نزار عثمان السمندل
بحري تعرف أبناءها كما تعرف مجرى النيل. تحفظ أصواتهم في ذاكرة الماء، وتتركهم يمضون حاملين نبرتها إلى البلاد.
في شمبات، تشكّل صفوت الجيلي؛ ابن حيٍّ يتنفس على إيقاع السيرة والمديح، ويمنح الفن وقاره قبل أضوائه. جذوره تمتد نحو رفاعة والعزيبة والجنيد الحِلّة، حيث يختلط الطين بالغناء، ويكبر الانتماء مثل شجرة ظلّها طويل.
سيرته تمضي على خطين متوازيين. جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا صقلت ذهنه، وهندسة النسيج علّمته الإصغاء إلى الخيط وهو يعبر النول.
مهندس يعرف أن أي خلل في النسق يربك اللوحة كلها، وفنان يدرك أن ارتعاشة واحدة في الصوت قادرة على تبديل مصير أغنية. عقل منضبط، وقلب مفتوح على احتمالات الشجن.
الساحة استقبلته عبر «أصوات وأنامل». لم يحتج إلى ضجيج كي يثبت حضوره. نبرة دافئة تتقدم بخفر، وأداء يراهن على الصدق أكثر من الاستعراض.
أغاني الحقيبة وجدت فيه وفاءً يليق بها، وأعماله الخاصة حملت توقيعه بلا ادعاء.
غنّى للوطن كأنه يخاطب وجهاً يعرفه، وغنّى للإنسان كأنه يخاطب نفسه. «أهم ناس عندي»، «بسمتين عند اللزوم»، «اشتقت ليك»، «شيال التقيلة»؛ عناوين تحولت إلى محطات في ذاكرة جمهور يرى فيه واحداً منه.
حتى عالم الأطفال نال نصيبه في «سمسمة»، حين اختار أن يمنح البراءة صوتاً يحميها.
مساء التاسع والعشرين من أكتوبر 2024 انكسر الإيقاع. يد امتدت إلى منزله في الحاج يوسف، واقتادته إلى جهة غامضة. منذ تلك اللحظة صار اسمه سؤالاً يتردد في البيوت والمنتديات وصفحات الأصدقاء.
عام مضى، ثم آخر يوشك أن يكتمل، والصمت يراكم ثقله. مناشدات فنانين ومثقفين وجمهور لا يطلب سوى خبر يطمئن القلب، ويطمئن صغاره الذين يشغلون قلبه ولابدّ.
صفوت الجيلي قيمة تتجاوز أغنية ناجحة. سيرة رجل اختار أن يبقى بعيداً عن الخصومات، وأن يضع صوته في خدمة معنى أوسع من الشهرة. حضوره اليوم يتحول إلى امتحان لذاكرة البلاد: هل تحفظ أبناءها حين يختفون خلف الأبواب المغلقة؟
سؤال بسيط يعلّق في الهواء: أين صفوت؟
إلى أن يجيء الجواب، يظل صوته يدور في الفضاء، شاهداً على أن الفن طاقة حياة، وأن الأغنية قادرة على مقاومة العتمة مهما طال الليل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم