إدارة حرب… لا قرار سلام

نزار عثمان السمندل

يُدار المشهد السوداني اليوم داخل غرفة ضيقة، تتكدس فيها المبادرات أكثر مما تتكدس احتمالات الخلاص. قيادة الجيش تنظر في مقترح هدنة جديد صيغ برعاية سعودية – أميركية، بينما تتآكل البلاد تحت وطأة حرب تجاوزت معنى الاشتباك، واستقرت في خانة الاستنزاف المفتوح.
النقاش لا يتجه نحو السلام بقدر ما يلتف حول شروط التحكم به، ولا يقترب من وقف النار بقدر ما ينشغل بمن يمتلك حق إعلان الصمت ومتى، لاسيما أن الاقتراح ليس سوى تنويع على ما قدمته “الرباعية” من قبل، جديده هو تحييد اسم دولة الإمارات جانباً.

ثلاث سنوات من الحرب صنعت يقيناً ثقيلاً مفاده أن المجتمع الدولي يجرّب، والسودان يسدد يدفع الفاتورة كاملة. المحاولات السابقة سقطت تباعاً، ليس لأن الأفكار شحيحة، إنما لأن ميزان القوى على الأرض يرفضها.
مقترح الرباعية في سبتمبر الماضي قوبل برفض قاطع من قيادة الجيش، ووُصف بالانحياز، قبل أن يعود النقاش نفسه بملامح معدّلة عقب زيارة عبدالفتاح البرهان إلى الرياض، ومعه خطاب أكثر ليونة تجاه واشنطن ورسالة مباشرة إلى دونالد ترامب.
تبدل اللغة لم يبدل الوقائع، بل أزاح الستار عن مأزق أعمق يشير إلى أن الحرب لم تعد طارئاً يُراد احتواؤه، بقدر ما أضحت أداة تفاوض بحد ذاتها.

القاهرة، التي استضافت، يومذاك، اجتماعاً موسعاً ضم الرباعية وأطرافاً دولية وإقليمية، خرجت بنبرة أعلى مما خرجت بنتائج. التلويح باتفاقية الدفاع المشترك لم يكن إعلان مواجهة، بقدر ما كان إقراراً بالقلق. مصر والسعودية لا تخفيان دعمهما للمؤسسة العسكرية، غير أن هذا الدعم لم يرتقِ إلى مستوى فرض مخرج سياسي أو كبح الانزلاق المستمر.

المبادرة الجديدة، وفق ما يتردد، ليست سوى صياغة مخففة تضمن قبول الجيش، عبر تعديل بنود جوهرية كانت تمس موقعه في السلطة. تعديل كهذا كفيل بتوسيع هوة الرفض لدى الطرف المقابل، وتعميق الشرخ مع المكوّن المدني، بما يعيد إنتاج الحلقة نفسها.
في الجهة الأخرى، تتحرك القوى المدنية خارج البلاد أكثر مما تتحرك داخلها. تحالف «صمود» افتتح جولة أوروبية من باريس، حاملاً ملفات الحرب والانتهاكات والكارثة الإنسانية. خطاب واضح، ومطالب مألوفة، تدور حول هدنة عاجلة، فتح مسارات إنسانية، إطلاق عملية سياسية واسعة، إقصاء المجموعات المرتبطة بالإسلاميين، مساءلة قانونية، ووقف التدخلات الخارجية.
غير أن هذه اللغة، على تماسّها مع الضمير الدولي، تصطدم بواقع قاسٍ حيث تمضي سلطة الأمر الواقع في إجراءات لمحاكمة خصومها غيابياً، والقوى المدنية نفسها تعاني انقساماً مزمناً أفقدها القدرة على تقديم بديل متماسك، وأضعف موقعها التفاوضي.

المشهد العام يوحي بأن الاستعداد للتسوية غائب. الجيش يشترط إنهاء وجود “الدعم السريع”، وهذه تراهن على تمددها الجغرافي والزمني. الداعمون الخارجيون يواصلون تغذية الطرفين، والأمم المتحدة تطلق نداءات تمويل لا تجد آذاناً كافية للإصغاء والاستجابة. كل يوم إضافي من القتال يقلّص هامش العمل الإنساني، ويُضاعف هشاشة الدولة.

الميدان يكتب نصّه الخاص. أكثر من مئة وخمسين ألف قتيل، ملايين المشردين، مدن مستنزفة، وخدمات منهارة.
سقوط الفاشر في أكتوبر لم يكن حدثاً عسكرياً معزولاً، كان لحظة كشفت اتساع الحرب وتحول أدواتها. المسيّرات باتت تحلق بعيداً عن خطوط التماس التقليدية، والبلاد تتحول إلى مختبر مفتوح للتجريب العسكري.
البرهان، بعد انتكاسة أكتوبر، جال إقليمياً ودولياً بحثاً عن دعم يعوّض خسائر الأرض. عاد إلى الخرطوم، عقد اجتماعات رسمية، من دون أن يغيّر ذلك شيئاً في مسار الحرب. “الدعم السريع”، في المقابل، لا تُخفي طموحها بالتقدم أكثر، وتتعامل مع الزمن بوصفه حليفاً.

سيناريوهات 2026 شحيحة الأمل. وقف إطلاق النار والانتقال إلى حكم مدني يبدوان في أدنى سلّم الاحتمالات. الأرجح ترسيخ واقع تتقاسم فيه القوى المتحاربة مناطق نفوذ من دون إعلان صريح للانقسام. دارفور وأجزاء واسعة من كردفان خارج سلطة الدولة، المركز والشرق والشمال في قبضة الجيش، وبقية البلاد تعيش نزاعات متقطعة. تجارب ليبيا والصومال تحضر كتحذير ثقيل، لا كتشبيه نظري.

كسر هذه الحلقة يمرّ، نظرياً، عبر قرار خارجي بوقف الإمدادات عن حَملة السلاح. الولايات المتحدة تملك القدرة على جمع هذا القرار، لكنها تفتقر إلى سجل مقنع في متابعة تنفيذه وضمان استدامته.
وحتى لو فُرض صمت السلاح، ستعود أسئلة الحكم المدني أكثر تعقيداً، مع مؤسسة عسكرية متضخمة، وقوى إسلامية كامنة، ونخب مدنية مشتتة بين المنافي والاختلافات.

السودان يقف على حافة متأرجحة؛ بلا أفق قريب للنهاية. الحرب مستمرة لأنها تحولت إلى بنية قائمة بذاتها، تقتات من التوازنات الخارجية ومن عجز الداخل. والسلام مؤجل لأنه يحتاج ما هو أعمق من مبادرات تُعاد صياغتها؛ وما هو أثقل من بيانات تُتلى.
يحتاج إرادة قادرة على كسر المعادلة. لا يحتاج براعة في إدارة الانهيار، ولا مهارة في تأجيل السقوط خطوة إضافية.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

أين صفوت؟ إن شاء الله المانع خير

نزار عثمان السمندل بحري تعرف أبناءها كما تعرف مجرى النيل. تحفظ أصواتهم في ذاكرة الماء، …