خالد ابواحمد
كل سوداني خاض نقاشاً مع إسلاموي حول واقع السودان يعرف هذا المشهد جيداً، ويكاد يحفظه عن ظهر قلب لأنه يتكرر بنفس الترتيب وبنفس النهاية في كل مرة، تبدأ بالحديث معه عن صناعتهم للحروب والجوع والتهجير والدمار وسرقة الموارد والأرقام الصارخة، فيردّ عليك باستخفاف ويحاول استفزازك، تقدّم دليلاً موثقاً فيهاجم شخصك، تطرح سؤالاً وطنياً مشروعاً فيغرق في الشتائم والتوصيفات الجاهزة، وحين يضيق به الحال أكثر ويجد نفسه محاصراً بالحقيقة من كل جانب يختفي كأنه لم يكن. هذا اسلوب يعبّر عن الفارق الكبير بين فكر ووعي الذين ينادون بالسلام ويقفون ضد الحرب، وعضوية ما يطلقون على أنفسهم الحركة “الإسلامية”، هذا سلوكهم، سلوك ممنهج متجذّر في بنية حركة أفرزت الكذبَ منهجاً، والتضليلَ سياسةً، والإفلاتَ من المسؤولية ثقافةً راسخة، وله اسم دقيق يستحقه: “متلازمة الهروب من الحقيقة”.
القاعدة الذهبية في أي نقاش شريف هي أن الدليل دليل بصرف النظر عمّن يقدمه، وأن الحجة تُناقَش بحجة مقابلة لا بالنظر في هوية صاحبها، لكن الإسلاموي السوداني يعكس هذه القاعدة تماماً ويقلبها رأساً على عقب، فبدلاً من أن يواجه الحجة بحجة يذهب مباشرة إلى الانتقاص من شخصه، إذا كنت تختلف معه سياسياً وفكرياً فأنت عميل وخائن وعدو للإسلام.
الهدف في كل هذه الحالات واحد لا يتغير: تلويث المصدر حتى لا يُضطر إلى مناقشة المضمون، وإشغال الجمهور بالشخص حتى يُنسى الدليل. هذا الأسلوب يكشف في جوهره عن شيء واحد فقط: أن صاحبه يعرف جيداً أن الحجة التي أمامه لا يملك لها جواباً مقنعاً فيهرب منها نحو الشخص. إنه اعتراف صريح بالهزيمة الفكرية والسياسية والمعرفية، اعتراف مُغلَّف بقناع الهجوم لإيهام المتابعين بعكس ذلك.
أسلحة الاسلامويون..!!
غير أن ثمة سلاحاً يحتفظ به الإسلاموي لمراحل النقاش الأشد حرجاً، حين تنتهي كل الحيل ويجد نفسه مُحاصراً بالحجة من كل اتجاه ولا منفذ أمامه، فيلجأ إلى أثير أوراقه وأكثرها كشفاً لإفلاسه: التصنيف والتخوين بالجملة. “يا شيوعي” وكأن الشيوعية صارت تهمة قانونية تُسقط الحجة وتُبطل الدليل وتُعفي صاحبها من عناء الرد. “يا قحاطي” وكأن الانتماء لمطالبة الشعب بحقوقه جريمة موصوفة تستوجب الإدانة الفورية بلا محاكمة. هذه الكلمات في فم الإسلاموي ليست نقداً فكرياً ولا تحليلاً سياسياً ولا حتى إهانة مدروسة، هي صافرة الانسحاب وإشارة النهاية، إنها تُعلن بوضوح لا لبس فيه: لقد غُلبتُ في هذا النقاش، ولا أملك ما أقوله، فسأحرق الأرض من حولي قبل أن أنسحب. وهذا ما يفعله عامّتهم وقياداتهم في الحُكم. والمفارقة الصارخة التي لا يمكن تجاوزها أن الحركة التي شيّدت مشروعها كله على “الهوية الإسلامية” والتمييز بين الحلال والحرام والفصل بين الشرق والغرب، صارت هي نفسها أكثر من يوظّف التصنيف الأيديولوجي البائد سلاحاً للتهرب من المسؤولية.
حين تنتهي كل الحيل ويُغلق أمامه باب التصنيف والتخوين، تأتي المرحلة الأكثر فجاجةً والأوضح دلالةً على الانهيار الداخلي: الإساءة اللفظية والبذاءة الصريحة. السباب في النقاش ليس قوةً تُحسب لصاحبها، بل هو بالضبط عكسها تماماً، هو الصرخة المتشنجة التي يملأ بها الإنسان الفراغ المدوّي الذي خلّفه غياب الحجة، حين لا يجد ما يقوله يُحدث ضجيجاً يُلهي عن صمته، ويرفع صوته لأنه يعرف أن حجته لن تُسمع. وهنا تبرز المفارقة التي لا يمكن لأي مراقب نزيه أن يتجاوزها: هؤلاء الذين يرفعون راية الإسلام شعاراً ومشروعاً وهوية وحضارة، لا يجدون أدنى حرج في أن يكونوا أفحش الناس لساناً وأكثرهم بذاءةً حين تضيق عليهم زاوية الحقيقة وتُحكم من حولهم.
هذا التناقض الصارخ بين الشعار والسلوك يقول للسوداني العادي كل ما يحتاج أن يعرفه دون أن يقرأ كتاباً أو يستمع إلى محاضرة، والأكثر إيلاماً في هذا كله هو ذلك النمط المتكرر الذي بات كل متابع يحفظه: يُطلق الإسلاموي اتهامه أو شتيمته بكامل الجرأة، ثم يختفي من النقاش كأنه لم يكن، يُسمّم الأجواء ويُعكّر المشهد ثم يتركه لغيره، يضرب ويهرب، وهذا هو التكتيك الوحيد المتاح لمن لا يملك ما يقوله.
ولعل أكثر تجليات هذه المتلازمة دلالةً وفضحاً تلك الظاهرة التي باتت علامة فارقة في الفضاء الرقمي السوداني: الحسابات الوهمية والأسماء المزيفة. قادة الحركة المجرمة الذين حكموا السودان كل هذه العقود، والوجوه التي تتصدر تنظيمهم وتدّعي امتلاك الحق والمشروع والرسالة والشرعية، حين تبحث عمّن يدافع عنهم في الفضاء الرقمي وتواجههم في ساحات النقاش اليومي، تجد السواد الأعظم منهم مختبئين وراء أسماء مستعارة وحسابات مجهولة لا هوية لها ولا وجه ولا اسم.
توظيف مشاعر الجهلة والدهماء..!!
وخلف كل هذا الهروب المتواصل والبذاءة المتجددة والاختباء وراء الأقنعة الرقمية، تبقى أسئلة وطنية بسيطة عاجزون عن مواجهتها منذ عقود: ماذا فعلتم بنيّف وثلاثين عاماً من حُكم السودان؟ وما مسؤوليتكم الأخلاقية والسياسية عن الكارثة الإنسانية التي يرزح تحتها السودانيون اليوم من حرب ودمار وتهجير وجوع؟ هذه الأسئلة هي التي تُصمت الإسلاموي السوداني صمتاً حقيقياً لا يُخرجه منه لا تصنيف ولا شتيمة ولا اختباء، لأن الإجابة الصادقة عنها تعني الاعتراف التام بالفشل في بناء دولة، وبالمسؤولية المباشرة في تدمير مجتمع، وبالإجرام في حق شعب كامل صبر على إجرامهم وتكبّرهم وتعاليهم فلم يجد منهم إلا القسوة وموت الضمير.
ولعل من أبرز أدوات الإسلامويين في هذا الصراع غير المتكافئ فكرياً، توظيف مشاعر الجهلة والدهماء والرجرجة وقوداً رخيصاً في معاركهم ضد الوطنيين الشرفاء. فحين تعجز الحركة عن تقديم حجة أو مواجهة دليل، تستدعي هذه الطبقة من الأتباع الذين لا يملكون من بضاعة سوى ما يُفرزه الجهل من حقد وضغينة وعقد متراكمة، فيُطلقونهم كالقطيع في وجه كل صاحب رأي أو حامل قضية.
والدليل الأصدق على هذا الفقر المعرفي والإفلاس الفكري البنيوي للحركة أنها بعد ما يزيد على ثمانين عاماً من الحضور في المشهد السوداني ورفع الشعارات الإسلامية، لم تُنتج فقيهاً واحداً يُشار إليه بالبنان، ولا مفكراً واحداً يمكن القول بأن له أثراً حقيقياً في الحراك الفكري أو الثقافي في السودان. ثمانية عقود من الشعارات والسلطة والمال العام لم تُفرز سوى آلة للتعبئة العاطفية وسرّاق المال العام في كل الميادين السياسية والدبلوماسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية. كما كان من نتاج الحركة الإسلاموية إشعالُ الغرائز الذي تعبّر عنه مخرجات “دار المايقوما” من الآلاف من أبناء الخطيئة، إلى الدرجة التي أصبحوا فيها وجبات دسمة للكلاب الضالة، كما قال بذلك الدكتور محمد محي الدين الجميعابي. لذلك لا غرابة على هذه الحركة أن تمارس كل سوء وخبث في مواجهة التيار الوطني الداعم للسلام والرافض للحرب.
مصادرة المستقبل بالدم..!!
أربعة عقود كاملة قضاها الإسلامويون السودانيون في الهروب من استحقاق واحد لا ثاني له: مواجهة الحقيقة. هربوا من الرأي الآخر فسجنوه وعذّبوه وشرّدوا أصحابه، وهربوا من صوت المعارضة الشريفة فأسكتوه بكل ما أوتوا من سلطة وحديد ونار، وحين ضاق بهم الحال أكثر وأحسوا بأن الحقيقة تقترب رغم كل شيء، ظنوا أنهم يستطيعون شراء البقاء ومصادرة المستقبل بالدم، فأراقوا من الدماء الزكية الطاهرة ما يكفي لمساءلتهم أمام كل محاكم الأرض والضمير والتاريخ. أراقوها علّهم يُخمدون صوت الشرفاء إلى الأبد، ويُطفئون شعلة الوطنيين الأحرار الذين كانوا يرونهم خصومهم الأكثر خطورة لأنهم يحملون الحقيقة بأسمائهم الحقيقية وبوجوههم الحقيقية.
لكنهم في غمرة حساباتهم الباردة نسوا شيئاً واحداً عجزوا دائماً عن فهمه رغم كل سنوات الحكم: أن حواء السودان لم تتعب ولن تتعب. هذه الأم السودانية الصابرة المكلومة الصامدة، التي دفنت أبناءها وبناتها ولم تنكسر، وشيّعت شهداءها وعادت لتربّي غيرهم، ما فتئت بحمد الله تنجب جيلاً بعد جيل من الشرفاء الذين لا تُرهبهم شتيمة، ولا يُسكتهم تصنيف، ولا يُوقفهم تخوين، ولا يستطيع اسم وهمي خلف شاشة أن يُحدث في إيمانهم بوطنهم أدنى خدش.
اليوم دخل الشعب السوداني الأبيّ في مواجهته مع الإسلامويين مرحلةً جديدة، وقد حانت بعد طول انتظار وطويل صبر ساعة الحقيقة التي ظلوا يؤجلونها ويهربون منها ويدفعون ثمن تأجيلها من أرواح الأبرياء منذ أربعة عقود. ساعة لا تنفع فيها شتيمة، ولا تُجدي فيها أسماء وهمية، فكل السودانيين اليوم في لحظة استشراف للأيام المقبلة التي تعود فيها الحقوق لأصحابها، وتفرح فيها أسر الشهداء والمفقودين وقد أصبحوا علامات بارزة في سجل التاريخ الوطني.
أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا بالذي أصبح شمسا في يدينا..
نهار الثلاثاء 17 مارس 2026م
khssen@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم