احمد القرشي إدريس…الدفاع عن الجيش أم الدفاع عن أزمته؟ (٤)

علاء خيراوي
جاء ردك الأخير اخي احمد، على غير العادة فيه قدر من الانفعال يفوق التحليل، وقدر من الاتهام يفوق البرهان، وكأنك سئمت مجادلة الفكرة، واصبحت تحاكم خصماً سياسياً على منصة خطابية مشحونة. وهذا في حد ذاته يكشف التحول الذي أصاب خطابك؛ من محاولة تأسيس رؤية للدولة، إلى انزلاق نحو معركة سرديات تختلط فيها الوقائع بالانطباعات، والتعميمات بالاتهامات، والحرص على الدولة بالتخويف منها.
دعني أبدأ من النقطة التي بنيت عليها كل ردك باستدعاء حالة فردية (سواء صحت كل تفاصيلها أو لم تصح، فهذا ليس مهم) لتعميم حكم أخلاقي وسياسي على ما تسميه “النخبة المدنية” بأكملها. هذه، يا صديقي، ليست واقعية سياسية، بل هي أقرب إلى منطق “الشيطنة بالتمثيل”، حيث تتحول حادثة، أو رواية عن حادثة إلى أداة لإدانة تيار كامل. وهذا المنهج، إن قبلناه، فسيكون من حق أي طرف أن يستدعي نماذج من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وهي كثيرة ومعروفة، ليحاكم بها الجيش كله. لكنك ترفض ذلك هناك، وتقبله هنا. وهذه ازدواجية لا تستقيم مع ما تسميه أنت “العقل السيادي”.

ثم إن حديثك عن “شبكة قيادة مدنية صغيرة تحركها أموال الميليشيا” ليس تحليلاً، بل اتهاماً سياسياً خطيراً يحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى صياغات بلاغية. لأن الفرق بين النقد المسؤول والدعاية السياسية هو أن الأول يُسند أقواله بوقائع قابلة للتحقق، بينما الثاني يكتفي بالإيحاء والتكرار. والسودان، في هذه اللحظة الحرجة، لا يحتمل مزيداً من الخطابات التي تبني مواقفها على التعميمات، لأن هذه هي نفسها البيئة التي تنمو فيها الفوضى.

أما محاولتك تصوير سجالنا كله وكأنه صراع بين “جيش يغتسل بدم الشهادة” و”نخبة مدنية غارقة في الفساد”، فهي تبسيط مخلّ لا يخدم الحقيقة ولا يخدم الدولة. نعم، هناك من ضحّى داخل الجيش، وهذا لا ينكره أحد. لكن المؤسسة لا تُقيّم فقط بتضحيات أفرادها، بل أيضاً بطبيعة بنيتها، وبالدور الذي لعبته في تشكيل الأزمة. والتاريخ، الذي تستدعيه كثيراً، لا يُقرأ بالانتقاء. فمن هذا التاريخ نفسه نعرف أن تسييس الجيش لم يكن حادثة عابرة، بل مساراً ممتداً، وأن هذا المسار كان أحد الأسباب الرئيسية في
إضعاف الدولة السودانية، لا في حمايتها.

فانت تقول تقول إن الجيش اليوم “يغسل دماء التسييس بدم الشهادة”. هذه عبارة مؤثرة، لكنها لا تجيب على السؤال الحقيقي؛ هل تغيرت بنية المؤسسة التي أنتجت ذلك التسييس؟ أم أننا نطلب منها فقط أن تؤدي دوراً مختلفاً دون أن نغير شروط إنتاجها؟ لأن المشكلة، كما تعلم، ليست في نوايا الأفراد، بل في طبيعة المؤسسة نفسها. والتاريخ مليء بجيوش قاتلت بشجاعة، لكنها ظلت، في الوقت نفسه، جزءاً من أزمة دولها لأنها لم تُفصل عن السياسة. أما قولك إن نقد الجيش في هذه اللحظة هو “سهم مسموم” يخدم الميليشيا، فهذه هي النقطة الأخطر في خطابك كله. لأنك هنا لا تكتفي بالدفاع عن المؤسسة، بل تحاول احتكار الوطنية نفسها، وتقسيم المجال العام إلى معسكرين؛ من مع الجيش فهو مع الدولة، ومن ينتقده فهو، بطريقة أو بأخرى، في صف الميليشيا. وهذا منطق إقصائي، لا يبني دولة، بل اراه استقطاباً حاداً يمنع أي نقاش جاد حول المستقبل.

الدول، يا أحمد، لا تُبنى بالصمت، ولا تُحمى بتعطيل العقل النقدي. والتجارب التي تستشهد بها أنت قبل غيرك تؤكد أن المجتمعات التي منعت النقد في زمن الحرب دفعت ثمن ذلك لاحقاً، لأن الأخطاء التي لم تُناقش في وقتها تحولت إلى أزمات أكبر بعد انتهاء المعركة. ولذلك فإن النقد ليس ترفاً، ولا خيانة، بل هو جزء من آلية بقاء الدولة نفسها. أما رؤيتك للحل، التي تقوم على “تطهير الساحة” و”قيادة حازمة من داخل المؤسسات السيادية”، فهي في ظاهرها تبدو دعوة للاستقرار، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج السؤال القديم نفسه من يحدد من هو “المطهر” ومن هو “الملوث”؟ وبأي معايير؟ وتحت أي رقابة؟ لأن هذه اللغة، في التجربة السودانية تحديداً، كانت دائماً مدخلاً لإقصاء سياسي واسع يُبرر لاحقاً باسم “حماية الدولة”، ثم ينتهي بإضعافها.
والأهم من ذلك، أنك تتحدث عن جيش يكون “حامي الدستور ورئيس مجلس الأمن القومي”، بينما تتجاهل أن المشكلة الأساسية في السودان لم تكن في غياب هذا الدور، بل في تحوله إلى دور سياسي مباشر. فحين يصبح الجيش لاعباً في تحديد التوازنات السياسية، حتى تحت مسميات تنظيمية، فإننا لا نكون قد حللنا المشكلة، بل أعدنا صياغتها بشكل مختلف.

دعني أضع لك المسألة ببساطة، بعيداً عن البلاغة والاستعارات حتى نخرج من هذه المعضلة التي شوهت رؤيتك للمسرح برمتّه؛ أنا في كل نقاشي كنت حريصا الا أدافع عن “نخبة مدنية” بعينها، وتشهد لي أفكاري، وهي مبذولة، انني لم أبرئ أحداً من الخطأ أو الفساد، لأن هذا ليس موضوع النقاش أصلاً. موضوع النقاش هو بنية الدولة نفسها. هل نريد دولة تقوم على مؤسسة عسكرية تظل فاعلاً سياسياً دائماً، أم دولة تُعاد فيها صياغة العلاقة بحيث يصبح الجيش مؤسسة مهنية خاضعة لإطار دستوري واضح؟ الخلط بين هذين السؤالين هو ما يقود هذا السجال إلى طريق مسدود. لأنك ترد على نقد بنيوي للجيش باستدعاء نماذج من فساد بعض المدنيين، وكأن فساد هؤلاء يبرر استمرار الخلل في المؤسسة العسكرية. بينما الحقيقة أن الاثنين يمكن أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه؛ نعم، هناك خلل في النخب المدنية، ونعم، هناك خلل عميق في بنية الجيش. وإصلاح أحدهما لا يكون بتجاهل الآخر.

أما تصويرك للأمر وكأن كل نقد للجيش هو “بضاعة تفكيك” تُباع للميليشيا، فهو في النهاية لا يختلف كثيراً عن الخطاب الذي كان يُستخدم تاريخياً لتبرير إغلاق المجال العام، حيث تتحول كل معارضة إلى تهديد، وكل سؤال إلى خيانة. وهذا، كما تعلم، لم يُنتج دولة قوية في أي تجربة، بل أنتج دولاً هشة تخاف من مواطنيها بقدر ما تخاف من خصومها.
الحقيقة، يا صديقي، أبسط وأقسى في آن واحد؛ السودان لا ينهار فقط بسبب الميليشيا، بل أيضاً بسبب البنية التي جعلت الدولة نفسها قابلة لهذا الانهيار. والجيش، بحكم موقعه في هذه البنية، جزء من المشكلة كما هو جزء من الحل. وإنقاذه لا يكون بتقديسه، بل بإعادة تعريف دوره.

أما الاتهام بأن هذا الطرح يخدم الميليشيا، فهو اتهام سهل، لكنه لا يصمد أمام اختبار المنطق. لأن الدولة التي لا تستطيع أن تسمع نقداً من داخلها، لن تستطيع أن تواجه خصماً من خارجها. وهنا أصل إلى الخلاصة التي تحاول أن تتجاوزها في كل ردودك؛ الواقعية التي تدعو إليها، والتي تركز على حماية المؤسسة كما هي، قد تنجح في إدارة لحظة الحرب، لكنها لن تبني دولة مستقرة. أما الواقعية التي أدعو إليها، فهي التي تنظر إلى ما بعد الحرب، وتسأل؛ كيف نمنع تكرار هذه الكارثة؟
لأن السودان، بكل بساطة، لم يعد يحتمل رفاهية الدوران في الحلقة نفسها مرة أخرى.

دعني مرة اخرى، ان أضع الأمور في موضعها الحقيقي، لا كما تحاول بلاغتك أن تعيد تشكيلها؛ أنت لا تدافع عن “الدولة” كما تقول، بل تدافع عن صيغةٍ محددة من السلطة داخلها؛ صيغةٍ تَسيّست فيها المؤسسة العسكرية حتى صارت جزءاً من الأزمة التي تزعم اليوم أنها الحل الوحيد لها. أنت لا تقف في موقع “الواقعية الباردة” التي تدّعيها، بل في موقع الدفاع عن الأمر الواقع، بكل ما فيه من اختلالات تراكمت عبر عقود. تحوّل نقد البنية إلى تهمة، والمساءلة إلى خيانة، ومحاولة الإصلاح إلى “سهم مسموم”. وهذا، في جوهره، ليس خطاب دولة، بل خطاب حمايةٍ لمعادلة قديمة أثبتت فشلها مرة بعد أخرى.

لأن الدولة، يا أحمد، لا تُحمى بتعليق النقد، ولا تُبنى بتبرير التاريخ، ولا تستقر بالدفاع عن مؤسسةٍ لم تُفكك بعد ارتباطها بالسياسة. والدفاع عن الجيش، إن كان صادقاً، لا يكون بتحصينه من السؤال، بل بتحريره من الدور الذي أُقحم فيه.
أما أن يتحول كل من يطرح هذا السؤال إلى متهم، وكل من يطالب بإعادة البناء إلى خصم، فهذه ليست “واقعية”، بل محاولة لإغلاق النقاش تحت ضغط الخوف. ولهذا، فإن الفارق بيننا لم يعد مجرد اختلاف في التحليل، بل في الموقع نفسه؛ فأنا أنطلق من سؤال كيف تُبنى الدولة، وأنت تنطلق من سؤال كيف تُحمى مؤسسة نالها ما نالها من فساد، كما هي.
وبين السؤالين، تتحدد كل المعركة.
فإما أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن ما تدافع عنه هو جزء من المشكلة، أو نظل ندور حولها… حتى تبتلعنا مرة أخرى.

khirawi@hotmail.com

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

أحمد القرشي إدريس….. إنقاذ الدولة يبدأ بإعادة بناء الجيش (٢)

علاء خيراوياخي أحمد القرشي، من الضروري لي أنأبدأ من الفكرة المركزية التي يقوم عليها مقالك؛ …