بقلم عمر العمر
علينا الاعتراف أولا بأن كل أطراف الحرب متورطون في حالة ارتباك معقّدة . فقناعاتهم بالرغبة في الخروج من تحت رماد الحرب لا تبدو راسخة . هي رغبات متعددة تلتبس شروطاً متباينة .هناك من يُفضّل تركيب الأحداث في سياق الفوضى الراهنة بحيث تصبح واقعا لا مهرب منه . الاعتراف يبدد هذا الالتباس بقدر ما يقرّبنا إلى بناء جسور العبور لجهة السلام . مطالبة القوى المدنية – مثلًا -للعودة إلى الوطن من منطلق التحدي لايعبّر عن اعتداد بالوقوف على أرض صُلبة . على النقيض يفصح عن حالة وجل من مواجهة حتمية . أكثر من ذلك ارتباكا تؤشر إلى التوغل في الاستبداد . فبعد التباهي باحتكار السلطة -وهو شعور زائف – يفضح هذا السلوك المنحرف عن الجنوح إلى زعم احتكار الوطن . هو جنوح يشط بعيدا عن الواقعية مثلما هو قصي عن أخلاقيات رجل الدولة . إنه الغُلو في اقذع حالاته تمظهراً . فهو لا ينطوي على مصادرة فقط حقوق الاختلاف والتعبير بل أبعد من ذلك مصادرة حق المواطنة.
نبرة
السلطة الواثقة من قوتها لا تستهدف رعاياها بالتحقير والتخوين دع عنك التحدي مهما بلغت الخصومة . الجنوح إلى التأجيج من قبل السلطة يعني بالضرورة استنفار مواطنين ضد مواطنين .من المؤسف تورط فئة من المثقفين في صب الزيت على التأجيج .هذا انغماس فج في ترسيخ الفوضى. لكن علينا الاعتراف كذلك بوجود مثل هذه الفئة المؤمنة دوما بممارسة القمع . هؤلاء أشد خطرا على الجهود الهزيلة المبذولة لإطفاء نار الحرب. فأكثر الأصوات حكمة على هذا المضمار تطالب بفتح ممرات انسانية لإنقاذ مايمكن من ضحايا النار ، النزوح الجوع ،الإغتصاب والمرض . الصوت العالي الراهن إقليميًا ودوليا ينادي بفتح ممرات إنسانية. ذلك لن يحدث مالم تبرد فوهات النار .تلك هي الخطوة الأولى على درب السلام .عند هذا المنحنى من المفترض بدء تصعيد وتيرة العمل السياسي على هدير العمليات العسكرية. قبل ذلك ينبغي إعلاء نبرة التسامح والحكمة على نوبات التشنج والانفعال .
كلاهما ؛العمل السياسي وتثبيت السلام يتطلبان تأسيس علاقات أفضل و أعمق بين الدولة والشعب قائمة على الاعتراف والاحترام المتبادلين .المناداة بفتح الممرات الإنسانية أولا تعني استرداد السلام على مراحل . هذا التوجه يفاقم حالة الارتباك والفوضى إذ أنه يعترف ضمنيا بالعجز ازاء إرساء السلام دفعة واحدة . القناعة بهذا المنطق يزيد معاناة الضحايا واعدادهم مالم تتزامن الجهود مع آلية ضابطة نافذة وفق برنامج مؤطر داخل الأزمنة والأمكنة . فالممرات الإنسانية تتطلب اسكات المدافع .هذه خطوة تستدعي بالضرورة الفصل بين القوات . هذا إجراء يستولد قوة مراقبة بغية ضمان اخراس المدافع .القوى السياسية مطالبة بإعداد الإجابات عن الأسئلة المطروحة في مل مرحلة.
بما إن الاعتراف في مضمونه يعني انكار ماهو غير عقلاني فالواقفون على الربوة المقابلة مطالبون بانكار المساواة بين الجيش كمؤسسة وطنية وبين الميليشيا . المسألة لا تستند إلى مسوغات قانونية او مجادلات تجريمية .فلا تقتين وجود الدعم السريع – وهو خطأ فاحش -أو المحاججة بخروجه من رحم القوات المسلحة – وهي جناية ثابتة – تمنحاه شهادة الحياة السياسية. هذه خطيئة وطنية مركّبة . لكن الاعتراف يستوجب كذلك عدم انكار وجوده على الأرض بقوة السلاح . هذه المعادلة لايمكن القفز عليها من أجل انجاز مراحل السلام . على النقيض هي شرط محوري في ترتيبات مابعد الحرب كما يحدثنا التاريخ . بغض النطر عمّن اطلق الطلقة الأولى أو أشعل فتيل الحرب . من غير الممكن انكار وجود الاطراف أو تغييبها . تلك قاعدة بُنيت عليها جميع عمليات التسوية السلمية منذ مؤتمر باريس في 1918 مرورا بيالتا وبتسدوم في 1945 ثم مؤتمر هلسينكي 1975 حيث جرت تفريج التوتر بين كتلتي شرق اوربا و غربها . على النسق نفسه حدثت في بروندي وتحدث حاليا محاولات على المستوى القطري بغية استرداد السلام الوطني ،كما هي المحاولات الحالية في سوريا واليمن .
إذا ذهبت التوجهات لجهة تجريد الميليشيا من السلاح فلابد من فك الارتباط بين الجيش وميليشياته ذات الصبغ الايديولوجي واخراجها من مسرح العمليات. ابعد من ذلك لا بد من الاعتراف بحتمية تنقية المؤسسة العسكرية برمتها من الشوائب الأيديولوجية . على قدر تسريع إيقاع الاصلاح بالتزامن مع تسكيت بؤر النار والتوتر يقترب الشعب من السلام .الاصلاح يمنح الأولوية للجبهة السياسية لكنه يستهدف على نحو موازٍ بالأولوية ذاتها الجبهات الاقتصادية والاجتماعية . على الجبهتين الأخيرتين تبرز أهمية العملية التعليمية والثقافية على حد سواء .من المهم اسناد هذه المهام إلى الخبراء من أهل الاختصاص .إنها مهمة أكبر من الحرب إذ تستهدف بالضرورة إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية تستوعب الفسيفساء السودانية للتعايش بسلام .إنها دولة الخير والحب والتقدم.
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم