فرهد في جنبات الولاية، زرعاً وإبداعاً، وفكراً وثقافةً من قبل.
وفي رأيي الخاص، من الضّروري أن لا نغرق ونستغرق في تعداد أسباب الفشل، وشرح مُسببات الإخفاق، بل علينا أن نبحث عن رؤية جديدة لإنقاذ هذا المشروع الزراعي الضخم من فشلٍ ذريعٍ وتدهورٍ مستمرٍ، ويكون ذلك بتفكير فيه شُبهة الثورية، وبعيداً عن التقليدية، ويستمد مقترحي الذي أراه كفيلاً بمُعالجة سُوء إدارة مشروع الجزيرة، والعمل على إنجاحه في مستقبل الأيام، وإعادته سيرته الأولى، من مشاركتي في الملتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين الذي عقد مؤخراً في الأكاديمية العسكرية العُليا بأم درمان، طوال 5 أيامٍ، كان النقاش فيها إستراتيجياً، والتفكير إستراتيجياً أيضاً. فخلصنا من مناقشات خارج أجندات الملتقى إلى ضرورة البحث في كيفية مُعالجة بعض المشكلات الكُبرى التي تُسهم – بلا أدنى ريب – في تقديم تصورٍ واضحٍ لمعالجة الوضع الاقتصادي الرّاهن المأزوم. فخلُصنا خلال هذه المناقشات إلى ضرورة أيلولة مشروع الجزيرة إلى الجيش، باعتبار أن الجيش المنظومة الوحيدة التي مازالت تتمتع بقدرٍ من الانضباطية، وكفاءةٍ عاليةٍ في الأداء، وهمةٍ سامقةٍ لإنفاذ ما يُكلَّف به، وفوق هذا وذاك، نجد أن دروسَ فقه الولاء والبراء للمؤسسة العسكرية ما زالت تسود بين أفرادها ضُباطاً وجُنداً، ومتقاعدين ومفصولين، لن تعمي أبصارهم ولا بصيرتهم أسى التقاعد المُبكر، أو مراراتُ الفصل التعسفي، إذ ما زالوا يدينون بالولاء والبراء لمؤسستهم العسكرية إلى يومنا هذا، وأحسبُ أنها تبادلهم ذات الشعور.
أخلصُ إلى أنّه من الضروري البحث بصورة جادة وبتفكير عميق حول مقترحي المتعلق بأيلولة مشروع الجزيرة إلى الجيش لفترة زمنية محددة، تتراوح ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، ثم يحدث تقويم التجربة خلال منتصف هذه الفترة، للتأكد من أن المؤشرات تشير إلى نجاح مساعي الإصلاح في هذا المشروع الزراعي الضخم.
ومن المعلوم أنه قد جرت عدة محاولات للتصدي لتدهور المشروع، وتم تكوين العديد من اللجان في فترات مختلفة لمعالجة هذا التدهور، والبحث عن تداعياته. وأشار الأخ الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان الخبير السوداني المعروف، أن العديد من محاولات التصدي لتدهور المشروع قد اعتمدت لجانها بشكل أساسي على كتاب آرثر جيتسكلم “الجزيرة.. قصة تنمية في السودان”، الذي صدر في عام 1959، ولكنه ما زال المرجع الأساسي لقصة قيام وتطور مشروع الجزيرة، ولا نريد أن نخوضَ في تقارير اللجان التي أوردها الأخ الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان في سلسلة مقالاته عن مشروع الجزيرة. فالمأمول أن تدرس إدارة مشروع الجزيرة – إذا وجدت هذا الاقتراح قبولاً – بأيلولته إلى الجيش، جملةَ أفكار ورؤى حول إصلاح المشروع.
ومن الضَّروري عند الحديث عن أيلولة مشروع الجزيرة إلى الجيش، أن نستصحب النجاحات التي تحققت للمستشفيات والمراكز الصحية العلاجية، التي آلت إلى وزارة الصحة بولاية الخرطوم من وزارة الصحة الاتحادية، والتوسع غير المتوقع في الخدمات الصّحية والطبية، في القرى والنجوع والأرياف في ولاية الخرطوم، إضافةً إلى تحويل المُستشفيات المركزية إلى مستشفيات مرجعية، فهكذا شهد قطاع الصحة والطبابة في ولاية الخرطوم ازدهاراً كبيراً بعد قرارات الأيلولة، وسياسات الخارطة الصحية التي استصحبت إنفاذها. من هنا نتوقع أن يصيب قرار أيلولة مشروع الجزيرة إلى الجيش التوفيق نفسه، في تحقيق الإصلاح وإعادة المشروع سيرته الأولى.
ولنستذكر في الصّدد، قول الله تعالى: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”.
وقول الشّاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبئ:
وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ
وكَذا تَطْلُعُ البُدورُ عَلَيْنَا وكَذا تَقْلَقُ البُحورُ العِظامُ
ولَنَا عادَةُ الجَميلِ منَ الصّبْرِ لَوَ انّا سِوَى نَوَاكَ نُسامُ
كُلُّ عَيْشٍ ما لم تُطِبْهُ حِمامٌ وكلُّ شَمسٍ ما لم تكُنْها ظَلامُ
/////////////