lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
في الأسابيع الأخيرة، تصاعد الجدل في الخرطوم حول حملات إزالة الأحياء العشوائية، أو ما يُعرف رسميًا بـ”تسوية أوضاع السكن غير المنظم”. غير أن ما يُقدَّم في البيانات الحكومية كـ”خطوة لإعادة التخطيط الحضري” يراه كثير من المواطنين إجراءً قاسيًا لتفكيك الحزام الاجتماعي الفقير الذي عاش لعقودٍ طويلة على أطراف المدينة، في مناطق وُلدت من رحم التهميش والحرمان. لقد وُلدت تلك الأحياء من صراع الإنسان مع البقاء، حين لفظت الحرب أهلها من الجنوب والغرب والشرق، فوجدوا في أطراف الخرطوم مأوىً يقيهم المطر والجوع والخوف. ومع مرور الزمن، لم تعد تلك التجمعات مجرد “عشوائيات”، بل صارت مجتمعات كاملة، تشكل ذاكرة النزوح، ووجع الوطن المتشظي بين المركز والهامش. إن السؤال الجوهري اليوم ليس عن شرعية الأرض أو تراخيص البناء، بل عن شرعية الوجود الإنساني ذاته: هل يمكن للدولة أن تعيد بناء الخرطوم وهي تهدم أساسها الاجتماعي؟ هل التنمية الحضرية تعني أن يُزال الفقير ليبقى الغني؟ الخرطوم، التي توسعت عمرانياً بلا خطة عادلة، صارت تُدار بمنطق “المدينة الجميلة” لا “المدينة العادلة”. تُرسم الخرائط على الورق دون أن يُنظر في وجوه أولئك الذين يسكنون وراء خطوطها، وكأنهم مجرد “بقع رمادية” في مشهد عمراني مزعج. لكن خلف كل بيت طين وراكوبة هناك قصة إنسانية، وأمٌّ تحمل عبء أطفالها، وشاب يركض كل صباح ليكسب قوت يومه. إزالتهم بالجرافات ليست مجرد عمل إداري، بل فعل رمزي لإقصاء الفقراء من مشهد الوطن. إنها رسالة غير معلنة تقول: “أنتم لستم من المدينة، أنتم مجرد ضيوف مؤقتين في وطنكم”. هؤلاء الناس هم خزان القوة الاجتماعية الذي بنى المدينة بعرقه ودمه. هم من نظف شوارعها، وبنى منازلها، ووقف في نيران الحرب دفاعًا عن وحدتها. فكيف يُكافأون اليوم بالهدم والطرد؟ الحكومة تتحدث عن “إعادة هيكلة الإسكان”، لكن السؤال: لمن يُعاد هذا الهيكل؟ إذا كانت إعادة الهيكلة لا تشمل ضمان السكن البديل، ولا تحفظ كرامة الأسر التي تُهدم منازلها فجراً، فهي ليست تخطيطاً عمرانيًا، بل إعادة إنتاج للظلم الاجتماعي تحت غطاء القانون. في الدول التي تحترم إنسانها، يُعاد توطين السكان أولاً، وتُمنح التعويضات قبل الهدم. أما في الخرطوم، فالقرارات تنزل من المكاتب المكيفة إلى الأحياء التي يسكنها البؤس والفقر. وهكذا تتحول “سياسة المدن” إلى سياسة إذلال، تميّز بين سكان المدينة الأصلية وسكان الأطراف الذين لا يُعترف بهم كمواطنين متساوين. لقد نُزعت العدالة من مفهوم التنمية، واستُبدلت بسطوة الجرافة. وصارت “إزالة العشوائيات” مشروعًا لتجميل الخرطوم من الخارج، بينما يُعمّق قبحها الاجتماعي من الداخل. ما تحتاجه الخرطوم اليوم ليس جرافاتٍ جديدة، بل فكرًا عمرانيًا إنسانيًا يعترف أن المدينة ليست مباني فقط، بل بشرٌ يعيشون فيها. لا يمكن لأي مشروع حضري أن ينجح إن لم يبدأ من قاعدة العدالة الاجتماعية. وإلا فسنجد أنفسنا أمام مدن نظيفة شكلاً… قبيحة أخلاقًا. إعادة الهيكلة الحقيقية لا تعني إزالة الفقراء، بل دمجهم في بنية المدينة عبر السكن الميسر، والفرص الاقتصادية، والخدمات التي تليق بكرامة الإنسان. إن العدالة في توزيع الأرض ليست صدقة، بل حق وطني يعيد للمدينة توازنها الطبيعي. لقد آن الأوان لأن نفهم أن المواطنة لا تُقاس بمكان السكن، وأن الذين يعيشون في أطراف الخرطوم هم أبناء السودان بقدر من يسكن في أحيائها الراقية. فليكن التخطيط الحضري مشروعًا للإنصاف لا للإقصاء، ولتبقَ الخرطوم مدينةً لكل أبنائها، لا حديقة خلفية تُكنس منها الفقراء عند كل موسم تجميل سياسي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم