رجل المخابرات المصري محمد أبو عاصي
في وقت تدور فيه رحى حربٍ ضروسٍ، لا يعرف أحدٌ متى تنتهي، وفي ظل حالةٍ من التشرد طالت 15 مليونًا من السودانيين، ومجاعةٍ أمسكت بخناق 25 مليون سوداني، خرج رجل المخابرات المصرية المتخفي وراء قناع “صحفي اقتصادي”، محمد أبو عاصي، في مارس الماضي، ليفضح فيما أسماه “كواليس من مراكز صنع القرار”، اللصوصية المزدوجة المتحالفة التي يجسدها حُكَّام بورتسودان والحكومة المصرية. تحت عنوان: “مصر تُطلق العملاق أقصى الجنوب.. ماذا يحدث سرًا جنوب مصر؟!”، تحدث محمد أبو عاصي في فيديو بثَّه على تطبيق يوتيوب، عن اجتماعاتٍ سرية تجري بين الفريق عبد الفتاح البرهان وفي معيَّته قيادات عليا في حكومة بورتسودان، مع مسؤولين مصريين. وقال إن تلك الاجتماعات تناقش إعادة إعمار السودان وفق خطَّةٍ كلفتها، وفق ما ذكر، 140 مليار دولار. وذكر أن الجيش المصري وشركاته، مع بعضٍ من شركات القطاع الخاص المصرية، سوف يكونون المقاول الحصري لتنفيذ تلك الخطة. وأن بعض الدول العربية، وذكر منها الكويت ستكون هي الممول للخطة. يُضاف إلى ذلك، استيلاء مصر على ما يجري إنتاجه من ذهبٍ في السودان للقيام بتصفيته وتسويقه، وأخذ ما يقابل كلفة إعادة الإعمار هذه منه، وإعطاء ما تبقى من إيراداته لحكومة بورتسودان.
لربما قال قائلٌ: لقد عرَّف محمد أبو عاصي نفسه بأنه “صحفي اقتصادي”، فمن أين لي وصفه بأنه رجل مخابرات متخفي؟ والجواب على ذلك بسيط، وهو: كيف اطلع محمد أبو عاصي على هذه الاجتماعات، التي قال عنها، هو بنفسه، أنها تجري في سريَّةٍ تامة؟ ولو حدث أن سرَّب له أحد المسؤولين الذين يحضرون تلك الاجتماعات هذه المعلومات، وهذا مستبعدٌ، فهل في ظل نظامٍ أمنيٍّ كالنظام المصري، يُسمح لشخصٍ أن ينتج فيديو عن فحوى محادثاتٍ سريَّةٍ ثم يبثه على الملأ وهو مطمئنٌ تمام الاطمئنان أن ذلك لن يقوده إلى المساءلة والبطش؟ لقد تحدث محمد أبو عاصي في ذلك الفيديو بفخرٍ شديدٍ بالجيش المصري وشركاته وما يراه لهما من قدراتٍ خارقة. كما تحدث بزهوٍ وعُجبٍ بالذات، وغطرسةٍ، ودوسٍ بالنعل، بلا مبالاةٍ، بمشاعر السودانيين، الذين جعلهم مجرد متفرجين على إدارة النظام المصري لشؤون بلدهم بالتعاون مع عصابةٍ عميلةٍ سارقةٍ تسمي نفسها حكومة.
السودان بوصفه محافظة مصرية
في حديثه المفتقر للحساسية والجارح للحس الوطني للسودانيين، اختار رجل المخابرات المصري عباراته بعناية ليوحي بأن السودان ليس سوى محافظة مصرية جنوبية. فقد جعل عنوان الفيديو: “مصر تُطلق العملاق أقصى الجنوب.. ماذا يحدث سرًا جنوب مصر؟!”. والعملاق المقصود هنا هو الجيش المصري وشركاته. ولقد كان في وسع أبو عاصي أن يقول إن مصر سوف ترسل “عملاقها” هذا إلى السودان، لكنه اختار، وبعنايةٍ شديدةٍ أن يقول: إن مصر سوف “تطلق العملاق أقصى الجنوب”. وعبارة “أقصى الجنوب” نفسها مُنتقاةٌ بعناية، حتى لا يفهم أحدٌ أن الجنوب المقصود هنا ليس صعيد مصر، وإنما هو السودان. (راجع: فيديو محمد أبو عاصي على تطبيق يوتيوب على الرابط: https://rb.gy/7vfnco).
حلايب المصنع المصري لمنتجات السودان!
يتهم البرهان وكيزانه من يعارضونهم من مختلف القوى السياسية بأنهم عملاء مرتهنين لإراداتٍ أجنبية، في حين لا يطرف لهم جفنٌ وهم يبيعون السودان إلى مصر بخنوعٍ وضعةٍ ونذالةٍ لم يشهد تاريخ الحُكَّام مثيلاً لها. ولا يستحون أن يستجلبوا مرتزقة من التقراي اإثيوبيين ومن المتطرفين العرب للقتال إلى جانبهم. ومما ذكره محمد أبوعاصي في هذا الفيديو أن مصر أوصلت خطّأ حديديًا إلى حلايب وأن ذلك الخط الحديدي سوف يمتد إلى السودان. فحلايب تبدو فيما ذكره أبو عاصي أنها ستكون هي القاعدة التي سوف تنطلق منها جهود إعمار السودان المزعومة. كما أنشأت الحكومة المصرية في منطقة حلايب السودانية، المحتلة من جانب مصر منذ عام 1995، ميناءً وصوامع للغلال ومسالخ ومصانع لتتلقي منتجات السودان لتقوم مصر بتصديرها لصالحها. لقد اختارت مصر حلايب منصةً لإعادة إعمار السودان المزعومة، لتجعل من ذلك توقيعًا من جانب البرهان وزمرته على تبعية حلايب نهائيًا إلى مصر. ولقد سعت مصر بالتعاون مع الفريق البرهان وزمرته لقتل ميناء بورتسودان منذ أن جرى الإيعاز للناظر محمد محمد الأمين ترك، عضو المؤتمر الوطني، باحتلال ميناء بورتسودان، وإغلاق الطريق القومي الرابط بينه وبين بقية القطر في سبتمبر 2021. طالب تِرك وهو يغلق الميناء والطريق البري بحل حكومة حمدوك وتسليم السلطة لمجلسٍ عسكري. راجع “الجزيرة نت على الرابط: https://rb.gy/u9wsfo. اللفت أن ذلك حدث ذلك قبل شهرٍ من انقلاب البرهان على حكومة حمدوك في 25 أكتوبر 2021. وبالفعل تحوَّلت عمليات التصدير والاستيراد السودانية، نتيجةً لذلك، إلى ميناء “العين السخنة” المصري. وقد تعاون كثيرٌ من أصحاب المصالح، من الرأسمالية السودانية، مع النظام المصري في ذلك تعاونًا تاما. ومنذ ذلك الوقت، وإلى الآن، يرقد ميناء بورتسودان في حالةٍ أشبه بحالة الجثة الهامدة.
حطِّمْ وعُدْ محتكرًا لمقاولة إعادة البناء
تحت غطاء القضاء على قوات الدعم السريع في الخرطوم عند بداية الحرب، قصف سلاح الطيران المصري المنطقة الصناعية في الخرطوم بحري والعديد من المنشآت، كما أسهم في نسف الكباري. وتحت غطاء القضاء على قوات الدعم السريع، أيضًا، سادت نبرة تحطيم البنيات كمصفاة الجيلي بحجة أن إعادة بناءها ليست بمشكلة. أيضًا، جرت سرقة الكثير من محوِّلات الكهرباء كما جرت سرقة كابلات النحاس الأرضية الضخمة التي توصل الكهرباء للمستهلكين وجرى تصديرها إلى الخارج. وأوردت تحقيقاتٌ صحفية أن النحاس المسروق قد كان يرسل إلى ميناء بورتسودان. (راجع: تقرير إندبدنت عربية على الرابط: https://shorturl.at/ITcA6). وتشير الطرق التي جرى بها حفر هذه الكابلات العميقة إلى أن من قاموا بذلك العمل لهم خبرة هندسية ومعرفة بأماكن هذه الكابلات تحت الأرض وأن لهم أفرانًا مخصصة للصهر والضغط والقولبة. كما لهم معدات ميكانيكية ساعدت على الحفر لمسافاتٍ تقاس بالأميال. وهذا، كله، مما ينبغي التحقيق الدقيق فيه لاحقًا، من جهاتٍ محايدةٍ، بعد أن تضع هذه الحرب اللعينة أوزارها. خلاصة القول إن مصر أسهمت في هذا التخريب الشامل، لتعود وتتولى هي، بمفردها بالاتفاق مع البرهان وعصابته كافة عمليات إعادة الإعمار، في مقاولةٍ ممنوحةٍ حصريًّا لها، بلا منافسة مع أحد.
فيديو كامل إدريس والمهندس المدني
قبل أسبوعين، قام رئيس الوزراء، “الصُّوَري”، كامل إدريس، الذي أعلن في خطابه الأول الانضمام إلى جوقة “بل بس” والتماهي مع نهج مواصلة الحرب، بزيارةٍ إلى الخرطوم المُدمَّرة. وطاف مع بعض المسؤولين والفنيين على مختلف المرافق. وقد نقل التلفزيون له صورة وهو يتحدث مع شخص يبدو أنه مهندس مدني. سأل كامل إدريس ذلك المهندس ما إذا كان بالإمكان أن يتم إصلاح كلاًّ من كبري شمبات والحلفايا في مدىً زمنيٍّ لا يتجاوز 6 شهور؟ وبدا من رد المهندس أن تلك المدة قصيرة. فقال كامل إدريس: “نحن نضغط، نضغط بس”. وهنا قال المهندس دعهم يرسلون لنا الرسومات والمهم أن تُعجِّلوا لنا بمجيء المصريين. وهذا يدل على أن منح المصريين كامل مقاولة إعادة التعمير، المقدر لها ما يزيد عن 140 مليار دولار، قد تقرر, وهذا هو ما جعل ذلك المهندس يحث رئيس الوزراء على التعجيل بمجيئهم. لقد منح الفريق البرهان وزمرته كامل مقاولة إعادة الإعمار لمصر مكافأةً لها على موقفها الداعم لبقاء الجيش في السلطة. إلى جانب ذلك، فإن حصر المقاولة في مصر وحدها يضمن للمسؤولين السودانيين وعلى رأسهم الفريق البرهان فرصة أخذ نصيبهم من هذه الكيكة الضخمة.
ستكون إعادة الإعمار تخريبًا جديدا
استنادًا على بنية الفساد المؤسسي الذي ضرب عصب الدولة السودانية طيلة فترة حكم الرئيس المخلوع عمر البشير والإسلاميين، فإن إعادة الإعمار المزعومة لن تكون سوى خطةٍ جديدةٍ لسرقةٍ ستكون هي الأكبر في تاريخ السودان. فإذا حدثت هذه الكارثة المتمثلة في منح الحق الحصري في إعادة إعمار السودان للنظام المصري مصريين، فإن التنفيذ سوف يجري بمواصفاتٍ متدنيةٍ للغاية. فالنظام المصري لا يريد للسودان بنيةً تحتيةً جيدة، ولا نهضة، كما سيرفع سقف ربحه من العملية بصورة فالتة. وما من شكٍّ لدي أن النهب الذي ظل يجري لموارد السودان في فترة حكم البشير والبرهان، بلا مقابل يُذكر، يكشف بوضوحٍ شديدٍ أن النظام المصري يؤمن إيمان العجائز أن السودانيين لا يستحقون أي شيء. وأنهم ليسوا أكثر من دمٍ بلا حارسٍ متاحٍ للمص. وأن السودان ينبغي ألا يكون أكثر من حديقةٍ خلفيةٍ لشفط الموارد إلى مصر بلا مقابل، أو بمقابلٍ لا يذكر. لكن، منذ أن قصفت مسيرات الدعم السريع ميناء بورتسودان تراجعت اللهفة المصرية البورتسودانية على مخطط إعادة الإعمار الخبيث، وقلَّ حديث المصريين عنه. لذلك، لا غرابة أن يخرج علينا توفيق عكاشة ليقول: إن على مصر ضم غزة والسودان وشرق ليبيا. لكن، مع قيام حكومة السلام والوحدة في نيالا، فإن مخطط إعادة الإعمار، لن يكون سواء حبرٍ على ورق. وسوف تذهب خطرفات توفيق عكاشة الرعناء أدراج الرياح.
ق. وسوف تذهب خطرفات توفيق عكاشة الرعناء أدراج الرياح.
elnourh@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم