إخوان السودان… “بلّوا راسكم”

تتحرّك واشنطن نحو لحظة مفصلية، كأنها تفتح الدفتر الأسود للجماعات العابرة للحدود، وتستدعي تاريخاً طويلاً من الالتباس. إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استعداده لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين “منظمة إرهابية أجنبية” بدا أشبه بصفارة إنذار داخل المعادلات الإقليمية، رسالة حادّة توحي بأن زمن المجاملات انتهى، وأن العالم يتهيأ لخطّ جديد في تعريف الإرهاب ومصادره.

استقبلت الأوساط السياسية الأميركية القرار كأنه ثمرة تراكم الأسئلة، لا نتيجة انفعال مفاجئ. التحقيق المطوّل الذي نشره موقع “جست ذا نيوز” عن أنشطة الإخوان جاء كضوء كاشف فوق بنية تنظيم يُتقن التخفي داخل شبكات العمل الخيري والجمعيات الواجهية، بينما تتمدد لغته الأيديولوجية في مساحات شديدة الحساسية من العالم الإسلامي والغربي معًا. وبعد أيام، سارع حاكم تكساس غريغ أبوت ليصنف الإخوان و”مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية” كمنظمات إرهابية ومنظمات إجرامية عابرة للحدود، في خطوة تعكس اتساع القناعة بأن الخطر لم يعد نظرياً.

البيت الأبيض أكّد أن الملف بات داخل مطابخ القرار، وأن الرئيس تشاور مع فريقه الأمني وزعماء المنطقة الذين يَرَون في الجماعة جذوراً لصراعات كثيرة. تصريحات سارة ساندرز كشفت عن أن النقاش لم يعد يدور حول “هل؟”، بل حول “كيف ومتى؟”. ومع اكتمال الإجراءات، ستتحول الجماعة إلى عنوان لخريطة عقوبات واسعة تطول كل من يتصل بها، أفراداً أو كيانات.

الزيارة الأخيرة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى واشنطن كانت مثل حجر ثقيل أُلقي في الماء الراكد. السيسي حمل معه خبرة بلد دفع أثماناً باهظة منذ 2013، وواجه تنظيماً لا يتردد في تغيير جلده واستثمار لحظات الفوضى ليعيد إنتاج مشروعه. الإشارة الأميركية إلى “تقدم كبير مع مصر في مكافحة الإرهاب” حملت ما يكفي من الدلالات.

يتخوف مراقبون من ارتدادات القرار على علاقة واشنطن بتركيا، التي تحولت إلى ملاذ واسع لقيادات الجماعة الهاربة. لكن إدارة ترامب تبدو مقتنعة بأن صعوبة المسار لا تلغي ضرورته، وأن رسم حدود صلبة بين الدولة والتنظيمات العقائدية شرط لاستقرار الشرق الأوسط.

ومثلما يضيق العالم ذرعاً بتسويات الماضي، تتهيأ الخرائط لمرحلة تتقدم فيها المحاسبة. الرسالة واضحة: زمن التغاضي انتهى. “الإخوان”، أينما وجدوا، سيُسألون عن أدوارهم، عن المال الذي سال في الظلام، وعن الواجهات التي أخفت مشروعاً صدامياً طويل العمر. وفي السودان تحديداً، حيث حاولت الجماعة الاحتماء بالاضطراب وصناعة العتمة، سيأتي الدور، وسيصل العقاب إلى كل يد لعبت بالنار وأحرقت وطناً كان يستحق حياة أخرى. بلّوا راسكم.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …