إشكالية الحرية وبناء الدولة في جنوب السودان

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

لم يكن استقلال جنوب السودان في يوليو 2011م حدثًا سياسيًا معزولًا عن سياقه التاريخي، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من النضال والتضحيات، غير أن هذا الاستقلال، رغم مشروعيته الكاملة، لم يتحول إلى لحظة تأسيسية لدولة مستقرة، بل كشف عن أزمة عميقة في فهم الحرية وممارستها. فالحرية لا تختزل في الانفصال السياسي أو التخلص من القيود الشكلية، بل تتجسد في احترام حقوق الآخرين وبناء نظام سياسي عادل يعزز الكرامة الإنسانية ويصون التعدد. هذه الحقيقة الجوهرية غابت عن وعي النخب الحاكمة، فكانت النتيجة دولة مأزومة وشعبًا يرزح تحت وطأة الإحباط والحظ العاثر. منذ عهد الحكم الثنائي، وُضع جنوب السودان في مسار مختلف عمدًا عن بقية البلاد، إذ انتهجت الإدارة البريطانية سياسة عزل ممنهجة، استهدفت تأخير التعليم وإضعاف التكوين الإداري، ليس حماية للتنوع، بل منعًا لتشكّل وعي وطني جامع قد يهدد السيطرة الاستعمارية. وقد أسهمت هذه السياسة في إنتاج نخبة محدودة، تفتقر إلى الخبرة المؤسسية والرؤية الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس لاحقًا في عجزها عن إدارة الصراع السياسي بوسائل سلمية. هذا الإرث الاستعماري لم يختفِ مع الاستقلال، بل أعيد إنتاجه في شكل هشاشة بنيوية طالت الدولة والمجتمع معًا. اندلاع الحرب الأهلية الأولى عام 1955م جاء في سياق احتجاجي عفوي، افتقر إلى التنظيم القيادي، لكنه نجح في إيصال مظلومية جنوب السودان إلى المحيط الإقليمي والدولي. وبرغم محدودية إمكانات حركة «أنانيا»، فقد استطاعت أن تجعل قضية الجنوب جزءًا من خطاب التحرر الأفريقي العام، في مرحلة شهدت صعود الحركات الوطنية في شرق وجنوب القارة. لقد أسهم هذا المناخ التحرري في ترسيخ الشعور بالانتماء الأفريقي كإطار سياسي وأخلاقي لمقاومة الظلم والتهميش، وأسفر عن ميلاد الاتحاد الوطني الأفريقي السوداني، الذي استلهم خطابه من تجارب أفريقية مماثلة، وسعى إلى تحرير الإنسان الجنوبي قبل تحرير الأرض. لم يكن النضال الجنوبي معزولًا عن المدّ الأفريقي العام الذي أنجب قادة تاريخيين مثل لومومبا ونكروما ونيريري وأوليفر تامبو ومانديلا، كما لعب المثقفون والشعراء دورًا حاسمًا في بلورة الوعي القومي التحرري. غير أن المفارقة المؤلمة تمثلت في أن معظم هؤلاء القادة لم يُمنحوا فرصة استكمال مشاريعهم، بفعل الاغتيال أو الرحيل المبكر، فتحولت آمال شعوبهم إلى خيبة جماعية. ويبرز رحيل الدكتور جون قرنق بوصفه لحظة فاصلة في التاريخ الجنوبي، إذ عُلّقت عليه تطلعات واسعة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبناء مشروع وطني جامع، لكن موته المفاجئ بدد تلك الآمال، ورسّخ الإحساس الجمعي بأن الحظ العاثر يلازم هذا الشعب في أكثر لحظاته مصيرية. جاء الاستقلال لاحقًا محمّلًا بتوقعات عالية، غير أن النخبة الحاكمة أخفقت في تحويله إلى مشروع دولة. فقد غابت الرؤية الوطنية الجامعة، وتحوّلت السلطة إلى غاية في ذاتها، وأصبحت الخلافات السياسية تُدار بمنطق الغلبة لا الشراكة. وبدل البحث الهادئ عن حلول مؤسسية، سادت الفوضى والعنف، وأُهدرت الفرصة التاريخية لبناء عقد اجتماعي جديد. لقد قُتل الأمل في مهده، ليس فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل نتيجة عجز داخلي عن إدارة الحرية بمسؤولية سياسية وأخلاقية. تجلت أزمة الدولة بشكل أوضح في هشاشة الحزب الحاكم، الذي تجاوز مؤسساته الداخلية، وأخضع القرار السياسي لمعادلات قبلية وجهوية. تحولت الوظيفة العامة إلى أداة لإرضاء الجماعات بدلًا من أن تكون وسيلة لخدمة الدولة، وغاب مبدأ الكفاءة لصالح الولاء، مما أضعف الثقة في الحزب والدولة معًا. هذا الواقع خلق وعيًا زائفًا بأن المناصب حقوق قبلية مكتسبة، وأن المساس بها يُعد اعتداءً على الجماعة بأكملها، الأمر الذي فاقم الصراعات وأضعف فكرة المواطنة. في هذا السياق، أصبحت القبيلة ملاذًا أخيرًا للنخبة السياسية، تُستدعى عند فقدان السلطة، ويُعبّأ خطاب المظلومية لحشد الفقراء والمهمشين في مواجهات جديدة، سرعان ما يدفعون ثمنها دمًا ومعاناة. والمفارقة الأخلاقية أن كثيرًا من هؤلاء الساسة يعودون لاحقًا إلى مواقعهم، متناسين أعداد الضحايا الذين سقطوا من أبناء قبائلهم نتيجة لصراعاتهم الشخصية، ما يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويقوّض أي أمل في الاستقرار. إن مأساة جنوب السودان ليست قدرًا محتومًا، بل نتاج خيارات سياسية خاطئة وسوء فهم لمعنى الحرية وبناء الدولة. فالحرية الحقيقية لا تكتمل بالاستقلال السياسي وحده، بل بإرساء قيم المواطنة، واحترام التعدد، وبناء مؤسسات قوية تعلو فوق الانتماءات الضيقة. ورغم قتامة المشهد، يظل الأمل قائمًا في إمكانية تجاوز هذه المرحلة، إذ يعلّمنا التاريخ أن كثيرًا من الدول التي عانت من حروب أهلية وانقسامات حادة استطاعت، مع مرور الوقت، أن تعيد بناء نفسها. وربما لا يزال المستقبل يحمل لجنوب السودان فرصة جديدة، وقائدًا برؤية وطنية جامعة، قادرًا على انتشال الشعب من حظه العاثر، ووضعه على طريق الدولة المستقرة والعادلة.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …