كتب د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com
بما أن الكاتب مختص في إدارة مخاطر الكوارث، هذا العلم الحيوي الذي يلتقي في جوانب عديدة مع منطق التحوّط الاستراتيجي في العلاقات الدولية، فإن هذا المقال يستعرض زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة وما استطاع أن يحرزه من مكاسب.
عادةً ما تُقرأ السياسة الخارجية من منظور الموازنة أو الانحياز، غير أن عالم اليوم، بتعقيداته وتقلباته، قد يدفع الفاعلين الاستراتيجيين إلى تبني خيارات تتسم بالمرونة وأكثر قرباً من منطق إدارة المخاطر. فإذا كانت إدارة مخاطر الكوارث (DRM) تهتم بتحديد الأخطار (Hazards) وتقدير احتمالاتها وتأثيرات المخاطر (Risks) قبل تصميم خطط للحد من آثارها، فإن التحوّط الاستراتيجي (Strategic Hedging) في العلاقات الدولية ليس سوى إسقاط لهذا المنهج التحليلي على الساحة الدولية.
يتميز الواقع الجيواستراتيجي في الخليج بكثير من الغموض والتعقيد بين “خطر التخلي عن الحماية” الأمريكي و”خطر الإخضاع” الصيني – حيث لم يعد الانحياز التام خياراً آمناً. ولهذا تبدو زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن، وما صاحبها من إعلان رفع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار، مثالاً مكثفاً لعمل عقلية التحوّط الاستراتيجي في لحظة دولية حرجة.
فالاستثمار الهائل في الاقتصاد الأمريكي يمكن النظر إليه “كبوليصة تأمين استراتيجية” ضد أسوأ سيناريو في العلاقات السعودية–الأمريكية: مخاطر التخلي (Abandonment Risk). في ظل إمكانية متزايدة عن انكفاء أمريكي محتمل ضمن سياسة ترمب المعلنة (أمريكا أولاً )، يصبح الأمن الاستراتيجي للمملكة مهدداً. وهنا يظهر الاستثمار الضخم ك “طُعم استراتيجي” يسيّل لعاب ترمب، يمنح واشنطن مصلحة حيوية ومباشرة في استقرار السعودية، ويجعل الاقتصاد السعودي مكوّناً أصيلاً في بنية الأسواق الأمريكية. بهذا يقلّص التحوّط احتمالات ممارسة ضغوط قاسية على الرياض في المستقبل ضمن أي ظروف غير مواتية.
وعلى صعيد التحوّط الأمني المباشر، نجحت الزيارة في تأمين الموافقة المبدئية على صفقة شراء مقاتلات F-35 الأمريكية المتطورة. هذا المكسب يمثل نقلة نوعية في العلاقات الدفاعية، تمنح الـ F-35 المملكة القدرة على الردع، وتجعل منها قوة اقليمية معتبرة، مسجلاً بذلك أحد أهم أهداف التحوّط الاستراتيجي.
وإلى جانب المخاطر الخارجية، يواجه ولي العهد تحدياً داخلياً لا يقل أهمية، نذر خلافات داخل الأسرة المالكة قد تعيق – نظرياً – مساره نحو العرش أو تجعل وراثته محلاً للمنازعة. غير أن منطق التحوّط الذي اتبعه أسهم في تخفيف هذا الخطر، إذ منحته العلاقة الشخصية المتينة مع الرئيس ترمب، والدعم العلني الذي عبّر عنه الأخير، مظلة شرعية إضافية. فترمب لم يُبدِ إعجاباً ببن سلمان فحسب في المؤتمر الصحفي داخل المكتب البيضاوي في 18 نوفمبر 2025م، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال بوضوح: «محمد بن سلمان سيكون ملكاً عظيماً». هذا الدعم الخارجي، رغم حساسيته، يعمل كعنصر ترجيح داخل موازين القوى الداخلية، مما جعل التحوّط الاقتصادي والسياسي جزءاً من استراتيجية أوسع لتثبيت مسار ولاية العهد نفسها.
ومن جانب آخر، يمثّل تركيز المملكة على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي (AI) والتقنيات المتقدمة بُعداً إضافياً للتحوّط، يتمثل في تعزيز القدرة الذاتية (Local Build-up)، أي تقليل الاعتماد الاستراتيجي على الخارج في القطاعات الحساسة.
في ملف التطبيع، وهو جزء أساسي من إرث الاتفاقيات الإبراهيمية الذي ظل ترمب يدفع باتجاهه، فقد قدّم فيه ولي العهد نموذجاً حاذقاً لـ “فن المناورة” داخل منظومة التحوّط. فالانصياع الكامل للطلب الأمريكي كان سيُعد تساوقاً (Bandwagoning)، والرفض التام كان سيُصطدم بشخصية ترمب النزقة، التي لا تتقبل بسهولة المواقف الحادة. لذلك اتخذت بن سلمان موقفاً مرناً: قبول مبدئي مشروط بثمن استراتيجي مرتفع — التزام فعلي وقابل للتطبيق بحل الدولتين. وهو حل للمتأمل الحصيف يضرب فكرة الاتفاقيات الإبراهيمية في مقتل ويبطلها تماماً.
ولم يقف منطق التحوط عند حدود مصالح المملكة المباشرة، بل امتد إلى البعد الإقليمي. فخلال الزيارة، استثمر بن سلمان وجوده في البيت الأبيض ليعرض على الرئيس ترمب، وبشكل تفصيلي، مأساة الحرب في السودان، في خطوة كشفت وفضحت ” جهل” ترمب المفضوح بهذه الرقعة الحيوية في المنطقة. وقد نجح هذا التحرك في تحويل بن سلمان إلى “صانع إطار” للملف السوداني، كانت نتيجته المباشرة إعلان ترمب منح القضية السودانية “عناية خاصة ومباشرة”. وهكذا حقق بن سلمان مكسباً ثلاثياً: تعزيز الدور القيادي للمملكة، وبناء رصيد سياسي جديد في واشنطن، والتحوّط الاستباقي ضد تمدد الأزمات في الجوار الاستراتيجي.
هذه النجاحات الباهرة التي أحرزها بن سلمان بإعمال مبادئ التحوّط الاستراتيجي تُبرز — بالمقابل — كيف تعجز دول أخرى في المنطقة عن تخطي التحديات التي تواجهها. فبينما تبنت الرياض منطق إدارة المخاطر — عبر التعميق الاقتصادي لشراء التأمين، والموازنة المرنة لتجنب الإخضاع، وتعزيز القدرة الذاتية لتقليل التعرض — يقف السودان على الجانب الآخر بسياسة خارجية مرتبكة، محكومة بإرث ذهني أسست له تجربة الإسلاميين، يقوم على المواجهة غير المحسوبة، والنظر إلى العالم كحلبة صراع أيديولوجي لا كفضاء لبناء المصالح.
إن التعامل مع المجتمع الدولي لا يقوم على الاستعداء المزمن ولا على نظريات المؤامرة التي تشكلت داخل الأيديولوجيا الإسلامية، بل على تقدير دقيق للمخاطر وفق فلسفة التحوّط الاستراتيجي. فالدول التي تفشل في بناء مصالح مشتركة أو شبكات تأمين سياسية واقتصادية تجد نفسها، عند اشتداد الأزمات، محشورة في زاوية التساوق القسري (Forced Bandwagoning) — وهو ما حدث مع نظام البشير الإسلامي عندما أجبر على قبول فصل الجنوب بعد أن استنفد كل خياراته و افتقر إلى أدوات المناورة والتحوّط.
وما انطبق على تلك التجربة ينسحب اليوم على السودان في ظل استمرار ذهنية الإسلاميين المسيطرة على المشهد السياسي، ذهنية لا تفهم السياسة الخارجية كمساحة لتقليل المخاطر وبناء البدائل، بل كمعركة هوية مفتوحة. إن غياب منطق التحوط يجعل أطرافاً دولية وإقليمية تنال من السودان قطعة بعد أخرى، بينما يظل صانع القرار يدور في الدائرة ذاتها، غير قادر على قراءة البيئة الدولية أو إدراك أن العلاقات بين الدول تُبنى بالمصالح.
إن الدرس السعودي، بما يحمله من حسابات دقيقة وعقلانية سياسية، هو درسٌ مجاني للسودان. فالعلاقات الدولية تُدار كما تُدار الكوارث — بتحديد الأخطار قبل وقوعها، ورسم سيناريوهات الاستجابة، وتطوير خيارات بديلة تقلل الخسائر. وما لم يلتقط السودان هذا الدرس، فسيظل يدفع كلفة العجز الاستراتيجي من جغرافيته وموارده واستقراره، بينما تمضي دولٌ أخرى في مسار التقدم لأنها قررت ببساطة أن تفهم العالم كما هو، لا كما تتوهمه الأيديولوجيا.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم