إرادة الشيخ ود تكتوك: حكمة البسطاء التي عبرت حدود الزمان والمكان

منبر بنيان مقالات من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com

من بين بيوت القش في قرى السودان، خرجت كلماتٌ تفوق في عمقها ما دوّنته مكتبات العالم… فالحكمة لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بقدرة الكلمة على البقاء في القلوب.

في الموروث السوداني الشعبي، يتربع اسم الشيخ فرح ود تكتوك على عرش الحكمة العفوية التي صارت جزءًا من وجدان الناس، إذ لم يكن فيلسوفًا متكلّفًا، ولا رجل دولة نافذًا، بل درويشًا بسيطًا خرجت من بين شفتيه جُمل قصيرة، لكنها مشبعة بالمعنى وراسخة في الذاكرة الجمعية.

كان ود تكتوك يقول: “من لا يصل إرضاء ربه أضينه، كيف يدي لا التريمه؟”؛ والتريمه في الموروث الشعبي هي قطعة خبز يابسة، صغيرة الحجم لكنها تحمل معنى الكرم والعطاء ولو بالقليل. في هذه العبارة، يربط بين التقوى والكرم، وبين رضا الله ومساعدة الناس، كاشفًا بعمق أن التكافل المجتمعي يبدأ من القليل، وأن البذل لا يُقاس بكثرة المال بل بصدق النية. ولو جُمعت “التريمات” في العالم – أي فتات الخبز المتروك – لما بقي جائع على وجه الأرض.

وفي مقولة أخرى له: “يفوت الكليمه”؛ وهي دعوة للتسامح والحلم، بمعنى أن على الإنسان أن يتجاوز الكلمات الجارحة ويترفع عن صغائر الخصومات. هذا المبدأ يصلح أن يكون قاعدة اجتماعية بل ودبلوماسية، إذ إن الكثير من الصراعات الكبرى في التاريخ بدأت بكلمة جارحة أو تصريح غير محسوب.

حتى في أشد الابتلاءات، ظل ود تكتوك يضرب المثل في الرضا واليقين. فعندما أُحرقت قطيته المصنوعة من القش، لم يغضب ولم يجزع، بل ضحك قائلاً: “خربانة بيوتك قش، الآخرة عمرانة”، في إشارة إلى أن بيت الآخرة هو الباقي، وأن الخسارة الحقيقية ليست في فناء منزل بل في ضياع اليقين. هذه العبارة، التي قد تبدو بسيطة، تتردد اليوم في وجدان السودانيين الذين خسروا بيوتهم في الحروب والفيضانات، فهي بلسم يذكرهم أن الإيمان أعظم حصن في مواجهة الانكسار.

حكم البسطاء عبر العالم

ما قاله ود تكتوك يلتقي مع ما سجّله مؤلفون عالميون عن حكمة “البسطاء” أو “الدراويش” في مجتمعات مختلفة. على سبيل المثال:

في كتاب “The Wisdom of the Idiots” للكاتب الصوفي Idries Shah (نُشر عام 1969، 232 صفحة)، جمع المؤلف أقوالاً تبدو عفوية لكنها تحمل فلسفة عميقة عن السلوك الإنساني، تكشف أن البساطة في التعبير قد تخفي وراءها عمقًا أكبر من تنظيرات النخب.

كما أن الفيلسوف الروسي ليف تولستوي، في كتابه “A Calendar of Wisdom” (1904، 384 صفحة)، دوّن مقتطفات من أقوال الفلاحين والبسطاء، واعتبرها زادًا روحيًا

البسطاء كحملة رسالة إنسانية

حين نتأمل في مسارات التاريخ، نجد أن أقوال الدراويش والعفويين لم تندثر، بل بقيت لأنها حملت صدقًا ومعنى. إنهم “فلاسفة بلا أقنعة”، يعبرون عن جوهر الإنسانية بكلمات يفهمها الجميع. وربما لهذا السبب تبقى كلماتهم، لأنها لا تخاطب العقل وحده، بل تمس القلب مباشرة.

إن ما قدّمه الشيخ فرح ود تكتوك هو تذكيرٌ دائم بأن الحكمة لا تحتاج إلى زخرف ولا إلى مؤسسات ضخمة لحفظها. يكفي أن تخرج من قلب صادق حتى تجد مكانها في ذاكرة الشعوب. وإذا كان العالم اليوم يئن من ويلات الحروب والفقر، فإن كلمات ود تكتوك: “التريمه تكفي، والكلمة تفوت”، تصلح أن تكون شعارًا لإنقاذ البشرية من جشعها وخصوماتها.

الحكمة البسيطة إرث عالمي مشترك

ولعل ما يجعل إرث ود تكتوك أكثر قيمة، أنه يلتقي مع تجارب شعوب أخرى عبر القارات:

عند الهنود الحمر في أمريكا، نجد المثل: “عندما تُهدي جزءًا من صيدك، فأنت تُطعم روحك قبل أن تُطعم الآخرين”، وهو يقارب فكرة “التريمه” كرمز للإيثار بالقليل.

في الحكمة الصينية القديمة، هناك مثل شهير يقول: “من يستطيع أن يعفو عن كلمة قاسية، يستطيع أن يعفو عن ألف ضربة”، وهو صدى لعبارة ود تكتوك “يفوت الكليمه”.

أما في التراث الإفريقي الغربي، فيُقال: “البيت الذي يحترق لا يضيع إذا كانت القلوب عامرة بالسلام”، وهي صورة تكاد تتطابق مع قول ود تكتوك “الآخرة عمرانة”.

هكذا، نجد أن حكمة البسطاء – سواء في قرية سودانية صغيرة أو في مجتمعات بعيدة – ليست محلية ولا محدودة، بل هي لغة إنسانية مشتركة تشهد أن البساطة أحيانًا تختزن أعظم معاني الفلسفة.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …