كلمة “أستاذ”… رحلة كلمة من العجم إلى ألسنة العرب:
كم تزعجني مناداة الناس لي ب (يا استاذ)، ليس تصغيراً لشخصي ولكن هذا هو طبعي الذي جبلت عليه..ان فلسفتي في الحياة (ان من تواضع لله رفعه)..عليه ياسادتي ذلك هو السبب الذي دفعني ان ابحث عن اصل هذّه آلكلمة والتي ما انفكت تقال حتى لساكني اسفل قاع المدينة وكل من هب ودب..
اذاً لا بد لنا من تساءل: من أين جاءت كلمة أستاذ؟ او بالأصح ماهو معناها؟
بحسب بحثى وما ورد في مصادر اللغة، فإنها كلمة أعجمية دخيلة على العربية، إذ ان حرفى (السين والذال) لا يجتمعان في كلمة عربية أصيلة. وقد ورد ان أصلها فارسي، وتعني الفرد الماهر بالشيء أو المعلم. وتُقرأ بالذال المهملة، فيقال: (أُستا) أو (أُسطى)، وقد وردت بهذا المعنى في الفارسية القديمة للدلالة على صاحب الحرفة المتقن، والعالم المتمكن، والمعلّم الأول.
ثم تطورت الكلمة بعد ذلك وعبر العصور لتُطلق في العربية على معلّم الصبيان ومربي أولاد الملوك، أي على من يجمع بين العلم والتربية وقد ذكر علماء اللغة أن لفظ أستاذ لم يرد في الشعر العربي الموثوق به، ولا في الشعر الجاهلي، مما يؤكد حداثة دخوله على العربية بعد اتصالها بالفرس والعجم في العصور الإسلامية الأولى.
أما معناها الدقيق في الاصطلاح القديم، فكان يُطلق على من جمع عدداً من العلوم، إذ قيل: لا يُستحق لقب “أستاذ” إلا من أتقن ثمانية عشر علماً، وقيل: اثني عشر علماً، منها:
النحو، الصرف، البيان، البديع، المعاني، الآداب، المنطق، الكلام، الهيئة، أصول الفقه، التفسير، والحديث. أي أن الأستاذ لم يكن مجرد معلم، بل عالِم موسوعيّ، جامع بين العقل والبيان والفكر والمنهج.
ويُروى أن أول من لُقّب بالأستاذ هو كافور الإخشيدي، الذي اشتهر بالعلم والذكاء وحسن الإدارة، ثم شاع اللقب بين الناس ليُطلق على مؤدب الصغار، وعلى كل من بلغ التميز في مجالٍ من المجالات. فقد كانوا يقولون: هو أستاذ في كذا، أي ماهر متقن، ثم ترسخ هذا اللقب عبر العصور ليصبح وساماً علمياً ومعنوياً يدل على الاحترام والمكانة.
ومع مرور الزمن، توسع مدلول الكلمة، حتى صار لقب “الأستاذ” يرمز إلى المحاضر الجامعي والمفكر والمربّي، وإلى كل من يُعلّم أو يُوجّه بعلمٍ وخُلُقٍ ومسؤولية.
ولعل جمال الكلمة في أنها تجمع بين الهيبة والعطاء، فهي ليست لقبًا وظيفيًا فحسب، بل هوية ورسالة تعكس قدسية مهنة التعليم.
واليوم، في زمنٍ كثرت فيه الألقاب وقلّت فيه القامات، تبقى كلمة أستاذ أشرف الألقاب، لأنها تُقال لمن يزرع في العقول نوراً، وفي الأرواح قيماً، وفي الأجيال أملاً.
وفي الختام، نرفع تحية حب واعتزاز لكل أستاذٍ ومربٍّ فاضلٍ، حمل القلم سلاحاً، والعلم رسالة، والتربية أمانة، فكان نوره ممتداً لا يبهت أبداً..
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
osmanyousif1@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم