إيران: صمود لا يُهزم.. لكن بثمنٍ باهظ

تأمُلات
كمال الهِدَي

بهدنة الأسبوعين التي أُعلنت بالأمس، وتراجع دونالد ترامب عن تهديده بمحو حضارة الإيرانيين في ليلة واحدة، يبدو أن إيران قد حققت مكاسب مهمة في هذه الحرب حتى اللحظة، إذ ليس من السهل على دولة مثلها بإمكانياتها العسكرية الأضعف من خصومها أن تفرض واقعاً مثل الذي نشهده.

أختلف مع ما يردده بعض المحللين السودانيين والعرب، ممن يبدو أن عقدة أمريكا تسيطر عليهم في مختلف الظروف.

فمعظم هؤلاء يصرون على أن ترامب قد حقق ما يريده من الحرب، ولذلك وافق على الهدنة من موقع المُنتصر.
والحقيقة أننا لو سألناه هو نفسه عما أراده من هذه الحرب، لربما عجز عن تحديد إجابة واضحة؛ فكيف يفترض بعضنا أنه حقق أهدافه منها!

الغريب أن العديد من المسؤولين الأمنيين الأمريكيين السابقين وأعضاء الكونغرس يطالبون بترتيبات تُفضي إلى عزل ترامب، بينما نجد بيننا من يهللون لما يسمونه انتصاراً.

الأمر لا علاقة له بدرجة حبنا أو كرهنا لإيران، ولا باتفاقنا أو اختلافنا مع سياساتها، لكن الواقع يؤكد أن ما جرى حتى اليوم يعد كارثة ووبالاً على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى العالم برمته، حيث بدأ ظهور العبء الاقتصادي وغلاء الأسعار بمختلف البلدان جراء إغلاق المضيق الحيوي.

ولو ركز هؤلاء قليلاً، للاحظوا أن ترامب ظل خلال الأيام الماضية يتحدث عن خمسة عشر بنداً رغبت إدارته عبر الوسطاء في فرضها على إيران، قبل أن يتحول حديثه إلى عشرة بنود (معقولة) قدمتها إيران؛ وهذا أول مؤشر على حالة عدم التوازن التي عاشها ترامب خلال الساعات الأخيرة، بسبب صمود الإيرانيين ورباطة جأشهم، إلى جانب الضغوط الداخلية الهائلة التي يواجهها.

ثم أن إيران لم تكن تسيطر في يوم على مضيق هرمز الحيوي، وقد منحتها هذه الحرب وهدنتها سيطرة شبه مطلقة عليه، والسبب سياسات ترامب.

ولو أن أهداف الحرب تُقاس بحجم الدمار الذي أحدثته الآلة العسكرية الأمريكية في إيران، وبقتل عددٍ من كبار المسؤولين، لكان دونالد ترامب قد أوقف هذه الحرب منذ أسبوعها الأول، إذ أن هذا الهدف قد تحقق في الساعات الأولى للحرب.

لا خلاف حول الفارق الشاسع بين القوتين، ولا حول التكنولوجيا العسكرية المتطورة التي تمتلكها كل من أمريكا وإسرائيل مقارنة بما لدى إيران.
لكن عندما يصمد الطرف ذو القدرات الأضعف بهذا الشكل ويفرض ولو شرطاً واحداً، فإن ذلك يعد نوعاً من الانتصار، بالرغم من الثمن الباهظ الذي تدفعه إيران والدمار الهائل في بنيتها التحتية ومعاناة شعبها كنتيجة لهذه الحرب.

أمرُ آخر يغفله بعض المحللين، هو أن (التاجر) دونالد ترامب يركز على المكاسب المالية سواءً على المستوى الشخصي، أو على مستوى الدائرة المحيطة به، ولا يولي اهتماماً كبيراً لمآسي المدنيين ومعاناة الناس في شتى أنحاء العالم.

يستفزني كثيراً التحليل الرغائبي الذي يجعل من فسيخ ترامب شربات، لكونه يذكرني دائماً بموقف الكثير من الساسة والمحللين السياسيين السودانيين الذين ظنوا على الدوام أن تدخل الإدارة الأمريكية بقوة في الملف السوداني من شأنه أن ينهي حربنا المدمرة.

ولا أدري كيف يصدق البعض رجلاً تتناقض تصريحاته بين ساعة وأخرى، ويؤسسون آراءهم على مثل هذه التصريحات المتذبذبة والمواقف غير المفهومة.

ترامب كان يقول إنه جدير بجائزة نوبل للسلام، وأن سلفه جو بايدن كان سيدخل العالم في حرب عالمية ثالثة، وقد رأينا كيف ساهمت سياساته الحالية في تأجيج التوترات في الشرق الأوسط، وسمعنا تهديداته باستخدام خيارات عسكرية خطيرة، الأمر الذي قرب العالم من صراعات كُبرى كان يدعي أنه جاء لمنعها. كما لا ننسى فشله في تحقيق أي تقدم باتجاه وقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ورغم كل ذلك لا يزال بيننا من يراهن عليه وعلى قوته.

فهل أصبح بعض المحللين في منطقتنا أمريكيين أكثر من كبار المسؤولين وقادة الجيش في الولايات المتحدة الأمريكية؟ فقد اختلف مع ترامب عدد من القادة هناك، وسبق أن أقال بعض كبار جنرالات جيش بلاده وهو أمر نادر الحدوث أثناء الحروب، وهو ما يكشف فجوة في قراءة الواقع لدى بعض المحللين، مقارنة حتى بالمؤسسات التي يعملون على تفسير مواقفها.

kamalalhidai@hotmail.com

عن كمال الهدي

كمال الهدي

شاهد أيضاً

ليس بارود وحده من يستحق العقاب.. الحق العام فوق كل اعتبار

تأمُلات كمال الهِدَي عجبت من مناشدة إحدى الناشطات للمطربة إيمان الشريف بأن تتنازل عن بلاغها …