إعادة التفكير في تشكّل الدولة السودانية:
مراجعة لفصل محمود ممداني “السودان: الاستعمار، الاستقلال، والانفصال”
أحمد إبراهيم أبوشوك
لفت الأستاذ السر سيدأحمد انتباهي إلى كتاب محمود ممداني: “لا مستوطنًا ولا مواطناً أصيلًا: تشكّل وتفكك الأقليات الدائمة (Neither Settler Nor Native: The Making and Unmaking of Permanent Minorities)، الصادر عن مطبعة جامعة هارفرد (2020)، والذي طرح من خلاله تفسيرًا شاملًا للحداثة السياسية عبر سلسلة من دراسات الحالة المقارنة. ويأتي من ضمن هذه الدراسات فصل بعنوان “السودان: الاستعمار، والاستقلال، والانفصال” (ص 196–256)، قدم المؤلف فيه تفسيرًا بنيويًا وطرحًا نظريًا لأصول الحرب الأهلية في السودان وتفكك الدولة القومية. يقوم جوهر أطروحة ممداني على أن أزمات السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال لا يمكن فهمها بمعزل عن إعادة تنظيم الكيانات التي أفرزتها الدولة الاستعمارية عبر نظام الحكم غير المباشر. فالحكم الإنجليزي المصري (1898-1956)، من وجهة نظره، لم يكتفِ بإدارة الفوارق القائمة، بل أسهم في إنتاجها بوصفها كينونات سياسية مستقلة عن بعضها. ومن خلال تباين العادات والتقاليد لهذه الكينونات القبلية، وإعادة صوغها في شكل إدارات أهلية، حوّلها الحكم الاستعماري من هويات ثقافية مرنة إلى وحدات إدارية جامدة، منتجًا ما يسميه ممداني “الأقليات الدائمة”. وأضفت الدولة الاستعمارية على هذه الوحدات طابعًا مؤسسيًا؛ لتصبح أساسًا للتنافس والصراع السياسي في فترة من ما بعد الاستعمار.
وفي إطار هذه الفرضية تمكن ممداني من إعادة قراءة التاريخ السوداني بعيدًا عن السرديات التقليدية، التي تقوم على فكرة التنافر الديني أو العرقي بين “الشمال العربي” و”الجنوب الأفريقي”. ويضع ممداني هذه التصنيفات ضمن سياق أوسع من “الهندسة السياسية الاستعمارية”. ومن خلال ذلك، يربط السودان بحالات أخرى من الحداثة الاستيطانية والاستعمارية، مشيرًا إلى أن عنف دولة ما بعد الاستعمار لا يمثل انحرافًا عن الحداثة، بل استمرارًا لها بصيغة مختلفة. ومن هذه الزاوية يشكل هذا الفصل إضافة إلى تيار الدراسات التي تفسّر الصراعات الأفريقية باعتبارها نتاجًا لإرث مؤسسي استعماري، لا انعكاسًا لهويات بدائية.
وبذلك ينتقد ممداني النزعة القومية التي ترسخت في دولة ما بعد الاستعمار؛ لأن النخب السودانية من وجهة نظره قد تبنّت تصورًا متجانسًا للدولة القومية (Nation State)، يتعارض جذريًا مع البنية السياسية المجزأة، التي ورثتها من الحكم الاستعماري. وبدلًا من تفكيك هذا الإرث، أعادت الحكومات الوطنية المتعاقبة إنتاجه، مما عمّق الصراعات حول الانتماء والسيادة. وكانت النتيجة سلسلة من الحروب الأهلية، التي أسهمت في انفصال جنوب السودان، وهو المآل الذي لا يراه ممداني حلًا مستدامًا، بل تكريسًا إضافيًا لمنطق الهوية الإقليمية المُسيّسة.
وفي تحليله للتركيبة البنيوية للحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLA) وحدود وإمكاناتها في تجاوز الانقسامات الموروثة من العهد الاستعماري، يشير ممداني إلى مشروع الحركة القائم على مفهوم “السودان الجديد”، بوصفه مشروعًا سياسيًا جامعًا وغير عرقي، لكن يرى أن البنى الاستعمارية الموروثة قد قيدت حركة هذا المشروع، وأسهمت في تفجر سلسلة من الانقسامات القبلية بداخله، أضعفت إمكاناته التحويلية.
ملاحظات عن أطروحة ممداني
على الرغم من الإطار البنيوي الاستعماري الذي قدمه ممداني؛ إلا أن أطروحته لا تخلو من بعض أوجه القصور، لأن تركيزه على الحكم غير المباشر بوصفه إطارًا تفسيريًا ينطوي على قدر من الحتمية البنيوية. لأن التركيز على الإرث الاستعماري والتقليل النسبي من فاعلية الأنظمة السياسية المتعاقبة التي حكمت السودان والتحولات الأيديولوجية والعوامل الاقتصادية التي شكلت فترة ما بعد الاستعمار يتجاهل بعض أبعاد الواقع السوداني دون معالجة شاملة. فعلى سبيل المثال، لا يحظى تأثير توزيع الموارد، أو العسكرة، أو التفاعلات الإقليمية بالاهتمام نفسه الذي منحه ممداني إلى منطق تشكّل الهويات القبلية. فضلًا عن ذلك، فإن معالجته للفاعلين السياسيين في الشمال والجنوب تتسم بدرجة من التجريد. فالشمال لا يمكن أن يوصف بأنه حاملًا لمشروع “عروبي” متماسك، وكذلك يجب أن يُفهم الجنوب في الأساس من خلال عدسة التجزئة الاستعمارية. غير أن التاريخ السياسي السوداني أكثر تعقيدًا من ذلك، إذ تتداخل فيه الأيديولوجيات والمصالح الإقليمية والانقسامات الداخلية. صحيح أن ممداني يشير إلى هذه التوترات-لا سيما في سياق الانشقاقات داخل الحركة الشعبية- لكنها تظل في نهاية المطاف خاضعة لإطاره البنيوي العام. كما يثير موقفه المعياري من الدولة القومية تساؤلات إضافية. إذ توحي تحليلاته بأن الدولة القومية، بوصفها شكلًا سياسيًا، تحمل في ذاتها نزوعًا إلى الإقصاء والعنف، خاصة في سياقات ما بعد الاستعمار. إلا أن هذا العنف لم يدرس في إطار فرص الإصلاح التي طرحتها الدولة القومية نفسها، مثل الفيدرالية أو صيغ التوافق السياسي، التي شكّلت محورًا للنقاش السياسي السوداني منذ خمسينيات القرن العشرين.
خاتمة
على الرغم من الملاحظات المشار إليها أعلاه، يظل فصل “السودان: الاستعمار، والاستقلال، والانفصال”، الذي أعدّه ممداني ضمن دراسات الحالات التي تناولها، إسهامًا فكريًا معتبرًا؛ إذ نجح في تقديم مادة تاريخية أعاد عرضها وتحليلها في إطار نظري متماسك عن الحداثة السياسية وإشكالاتها. وبذلك وضع التجربة السودانية في سياق تاريخي عالمي للاستعمار وما بعد الاستعمار، داعيًا الباحثين إلى إعادة التفكير في العلاقة الثلاثية بين الهوية والسلطة والعنف، ومناقشة إرث الدولة الاستعمارية وتجلياته في دولة ما بعد الاستعمار من زوايا متعددة. وعلى هذا الأساس، يتجاوز الفصل السرديات الوصفية للصراع، ويدعو للانخراط في تحليل البُنى المؤسسية والمعرفية العميقة التي تشكّل عصب الحياة السياسية في السودان. كما أن اختلاف وجهات النظر مع بعض استنتاجات ممداني لا ينتقص من قيمة هذا العمل، الذي نجح في إعادة صياغة الأطر النظرية للنقاش، الأمر الذي يجعل قراءته لا غنى عنها للمتخصصين في الدراسات الأفريقية، ودراسات ما بعد الاستعمار والنظريات السياسية الناظمة لها.
ahmedabushouk62@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم