مختار العوض موسى
mokhtaralawad@gmail.com
منذ اندلاع حرب السودان في 15 أبريل 2023، شهدت البلاد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث؛ حيث تحوّل المدنيون من أشخاص محميين بموجب القانون الدولي الإنساني إلى أهداف مباشرة لانتهاكات جسيمة طالت أرواحهم وممتلكاتهم وكرامتهم الإنسانية. وقد برزت خلال هذه الحرب مليشيا ارتكبت أفعالًا يندي لها الجبين، ترقى – عند إخضاعها للمعايير القانونية الدولية – إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فالمدني لم يعد مجرد «متضرر عرضي» للنزاع، بل أصبح الهدف الأكثر هشاشة واستباحة، في مشهد يكشف عن انهيار خطير لمنظومة الحماية القانونية والإنسانية.
إن العدد الهائل للضحايا المدنيين لا يمكن تفسيره فقط باشتداد المعارك، بل هو نتيجة تزامن كارثي لعوامل أمنية واقتصادية وإنسانية وبنيوية، تجمعت لتجعل من هذه الحرب بيئة خصبة لانتهاك القانون الدولي الإنساني على نطاق واسع ومنهجي، وفي وضح النهار.
هذا الواقع المأساوي يفرض سؤالًا قانونيًا جوهريًا: هل تسقط هذه الجرائم بالتقادم؟ وما هو توصيفها القانوني الدقيق في إطار القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي؟ وكيف يمكن مواجهتها عبر تفعيل مبدأ «أنسنة الحرب»؟
قبل الإجابة، لا بد من الإشارة إلى مقتل آلاف المدنيين في سياقات تُنسب فيها المسؤولية بدرجة كبيرة إلى هذه المليشيا، من خلال القصف المتعمد للأسواق، والمساجد، والقرى، ومخيمات النازحين، وغيرها من الأعيان المدنية. وقد وثّقت تقارير حقوقية متعددة عمليات قتل بدم بارد استهدفت نساءً وأطفالًا داخل أحياء سكنية ومناطق خالية من أي أهداف عسكرية، في انتهاك صارخ لمبدأ حماية المدنيين، بما يشكّل جريمة حرب وفق المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
هل تسقط جرائم الحرب بالتقادم؟
تثار هنا مسألة جوهرية: هل يمكن أن تُطوى هذه الجرائم بمرور الزمن؟ والإجابة المستقرة في الفقه والقضاء الدوليين هي أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأنظمة السياسية. وقد كُرّس هذا المبدأ صراحة في اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لعام 1968، كما أكده نظام روما الأساسي، الذي نص بوضوح على عدم خضوع هذه الجرائم لأي مدة تقادم.
ولا يقتصر هذا المبدأ على النصوص الاتفاقية فحسب، بل أصبح جزءًا أصيلًا من قواعد العرف الدولي الملزمة لكافة الدول. وعليه، فإن أي ادعاء بسقوط المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة في السودان بحكم الزمن هو ادعاء باطل قانونًا، لا سند له في القانون الدولي.
توصيف الانتهاكات المرتكبة
إن الهجمات العشوائية التي نُفذت على مناطق مدنية، وعلى قرى ومخيمات النازحين دون تمييز بين أهداف عسكرية وأعيان مدنية، تشكّل انتهاكًا جسيمًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني. كما أن النزوح القسري لآلاف الأسر – كما حدث في قرى شمال الجزيرة – نتيجة العنف والنهب الممنهج، يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان، وقد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية إذا ارتُكب في إطار سياسة عامة أو نمط متكرر.
ويضاف إلى ذلك النهب المنظم للأسواق والمنازل والمرافق العامة، الذي يشكّل جريمة حرب، ويأخذ بعدًا أخطر حين يُمارس بصورة ممنهجة كوسيلة لإذلال السكان المدنيين. كما أن جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي المرتكبة على نطاق واسع ومنهجي تُعد من أخطر الجرائم الدولية، وترقى إلى جرائم ضد الإنسانية تستوجب المساءلة والعقاب الرادع.
انهيار مبادئ الحماية
يقوم القانون الدولي الإنساني، كما كرّسته اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية، على مبادئ أساسية لا يجوز تعطيلها حتى في أشد النزاعات ضراوة، وفي مقدمتها: مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
غير أن الواقع في السودان يكشف عن انتهاكات صارخة لهذه المبادئ: استهداف الجرحى والمرضى والمنشآت الطبية، اتباع سياسة التجويع، تدمير سبل العيش، وإدارة العمليات العسكرية داخل الأحياء السكنية المكتظة باستخدام أسلحة ثقيلة، بما أدى إلى طمس الخط الفاصل بين المدني والمقاتل، وإفراغ الحرب من أي بعد إنساني.
وقد ساهم انهيار مؤسسات الدولة – من شرطة وقضاء وإدارة محلية – في حرمان المدنيين من منظومة الحماية الداخلية، وفتح الباب أمام تفشي الإفلات من العقاب وانتشار السلاح خارج السيطرة. كما جرى توظيف العوامل الاقتصادية والإنسانية كسلاح حرب، من خلال نهب المساعدات، وحصار المدن، وتعطيل سلاسل الإمداد، وهي أفعال تندرج قانونًا ضمن التجويع المتعمد للمدنيين، المحظور صراحة باعتباره جريمة حرب.
وفي بعض المناطق، ولا سيما دارفور، تداخلت الحرب مع صراعات ذات بعد هوياتي، ما أدى إلى استهداف مدنيين على أساس الانتماء العرقي أو الاجتماعي، وهو ما يفتح الباب أمام توصيفات قانونية أشد خطورة، من بينها الجرائم ضد الإنسانية.
حماية المدنيين و«أنسنة الحرب»
لا خلاف على أن المدنيين هم الخاسر الأكبر في هذه الحرب، وحمايتهم واجب أخلاقي قبل أن يكون التزامًا قانونيًا. ومن هنا تبرز أهمية استعادة مفهوم «أنسنة الحرب» بوصفه مدخلًا لتقليل النزيف الإنساني، وذلك عبر تفعيل مبدأ التمييز، وضبط استخدام القوة، وحظر التجويع والتهجير القسري والاغتصاب كوسائل حرب.
كما يقتضي ذلك تفعيل آليات التوثيق والمساءلة، وتسمية الجناة علنًا، وتعزيز دور المجتمع المحلي – ولا سيما لجان الأحياء – في حماية المدنيين، إلى جانب دعم المنظمات الإنسانية، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات، وضمان حماية العاملين في المجالين الطبي والإغاثي.
ورغم استمرار الحرب، فإن تقليل عدد الضحايا يظل ممكنًا متى ما توفرت الإرادة السياسية، والضغط القانوني، واحترام الحد الأدنى من قواعد القانون الدولي الإنساني. فحماية المستشفيات والمؤسسات الخدمية، ووقف القتال داخل المناطق المكتظة بالسكان، ليست ترفًا أخلاقيًا، بل التزام قانوني لا يقبل التهاون.
خاتمة
إن الجرائم اللاإنسانية المرتكبة بحق المدنيين في السودان لا تُعد مجرد انتهاكات عسكرية عابرة، بل جرائم جسيمة تمس الضمير الإنساني قبل النصوص القانونية. وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تبريرها بأي ذريعة، مهما كانت موازين القوة أو ظروف الحرب. قد تتأخر العدالة الدولية، لكنها لا تموت، والذاكرة القانونية لا تنسى الدم حين يُراق خارج حدود الشرعية.
وما يحدث في السودان اليوم يشكّل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية القانون الدولي الإنساني: فحين تُستباح حياة المدنيين بهذه الصورة، لا يعود السؤال: كم عدد الضحايا؟ بل يصبح: إلى أي مدى سمح العالم بانهيار منظومة الحماية التي ادعى يومًا أنه بناها؟
والله من وراء القصد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم