استجداء “أوتشا” لا يحرر دارفور.. السقوط الأخير لمني أركو مناوي في سياحته لجنيف!

عبدالغني بريش فيوف

بينما تتخضب رمال إقليم دارفور بدماء الأبرياء الزكية، وتتصاعد أعمدة الدخان من قرى وبلدات الإقليم التي تُحرق وتُستباح على يد ميليشيا الدعم السريع، يطل علينا حاكم الإقليم، السيد مني أركو مناوي، من قلب مدينة جنيف السويسرية الوديعة.
يظهر ببدلاته الأنيقة وابتساماته الدبلوماسية، ليعقد اجتماعات بروتوكولية باردة لا تسمن ولا تغني من جوع مع مسؤولي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.
هذا التناقض الصارخ والمفجع بين قاعات جنيف المكيفة، حيث تُرتشف القهوة وتُصاغ البيانات الركيكة، وبين خنادق دارفور وأزقتها حيث يواجه المواطن الأعزل آلة القتل والتهجير والاغتصاب، يطرح تساؤلا جوهريا ومريرا يفرض نفسه على كل ضمير وطني، وهو، ماذا يفعل حاكم إقليم سقط بالكامل في يد ميليشيا آل دقلو القبلية والمرتزقة المتحالفة معها، في أروقة أوروبا، هل هي محاولة بائسة لغسل اليدين من مسؤولية الهزيمة المروعة، أم أنه هروب مخملي جبان من مواجهة الواقع العسكري والسياسي شديد التعقيد على الأرض؟
منذ أن سقطت مدينة الفاشر التاريخية الباسلة في أكتوبر من عام 2025، كآخر معقل ومدينة دارفورية كانت تحت سيطرة الجيش السوداني والقوات المشتركة، دخل الإقليم بأكمله في نفق مظلم وطويل من الاحتلال الميليشياوي الاستيطاني.
لقد تُرك المواطنون العُزل، سيما أولئك الذين ينتمون للقبائل غير العربية، فريسة سهلة لسكاكين وبنادق ميليشيا الجنجويد التي تمارس يوميا أبشع أنواع التطهير العرقي والإبادة الجماعية، في مشهد يعيد إلى الأذهان أحلك فترات التاريخ الدارفوري دموية.
في ظل هذه الكارثة الوجودية التي تهدد التركيبة الديموغرافية والاجتماعية لدارفور، كان من المفترض، بل من البديهي والأخلاقي، أن يكون حاكم الإقليم ورئيس حركة تحرير السودان مرابطا في قلب المعركة، كان ينبغي تسخير كل الجهود، العسكرية والسياسية والمادية، لتحرير الإقليم، وتنظيم صفوف المقاومة الشعبية، وقيادة حرب تحرير حقيقية تليق بتاريخ دارفور النضالي المجيد، لكن، وبدلا من التخندق مع شعبه، نجد السيد مناوي ينخرط في سياحة دبلوماسية عبثية تفتقر إلى أدنى درجات اللياقة الوطنية.
إن زيارته لجنيف لا تحمل أي قيمة أو معنى حقيقي، لا من الناحية السياسية، ولا العسكرية، ولا حتى الدبلوماسية.
إنها تتجلى كمجرد محاولة يائسة للبقاء في دائرة الضوء الإعلامي، وإيهام الذات والآخرين بأنه لا يزال يمتلك أوراقا للعب، بينما الحقيقة الصادمة والمرة هي أن الرجل قد فقد أرضه، وفقد معها مبرر وجوده كحاكم لإقليم لا يحكم فيه فعليا سوى حقيبته الدبلوماسية وتذاكر طيرانه.
إن القيادة الحقيقية لا تُختبر في أوقات السلم وتقاسم السلطة وتوزيع المناصب الوثيرة، بل تُختبر في أتون المعارك وحماية الأعراض والدماء. ومن يغادر ميدان المعركة ليتسول الحلول والمناشدات من مكاتب الأمم المتحدة، فقد سقط في امتحان القيادة سقوطا مريعا لا رجعة فيه.
معبر «أدري».. استجداء الضعفاء وغياب السيادة!!
تتجلى ذروة المأساة والضعف في تفاصيل هذه الزيارة الاستعراضية، حيث تشير التقارير إلى أن مناوي التقى بمدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” بالإنابة، السيدة جيما كونيل، ليطالبها بمراجعة استخدام معبر أدري الحدودي الرابط بين تشاد وولاية غرب دارفور، وقد بنى مناوي طلبه على حجة أن ميليشيا الدعم السريع ودولة الإمارات تستخدمان هذا المعبر لأغراض عسكرية ولإدخال السلاح والعتاد.
عند التوقف أمام هذا الطلب وقراءته سياسيا وعسكريا، ندرك حجم الخلل البنيوي في تفكير القيادة، إذ كيف لحاكم إقليم وقائد حركة مسلحة عريقة أن يطلب من موظفة أممية معنية بالشؤون الإنسانية إغلاق أو مراجعة معبر حدودي تستخدمه دولة أجنبية وميليشيا متمردة لتمرير السلاح؟
إن الدول المحترمة وحركات التحرر الجادة لا تستجدي المنظمات الإنسانية لقطع خطوط إمداد العدو الاستراتيجية.
خطوط الإمداد العسكرية تُقطع بالقوة الضاربة، بالكمائن المحكمة، بالقصف الموجه، وبعمليات استخباراتية وعسكرية نوعية، وليس بكتابة الشكاوى وتلاوة المظالم في مكاتب جنيف.
هذا التصرف والطلب، يعكس خلطا معيبا بين المسار الإنساني والمسار العسكري، فالأمم المتحدة جهة دولية مقيدة بمهام إنسانية بحتة، وعندما يذهب مسؤول سوداني رفيع ليشتكي لها من تسليح الإمارات للميليشيا عبر معبر أدري، فهو يعفي نفسه صراحة من مسؤوليته الأصيلة في تحرير هذا المعبر بالقوة، ويحيل قضية أمن قومي وعسكري من الدرجة الأولى إلى مكتب تنسيق إغاثي.
علاوة على ذلك، فإن حديث مناوي عن معابر بديلة لتسهيل وصول المساعدات، يمثل اعترافا ضمنيا ومذلا بأنه، ومن خلفه الجيش والقوات المشتركة، لا يملكون أي سيطرة فعلية على الأرض أو على حدود دارفور الممتدة مع تشاد.
الميليشيا لا تستأذن الأمم المتحدة لإدخال السلاح، والإمارات لا تكترث لبيانات الإدانة الصادرة عن أوتشا، فما الذي يتوقعه مناوي من هذا اللقاء سوى ذر الرماد في العيون والتغطية على العجز العسكري الفاضح؟
سجون الدعم السريع.. بيع الوهم لأهالي المعتقلين!!
ولم يتوقف هذا العبث السياسي عند حدود أوتشا، بل امتد ليلتقي مناوي برئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميرجانا سبولياريتش، ليطالبها بتكثيف الجهود للوصول إلى السجون والمحتجزين لدى الدعم السريع، وتحديدا سجن دقريس، سيئ السمعة قرب مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، وهنا يتجلى الانفصال التام والمقلق عن الواقع المرير الذي يعيشه السودانيون.
إن مناشدة الصليب الأحمر للتدخل، تتجاهل طبيعة العدو الذي يقاتله السودانيون، إذ ان ميليشيا الدعم السريع، ليست جيشا نظاميا منضبطا يحترم اتفاقيات جنيف أو يكترث للقانون الدولي الإنساني.
إنها عبارة عن عصابات فاشية، ومجموعات منفلتة من المرتزقة وقطاع الطرق، هذه الميليشيا التي توثق الكاميرات جرائمها وهي تدفن المواطنين أحياء، وتحرق قرى بأكملها بمن فيها، وتغتصب الحرائر أمام ذويهن ككسر للكرامة، هل يُعقل أن تفتح أبواب سجونها السرية ومعتقلاتها المظلمة لمندوبي الصليب الأحمر بمجرد طلب دبلوماسي من مناوي؟
إن عشرات الآلاف من الأسرى العسكريين والمدنيين، والمختفين قسرا الذين يموتون يوميا جراء التعذيب الوحشي والجوع وانعدام الرعاية الصحية في زنازين الميليشيا، لا ينتظرون من حاكم إقليمهم أن يرسل لهم وفدا طبيا ليضمد جراحهم داخل معتقلات الجنجويد، بل ينتظرون جيشا باسلا وقوات ضاربة تقتحم هذه الباستيلات وتحررهم بقوة السلاح وتعيد إليهم حريتهم وكرامتهم.
إضافة إلى ذلك، فإن مطالبة منظمة دولية بالتفاوض مع الميليشيا لدخول سجونها يُعد بمثابة إضفاء شرعية غير مقصودة، واعتراف بسلطة الأمر الواقع التي فرضتها هذه العصابات.
الحل الجذري لا يكمن في تحسين ظروف اعتقال الأبرياء لدى المرتزقة، بل في سحق هؤلاء المرتزقة واجتثاثهم من جذورهم.
أرقام الكارثة تصفع وجوه المتخاذلين!!
بينما يناقش مناوي آليات التنسيق وتحسين توزيع المساعدات في غرف جنيف الفاخرة، تتحدث لغة الأرقام المفزعة لتعري حجم المأساة وتصفع وجه كل مسؤول سوداني تخاذل عن أداء واجبه الوطني، نحن نتحدث عن انهيار كامل وشامل للبنية الاقتصادية والزراعية والاجتماعية.
هناك أكثر من سبعة وثلاثين مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة هذا العام، من بينهم ما يزيد عن سبعة عشر مليون طفل، يمثلون جيلا كاملا مهددا بالضياع، بلا تعليم، وبلا مأوى، وبلا أمان.
تتفاقم المأساة مع تحذيرات الأمم المتحدة من معاناة مئات الآلاف من الأطفال من سوء التغذية الحاد والوخيم، في مشروع إبادة صامتة بالجوع الممنهج، بينما تُنهب ثروات وموارد البلاد وتُهرب للخارج، ومما يزيد الطين بلة، أن برنامج الأغذية العالمي بدأ فعليا في تخفيض الحصص الغذائية وتقليص أعداد المستفيدين بالملايين بسبب نقص التمويل الدولي.
لقد أدار المجتمع الدولي ظهره للسودان، وأعلنت المنظمات الدولية شبه إفلاسها تجاه الأزمة السودانية، فما الذي يبحث عنه مناوي هناك؟
إن العواصم الغربية لن ترسل جيوشها لتحرير دارفور، والأمم المتحدة لن تستطيع إطعام جياع معسكرات النزوح ما لم يكن هناك مشروع وطني مقاوم، وقيادة ميدانية حقيقية تفرض معادلات القوة الجديدة على الأرض وترد للميليشيا الصاع صاعين.
عزيزي القارئ..
إن الأزمة الحقيقية التي تعصف بالقيادات السياسية والعسكرية في السودان عموما، وفي دارفور على وجه الخصوص، تتلخص في تحول الثوار وقادة حركات التحرر التاريخيين إلى مجرد موظفين بيروقراطيين يبحثون عن بريق الألقاب، كحاكم إقليم، أو وزير، أو عضو مجلس سيادة، دون أن يتحملوا الأعباء الجسيمة والمسؤوليات التاريخية التي تفرضها هذه الألقاب في أوقات المحن.
لقد حمل مني أركو مناوي السلاح لعقود طويلة، متحدثا باسم تهميش دارفور ومدافعا عن حقوق إنسان دارفور ضد الأنظمة السابقة، ولكن، وبمفارقة مؤلمة، عندما واجه الإقليم أكبر خطر وجودي في تاريخه الحديث والمتمثل في غزو استيطاني شامل من ميليشيا عابرة للحدود تهدف بوضوح إلى إبادة السكان الأصليين وإحلال قبائل ومجموعات استيطانية أخرى مكانهم، تبخرت تلك الشعارات الرنانة، وتوارت القيادات خلف أسوار المدن الآمنة.
إننا نقف اليوم أمام حقائق قاسية لا يمكن تجميلها بمساحيق الدبلوماسية، وهي ان هذه الزيارات العبثية واللقاءات الجانبية، هي هروب مع سبق الإصرار والترصد من مواجهة استحقاقات الواقع المرير والمشتعل على الأرض.
إن ترك المواطنين العزل تحت رحمة الجنجويد وسكاكينهم، هو خيانة عظمى للأمانة، وتفريط غير مسبوق في العهد الذي قطعته هذه القيادات على نفسها أمام جماهيرها.
إن الانشغال المفرط بالعمل الدبلوماسي الشكلي والاستعراضي، بينما الأرض تُغتصب والعروض تُنتهك والبيوت تُسلب، هو كارثة عظيمة وسقوط أخلاقي وسياسي مريع لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال.
لقد فشل السيد مني أركو مناوي، ومعه طابور طويل من القيادات التي تدعي تمثيل دارفور وحمل قضيتها، في امتحان القيادة الحقيقية، حيث لم يستطيعوا حماية مدينة الفاشر وصمودها الأسطوري، ولم يتمكنوا من الدفاع عن الجنينة ونيالا وزالنجي عندما كانت تُذبح من الوريد إلى الوريد، والآن يختبئون خلف بيانات الإدانة الجوفاء ومناشدات الأمم المتحدة المفرغة من أي مضمون عملي أو رادع.
هؤلاء الذين يعبثون بحياة الأبرياء، والذين حولوا قضية وجودية لشعب بأكمله إلى مجرد ملفات وحقائب يستعرضون بها في فنادق ومكاتب أوروبا، قد استنفدوا كل رصيدهم السياسي والنضالي.
*
في نهاية هذا النفق المظلم، تتبلور حقيقة تاريخية قاسية لا تقبل التأويل ولا تجملها مساحيق الدبلوماسية العبثية، وهي أن الأوطان لا تُسترد من ردهات الفنادق المخملية، وأن سيادة الدول لا تُستجدى من موظفي الإغاثة الدولية.
إن التاريخ البشري لم يسجل يوما أن شعبا تعرض للإبادة الجماعية والتطهير العرقي قد نال حريته وحافظ على وجوده عبر منصات جنيف أو من خلال الشكاوى الباكية في أروقة الأمم المتحدة، إذ ان التاريخ يُكتب فقط ببنادق الرجال المرابطين في خنادق الشرف، وبصمود الأمهات اللواتي يغرسن أظافرهن في تراب الأرض رفضاً للاقتلاع.
إن السقوط الأخلاقي والسياسي الذي جسدته تحركات السيد مني أركو مناوي، ومن يسير في ركبه من قيادات الصدفة التاريخية، ليس مجرد خطأ في التقدير الاستراتيجي، بل هو إعلان صريح ونهائي لوفاة مشروعهم النضالي المزعوم.
لقد تحولت شرعيتهم من شرعية البندقية والميدان التي تغنوا بها لعقود، إلى شرعية الحقيبة وتذكرة الطيران، شرعية وهمية لا تحمي طفلا من الجوع، ولا تمنع ميليشياويا مجرما من استباحة قرية، ولا تفتح زنزانة مظلمة في سجون الدعم السريع.
إن أسوأ أنواع الهزائم، ليست تلك التي تحدث في ميادين القتال نتيجة نقص العتاد أو اختلال موازين القوى، بل هي الهزيمة النفسية والأخلاقية التي تجعل القائد يفر من مواجهة مصير شعبه، ليختبئ خلف لافتات السلام المزيف، باحثا عن دور بروتوكولي في مسرحية دولية لا ترى في دماء السودانيين سوى أرقام تُتلى في تقارير المنظمات الإنسانية.
لقد بات جليا أن أزمة دارفور الحالية، وأزمة السودان ككل، كشفت الغطاء عن هشاشة هذه القيادات التي أدمنت بريق السلطة ومقاعد المناصب، حتى وإن كانت هذه السلطة على أراض محترقة وشعوب تُباد.
كيف لحاكم أن ينام بقرير عين في عواصم أوروبا، بينما تُعجن دماء أبناء إقليمه بتراب الأرض التي يفترض أنه يحكمها؟
إن من يتنازل عن شرف الدفاع عن أرضه وعرضه في أحلك اللحظات الوجودية، يسقط عنه فورا حق التحدث باسم تلك الأرض، أو تمثيل ذلك الشعب في أي محفل كان.
واليوم، وأمام هذه الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، لم يعد هناك متسع لأنصاف الحلول أو المجاملات السياسية، حيث أن رسالة دماء الشهداء، وأنات المغتصبات، وعذابات الأسرى، والملايين من المشردين والجوعى واضحة كالشمس، وهي، ارحلوا بصمت.
ارحلوا فقد أثبتت الأيام أنكم لستم بحجم الكارثة، ولا بمستوى التحدي الوجودي الذي يواجه الشعب الدارفوري.
اتركوا الساحة لجيل جديد يعجن خنادقه بالصبر، جيل من المقاومين الشرفاء الذين يدركون أن ميليشيا الدعم السريع والمرتزقة المتحالفين معها لا يفهمون لغة البيانات الركيكة، بل يفهمون لغة الرصاص والنار.
إن دارفور، التي قاومت الغزاة والطغاة عبر قرون طويلة، لن تموت بخذلان ساستها، ولن تنكسر أمام جحافل المرتزقة، بل ستنهض من تحت الرماد، وتنفض عنها غبار المؤامرات والمساومات، لتكتب بدماء أبنائها المخلصين ملحمة التحرير الحقيقية، تحرير لا مكان فيه للجبناء، ولا مكان فيه لحكام بلا إقليم!

bresh2@msn.com

عن عبدالغني بريش فيوف

شاهد أيضاً

من تفكيك الدولة المؤدلجة إلى تبرير الدويلة الميليشياوية.. أزمة الاتساق في خطاب الوليد مادبو!

عبدالغني بريش فيوفإن من أشد الفواجع التي تُبتلى بها الأمم في أوقات المحن والحروب الوجودية، …