بقلم: لوال كوال لوال
قد تبدو الحروب في ظاهرها صراعاً سياسياً أو عسكرياً حول السلطة أو الهوية أو الموارد، لكن في عمقها غالباً ما تتحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة تخلق مستفيدين جدداً وتعيد تشكيل شبكات النفوذ والثروة. وفي السودان وجنوب السودان، لم تكن الحروب مجرد مواجهات مسلحة متقطعة، بل أصبحت مع مرور الوقت نمطاً اقتصادياً قائماً بذاته، يولد مصالح معقدة تجعل من إنهاء الصراع مهمة أكثر صعوبة مما تبدو عليه في الخطابات السياسية. إن مفهوم “اقتصاد الحرب” لا يعني فقط تمويل العمليات العسكرية، بل يشمل أيضاً كل الأنشطة الاقتصادية التي تزدهر في ظل الفوضى، من التهريب غير المشروع للموارد الطبيعية إلى فرض الإتاوات على الطرق التجارية، ومن السيطرة على الأسواق المحلية إلى استغلال المساعدات الإنسانية. هذه الأنشطة لا تتوقف تلقائياً عند توقيع اتفاقيات السلام، لأنها أصبحت مصدر دخل أساسي لآلاف الأفراد والجماعات، بل وأحياناً لمؤسسات كاملة نشأت في بيئة النزاع. في المناطق الحدودية بين السودان وجنوب السودان، على سبيل المثال، تشكلت عبر سنوات طويلة شبكات تجارية غير رسمية تعتمد على غياب الدولة أو ضعفها. هذه الشبكات وفرت سلعاً وخدمات للسكان، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في ترسيخ اقتصاد موازٍ خارج الرقابة القانونية. ومع مرور الوقت، أصبح لبعض الفاعلين مصلحة مباشرة في بقاء هذا الوضع، لأن أي استقرار أمني حقيقي قد يؤدي إلى تنظيم الأسواق وفرض الضرائب وإغلاق قنوات التهريب التي تدر أرباحاً كبيرة. ولا يمكن فهم اقتصاد الحرب من دون التطرق إلى قضية الموارد الطبيعية، خاصة النفط والثروة الحيوانية والمعادن. فقد أدى الصراع في كثير من الأحيان إلى تحويل السيطرة على هذه الموارد إلى هدف عسكري بحد ذاته. فالقوة التي تسيطر على حقل نفطي أو على طريق استراتيجي لتصدير المواشي لا تكتسب فقط نفوذاً اقتصادياً، بل أيضاً ورقة ضغط سياسية في أي مفاوضات قادمة. وهكذا تتشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية إلى درجة يصبح فيها الفصل بينهما شبه مستحيل. ومن النتائج الخطيرة لاقتصاد الحرب ظهور طبقة جديدة من “أمراء الصراع” الذين يجمعون بين النفوذ العسكري والقدرة المالية. هذه الطبقة لا تعتمد على الاقتصاد الإنتاجي التقليدي، بل على اقتصاد يقوم على الاستحواذ السريع للموارد في ظروف الفوضى. وفي ظل غياب مؤسسات رقابية قوية، يمكن لهؤلاء الفاعلين أن يتحولوا إلى لاعبين سياسيين مؤثرين، يسعون إلى توجيه مسارات السلام أو عرقلتها بما يخدم مصالحهم. كما أن استمرار النزاع يخلق فرصاً للفساد على مستويات مختلفة. فالموازنات الأمنية الضخمة، وصفقات السلاح، وتدفقات المساعدات الدولية، كلها مجالات يمكن أن تُستغل لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية. وعندما يصبح الفساد جزءاً من منظومة الصراع، فإنه يعمل كحافز إضافي لإطالة أمده، لأن السلام يعني في كثير من الأحيان فتح ملفات المساءلة وإعادة توزيع الموارد بشكل أكثر شفافية. ولا يقتصر اقتصاد الحرب على النخب المسلحة أو السياسية، بل يمتد تأثيره إلى المجتمعات المحلية. ففي بعض الحالات، يضطر المدنيون إلى التكيف مع واقع النزاع عبر الانخراط في أنشطة اقتصادية غير رسمية للبقاء على قيد الحياة. ومع مرور الوقت، قد يصبح هذا التكيف شكلاً من أشكال الاعتماد على اقتصاد الفوضى، مما يجعل الانتقال إلى اقتصاد منظم أكثر صعوبة. فالمزارع الذي ترك أرضه بسبب انعدام الأمن، أو الشاب الذي وجد دخلاً سريعاً في حمل السلاح، قد لا يرى في السلام فرصة فورية لتحسين وضعه المعيشي. ومن المفارقات أن بعض مظاهر النمو الاقتصادي التي تُسجل خلال فترات النزاع قد تكون مضللة. فارتفاع حجم التجارة غير الرسمية أو زيادة الإنفاق العسكري لا يعكسان بالضرورة تحسناً في مستوى الرفاه الاجتماعي، بل قد يشيران إلى تعمق الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد. وعندما تنتهي الحرب، تظهر فجأة الحاجة إلى إعادة بناء قطاعات كاملة كانت مهمشة أو مدمرة، من الزراعة والصناعة إلى التعليم والصحة. إن تفكيك اقتصاد الحرب يتطلب أكثر من مجرد إعلان وقف إطلاق النار. فهو يحتاج إلى استراتيجية شاملة تعيد دمج المقاتلين في الحياة المدنية، وتوفر بدائل اقتصادية حقيقية للمجتمعات المتأثرة بالنزاع، وتبني مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بشفافية وعدالة. كما يتطلب الأمر إصلاح النظام المالي وتعزيز الرقابة على الحدود والأسواق، حتى لا تستمر القنوات غير الرسمية في تقويض سلطة الدولة. ويلعب المجتمع الدولي دوراً مهماً في هذا السياق، سواء عبر دعم برامج التنمية أو من خلال فرض قيود على التدفقات المالية غير المشروعة المرتبطة بالنزاعات. لكن نجاح هذه الجهود يظل مرتبطاً بوجود إرادة وطنية صادقة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية ومستدامة، بعيداً عن منطق الغنيمة الذي طبع فترات طويلة من تاريخ المنطقة. وفي النهاية، لا يمكن الحديث عن سلام دائم من دون معالجة الجذور الاقتصادية للصراع. فالحرب التي تُغذيها المصالح المالية ستجد دائماً من يشعلها من جديد، حتى لو تغيرت الشعارات والوجوه. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السودان وجنوب السودان ليس فقط في إيقاف القتال، بل في تحويل الاقتصاد من أداة للصراع إلى رافعة للاستقرار والتنمية. إن بناء اقتصاد سلام يعني الاستثمار في الإنسان قبل الموارد، وفي الإنتاج قبل السيطرة، وفي الشفافية قبل المحاصصة. وعندما يشعر المواطن بأن السلام يوفر له فرصة حياة أفضل من الحرب، يصبح هو نفسه الضامن الأقوى لاستمراره.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم