الإسلاميون: مِنْ رفضِ كوكا دام واتفاقيةِ الميرغني قرنق إلى قبولِ إعلانِ فرانكفورت وحقِّ تقريرِ المصير (3 – 3)

د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
بدأنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات بالشرح والتحليل لرحلةِ الإسلاميين من مربع الرفض القاطع لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق (والتي ناقشناها بإسهاب في السلسلة السابقة من هذه المقالات) إلى دائرة قبول إعلانِ فرانكفورت وحقِّ تقريرِ المصير لشعب جنوب السودان، دون أيّة اشتراطاتٍ أو تحفّظات. تم ذلك القبول من خلال توقيع حكومة الإنقاذ على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992 مع فصيل الناصر الذي انشقّ عن الحركة الشعبية الأم في أغسطس عام 1991.

2
أوضحنا في ذلك المقال أن حكومة الانقلابيين الإسلاميين الجديدة كانت قد قرّرت منذ استلامها السلطة في 30 يونيو عام 1989 أن الحلَّ لقضية الجنوب يكمن في البندقبة. إلا أنها، وبسبب وعيها الكامل بمقدرات الحركة الشعبية العسكرية والسياسبة والدبلوماسية، قرّرت أن تضع الخطة “ب” للحوار والتفاوض مع الحركة الشعبية إذا لم يُكتبْ للبندقية النجاح.
وقد شرحنا كيف لجأت تلك الحكومة إلى دولة إثيوبيا الماركسية وطلبت منها تنظيم لقاءٍ مع الحركة الشعبية. وقد انتهى ذلك اللقاء في أغسطس 1989 بالفشل، مثلما انتهى لقاء نيروبي الذي نظمه مركز كارتر للسلام في ديسمبر 1989.
وتعرّضنا في المقال السابق إلى سقوط نظام منقيستو هايلي ماريام الإثيوبي وعلى تداعيات ذلك السقوط على الحركة الشعبية، والتي كان من أهمها الانقسام داخل الحركة نفسها، وبروز فصيل الناصر بقيادة الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول أجاوين. وكان من ضمن التداعيات تبنّي الفصيل المنشقّ، وكذلك الحركة الشعبية الأم، لمبدأ حق تقرير المصير.

3
سوف نواصل في هذا المقال السرد والنقاش لهذه التطوّرات المعقدة المثيرة، ونوضّح كيف عبّدت هذه التطوّرات الطريق وقادت، بعد أربعة أشهرٍ فقط، إلى إعلان فراكفورت الذي وقّعته حكومة الإسلاميين مع فصيل الناصر، والذي تبنّى لأول مرّةٍ في تاريخ السودان مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

4
من الواضح أن سقوط نظام منقيستو هايلي ماريام قد أزاح حاجزاً ضخماً كان يقف في طريق مطالبة الحركة الشعبية بحق تقرير المصير. فإريتريا نفسها التي كانت في حربٍ ضروس ضد نظام منقيستو كانت قد انتزعت حق تقرير المصير من إثيوبيا قبل أشهرٍ من انعقاد اجتماع الحركة الشعبية في توريت في سبتمبر عام 1991. وقد وصلت حركات التحرير الإريترية إلى تلك النقطة من خلال التفاوض مع الحكومة الإثيوبية الجديدة. إذن لماذا لا ترسل الحركة الشعبية بالونات اختبارٍ للخرطوم ببرنامجها الجديد لترى ردّة الفعل، خصوصاً بعد نجاح الاستراتيجية الإريترية؟

5
لا بدّ من التذكير عند نقاش مبدأ حق تقرير المصير بقرار منظمة الوحدة الأفريقية القاضي بقدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار، والذي كان قد صدر عام 1964. يطالب القرارُ الدولَ الأعضاء بالالتزام باحترام الحدود القائمة لبلادها عند نيلها الاستقلال.
لكن القرار لا يمنع الدول بالطبع في الدخول في مفاوضاتٍ، وفي منح حق تقرير المصير مع خيار الانفصال لأيّة مجموعةٍ في تلك الدولة. وما دامت إريتريا قد انتزعت ذلك الحق بالتفاوض مع الحكومة الجديدة في إثيوبيا فلا مجال للحديث عن خرق المطلب الإريتري لقرار منظمة الوحدة الأفريقية. إذن لماذا لا ترفع الحركة الشعبية بالونة اختبار حق تقرير المصير؟
عليه فقد أصبح واضحاً أن الحركة الشعبية كانت قد قرّرت في توريت السير في نفس طريق التفاوض لانتزاع حق تقرير المصير لتفادي العقبات التي وضعها قرار منظمة الوحدة الأفريقية بشأن قدسيّة الحدود. فقد نصّ قرار اجتماع الحركة الشعبية على أنه في أيّة مبادرةٍ أو محادثاتٍ للسلام مستقبلاً سيكون موقف الحركة الشعبية من نظام الحكم هو وقف الحرب باعتماد نظامٍ موحّدٍ وعلمانيٍ وديمقراطي، أو نظامٍ كونفيدرالي، أو تجمعٍ لدولٍ ذات سيادة، أو تقرير المصير.

6
من الجانب الآخر فقد رأت حكومة الجبهة الإسلامية في انشقاق الحركة الشعبية وبروز فصيل الناصر فرصةً ثمينةً لاستثمار الانقسام والعمل من خلاله على إضعاف الحركة، خصوصاً بعد الضربة الموجعة التي تلقّتها الحركة بعد انهيار نظام منقيستو ووقف العون العسكري غير المحدود الذي كانت تتلقاه من أديس أبابا.
عليه فقد قرّرت الجبهة الإسلامية الاعتراف بالفصيل المنشق الجديد والتفاوض والتعاون معه لإضعاف الحركة الشعبية الأم – العدو الرئيسي والمهدّد الحقيقي للحكومة الإسلامية في السودان – عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً، فعدو عدوّك صديقك.

7
بدأت الحكومة اتصالاتها مع فصيل الناصر، الذي برز الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول أجاوين كقائدين له، فور وقوع الانشقاق داخل الحركة الشعبية. جرت تلك الاتصالات من خلال ما سُمِيّ بالقوات الصديقة والتي هي مليشياتٌ جنوبيةٌ تمولها وتسلّحها الحكومة السودانية لمحاربة الحركة الشعبية.
نتج عن تلك الاتصالات أول اجتماعٍ بين مسئولين كبار من الحكومة والفصيل المنشق في أكتوبر عام 1991 في نيروبي، حيث التقى الدكتور علي الحاج مع القانوني السيد جون لوك الذي كان أحد أبرز القادة المنشقّين من الحركة الشعبية الأم. بعد يومين من الاجتماعات اتفق الطرفان على لقاءٍ موسّعٍ ورسميٍ في إحدى الدول الأوروبية. وقد وافقت جمهورية المانيا على عقد اللقاء في مدينة فرانكفورت بعد أن تأخّر الحصول على تأشيرات دخول للملكة المتحدة من السفارة البريطانية في نيروبي. من المؤكد أن علاقة الدكتور علي الحاج بدولة المانيا ساهمت كثيراً في اختيار فرانكفورت مكاناً للقاء الوفدين.

8
وصل الوفدان إلى فرانكفورت يوم 22 يناير عام 1992، وبدأت مفاوضاتهما في 23 يناير واستمرت حتى يوم 25 يناير. قاد وفد الحكومة السودانية الدكتور علي الحاج، وشملت عضوية الوفد العميد كمال علي مختار، والسيد موسى علي سليمان، والسكرتير الأول بالسفارة السودانية بالمانيا السيد محمد حسين زروق.
يُلاحظ عدم اشتراك العقيد محمد الأمين خليفة في مفاوضات فرانكفورت. وكان العقيد محمد الأمين خليفة قد قاد وفد السودان لمفاوضات أديس أبابا ونيروبي عام 1989. كما أن العميد كمال علي مختار كان الوحيد ضمن الوفد الحكومي في فرانكفورت الذي شارك في مفاوضات أديس أبابا ونيروبي.
قاد وفد مجموعة الناصر الدكتور لام أكول أجاوين، وشملت عضوية وفده السادة جون لوك، وتيلار دينق، وتعبان دينق، والدكتور كاستيلو قرنق. وكان الدكتور لام أكول قد قاد وفد الحركة الشعبية الأم لمفاوضات أديس أبابا ونيروبي. يُلاحظ عدم وجود جنوبيين في الوفد الحكومي لأن الحكومة كانت تعرف أن وفد مجموعة الناصر لن يشمل شماليين.

9
قدّم كلٌ من الوفدين تصوّره لحل النزاع السوداني. تضمّنت مقترحات الوفد الحكومي إقامة نظامٍ فيدرالي باعتباره الخيار المناسب لتحديد العلاقة بين الشمال والجنوب، وبين الولايات كافة، وباعتباره النظام الأمثل الذي يسمح للشعب السوداني بالتعبير عن اختلافاته وتعدّديته الثقافية والدينية والعرقية. أوضحت المقترحات الحكومية ضرورة الاتفاق على صيغةٍ لاقتسام السلطة والثروة بين الشمال والجنوب، وعلى دمج قوات الحركة الشعبية/الجيش الشعبي في القوات المسلحة وقوات الشرطة، وإنشاء مجلسٍ قوميٍ يترأسه رئيس الجمهورية لمباشرة إعادة تأهيل الولايات الجنوبية، وتوطين المواطنين المتأثرين بالحرب.

10
غير أن تصوّر فصيل الناصر كان مختلفاً ومطوّلاً. أوضح تصوّر الفصيل أنه منذ عهد الاستعمار وحتى الاستقلال لم يُمنح جنوب السودان أبداً الفرصة ليقرّر في وحدة البلاد، وأن قرار إلحاق جنوب السودان بالسودان في عام 1947 قد تمّ اتخاذه بواسطة القوى المستعمرة بالتواطؤ مع شمال السودان دون الأخذ في الاعتبار تطلّعات شعب الجنوب. كذلك كان الأمر في اجتماع القاهرة عام 1953 والذي تمّ فيه تحديد المصير السياسي للجنوب، وللسودان كله، بواسطة الشماليين وحدهم، وتمّ حرمان الجنوبيين من المشاركة بدعوى أنهم غير منظّمين سياسياً.
أشار تصوّر فصيل الناصر إلى قيام الشماليين بتحديد مصير البلاد بحسب مصلحتهم، وأنه منذ الاستقلال في عام 1956 كانت وحدة السودان تقوم على هيمنة الشمال على الجنوب في جميع المناحي، مما أدّى إلى نكران المساواة والعدل والحريات السياسية والتنمية الاقتصادية للجنوب. أوضح التصّور أن الوصول إلى سودانٍ علمانيٍ متّحدٍ غير ممكنٍ في المستقبل القريب، وذلك بسبب القوى الإسلامية القوية المتمكّنة في الشمال. وبينما اعترف التصوّر بحق الشماليين في تطبيق القوانين والسياسات الإسلامية على أنفسهم، فقد أوضح أن للجنوبيين نفس الحق في اختيار قوانين علمانية ومبادئ سياسية تناسب قيمهم وتطلعاتهم.

11
شدّد التصور على أن جزئي السودان (الشمال والجنوب) لديهما اختلافاتٌ عرقيةٌ وثقافيةٌ ودينيةٌ وتاريخيةٌ وجغرافيةٌ كبيرة، وقد فشلا تماماً خلال ال 36 عاماً منذ الاستقلال في تكوين دولةٍ قابلةٍ للوجود، بحسب ما تشهد به الحرب المستمرة بين الطرفين.
خلص التصوّر أنه لحل مشكلة الحرب الأهلية في السودان، فإن شعب الجنوب يجب أن يمارس حقّه غير المشروط في أن يختار وضعه السياسي بحرية، وكذلك سبل تطوره الاقتصادي والاجتماعي، وأنه يجب على حكومة السودان أن تعترف وتلتزم بمنح شعب الجنوب الحق في ممارسة استفتاء،خلال فترةٍ محدّدة، ليقرّر الجنوبيون ما إذا كانوا سيبقون ضمن السودان الموحّد، أم تكون لهم دولتهم المستقلة.
واختتم التصوّر القول أنه فور تصديق الحكومة على هذا الخيار فسيدخل الطرفان في محادثاتٍ مفصّلةٍ حول نظام الحكم خلال الفترة الانتقالية، وخاصةً تقاسم السلطة والموارد وإجراءات الأمن والإغاثة وإعادة التأهيل والتوطين والتعمير.

12
وهكذا طرح الوفد الحكومي تصوّره لحل مشكلة الجنوب بقيام نظامٍ فيدرالي يسمح للشعب السوداني بالتعبير عن اختلافاته الثقافية والدينية والعرقية.
كان هذا هو التصوّر الذي تبنّاه وطرحه الحزب الليبرالي لجنوب السودان رسمياً عام 1954، وطالب به باسم الجنوب الأب سترنينو لوهوري أمام لجنة الدستور، ثم أمام البرلمان السوداني عام 1958.
وقد عدّد السيد ويليام دينق عند مطالبته بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 نفس الأسباب التي تبنّاها وتضمّنها طرح حكومة الإنقاذ لقيام النظام الفيدرالي – استيعاب الخلافات الدينية والعرقية والثقافية بين شعبي شمال وجنوب السودان.
غير أن الأحزاب الشمالية جميعها، خاصةً الجبهة القومية الإسلامية بمسمياتها المختلفة، رفضت على لسان قادتها، ذلك الطرح مراراً وتكراراً، خصوصاً خلال مؤتمر المائدة المستديرة، وتعالت وظلت تتعالى الهتافات الصاخبة “لا فيدرالية لأمةٍ واحدة.”
.(No Federation for One Nation)
عليه فإن ما عرضه الساسة الجنوبيون في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965، ورفضه بشدّةٍ الساسة الشماليون وقتها (بما فيهم الجبهة القومية الإسلامية)، عادت الجبهة القومية الإسلامية إليه، وقامت بتبنّيه عام 1992.

13
قضى الوفدان اليوم الأول يستمعان إلى بعضهما البعض، وهاجم فصيل الناصر طرحَ الحركة الشعبية الأم للسودان الجديد، وطرحَ الحكومة للنظام الفيدرالي (الذي ذكر أن الزمن قد تجاوزه)، ووصفهما بأنهما مضيعة للوقت بسبب إصرار الشمال على تطبيق القوانين الإسلامية. وأكّد فصيل الناصر أن ذلك من حقِّ الشمال، ولكن بنفس المنطق فمن حقِّ الجنوب تقرير مصيره أيضاً.
كان من الممكن للوفد الحكومي أن يحاول أن يلتقي فصيل الناصر في منتصف الطريق، كما يحدث عادةً في المفاوضات، ويطرح تصوّر النظام الكونفيدرالي. لكنه لم يفعل، ووافق في نهاية الأمر، في اليوم الثاني للمفاوضات، على طرح فصيل الناصر كما هو. وعليه فقد تمّ التوصّل والتوقيع في يوم 25 يناير عام 1992 على إعلان فرانكفورت بواسطة الدكتور علي الحاج والدكتور لام أكول أجاوين. تضمّن الإعلان لأول مرة في تاريخ السودان اعترافاً حكومياً صريحاً بحقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
لا بد أن دوي تلك القنبلة الهائلة قد تم سماعه في الخرطوم وجوبا، وفي كل الإقليم، في تلك الساعة وذلك اليوم – 25 يناير عام 1992.

14
نصّت ديباجة إعلان فرانكفورت على لقاء الوفدين اللذين يمثلان حكومة السودان، واللجنة التنفيذية الوطنية الانتقالية للحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح الناصر)، بمدينة فرانكفورت بالمانيا لمناقشة والتفاوض حول مسيرة السلام في السودان، وأوضحت الديباجة أن وفد الحكومة قد ترأسه الدكتور علي الحاج محمد، وأن وفد جناح الناصر قد ترأسه الدكتور لام أكول أجاوين. تناول الإعلان ببعض التفصيل النقاط التي تمّ التوصّل إليها.
فقد نصّت الفقرة الأولى من الإعلان على أنه ستكون هناك فترة انتقالية يتّفق عليها الطرفان من يوم توقيع اتفاقية السلام بين الطرفين، يتمتّع جنوب السودان خلالها بنظامٍ دستوريٍ وسياسيٍ خاص في إطار السودان الموحّد.
وتتضمّن هذه الفقرة أيضاً أنه بعد نهاية الفترة الانتقالية يمارس شعب جنوب السودان حقه ليختار بحريةٍ النظام السياسي والدستوري الذي يناسب تطلّعاته الوطنية دون استبعاد أيِّ خيار.
ولتجنّب اللجوء إلى المواجهة المسلّحة مستقبلاً بين شعب الجنوب والحكومة المركزية، وكوسيلةٍ لحلِّ الخلافات الدستورية والسياسية وغيرها، اتفق الطرفان على وضع إجراءاتٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ موسّعةٍ للتأكّد من خلال استفتاء على آراء شعب الجنوب حول وضعهم السياسي والدستوري بعد الفترة الانتقالية.
اتفق الطرفان أيضاً على حضور جولة المفاوضات المقترحة القادمة في أبوجا في دولة نيجيريا في أقرب وقتٍ ممكن، على أن يبدأ وقف إطلاق النار الشامل في الجنوب والمناطق المتأثّرة بالحرب في الشمال قبل بدء المفاوضات.
أوضح الإعلان أن المسائل التي سيتقدّم الطرفان بمقترحاتٍ مفصّلةٍ للتفاوض حولها هي نظام الحكم خلال الفترة الانتقالية، خصوصاً مسألة اقتسام السلطة والثروة، بالإضافة إلى الترتيبات الأمنية والإغاثة وإعادة التوطين وإعادة التعمير.

15
على الرغم من أن إعلان فرانكفورت لم يستعمل مصطلح “تقرير المصير” إلاّ أنه اشتمل على المُقوِّمين الأساسين لهذا المبدأ، وهما الاستفتاء وعدم استبعاد أيِّ خيار، بما في ذلك بالطبع خيار الانفصال. وقد كان ذلك هو ما طالب به فصيل الناصر.
عليه فإن عدم اشتمال إعلان فرانكفورت صراحةً لمصطلح “حق تقرير المصير” لم يكن ليعني أكثر من “استحياء” الإسلاميين من ذكره في الإعلان. ومن المؤكّد أنّ هذا الاستحياء قد فرضته حقيقة أنّ هذه أول مرةٍ في تاريخ السودان توافق فيها حكومةٌ في الخرطوم على حقِّ تقرير المصير لمواطني جنوب السودان. وهي حكومة نفس الحزب الذي رفض في الماضي حتى النظام الفيدرالي للجنوب. ورفض وقام بؤأد كلٍ من إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق، اللتين لم تناديا بأكثر من مؤتمرٍ دستوريٍ، وتجميد تطبيق قوانين سبتمبر حتى انعقاد المؤتمر.
من الجانب الآخر فإن أية إجراءات تفيد باستفتاء شعب جنوب السودان، وتعطيه كلَّ الخيارات (سواءٌ اسمتها الاتفاقية حق تقرير المصير أم لم تفعل) هو انتصارٌ كبيرٌ للدكتور لام أكول أجاوين والدكتور رياك مشار، ولفصيلهما المنشق عن الحركة الشعبية الأم، ابن الخمسة أشهر، سواءٌ سماه إعلان فرانكفورت “حق تقرير المصير” أم لم يفعل.

16
وهكذا فتح إعلان فرانكفورت القمقم، وخرج مارد تقرير المصير لشعب جنوب السودان، ولم يعد بإمكان أحدٍ إعادته إلى مكانه. لم يعدْ حقُّ تقريرِ المصير بعد 25 يناير عام 1992 جُرماً يُعاقِب القانون السوداني من يتبنّاه أو يدافع عنه، بل أصبح حقّاً لشعب جنوب السودان بمقتضى اتفاقٍ وقّع عليه أحد كبار المسئولين السودانيين في الدولة والحزب الحاكم والحركة الإسلامية، وتمّ التوصّل إليه في دولةٍ أوروبّيةٍ دون وسيطٍ أو طرفٍ ثالث يمكن أن يُتهم بأنه مارس ضغطاً على الطرفين، أو على أحدهما.
ولم يعد الاعتراف والتوافق على هذا الحق حكراً على الطرفين بل انتشر خبره وأنشأ سابقةً سيعتمد عليها الوسطاء بين الشمال والجنوب بعد أشهرٍ قليلة، في كل مبادراتهم القادمة، كما سنناقش في مقالاتٍ لاحقة.

17
من أين ياترى استمدّ الدكتور علي الحاج مرجعيته، ومن أعطاه التفويض والسلطة للموافقة على هذا التنازل، والعرض الكبير والخطير وغير المسبوق في تاريخ السودان، لفصيل الناصر؟
هل كان ذلك قراراً من الحكومة، أم من الحركة الإسلامية السودانية والحزب الحاكم، أم تفويضاً من الدكتور حسن الترابي الذي كان الآمر والناهي والحاكم العام الحقيقي والفعلي للسودان في ذلك الوقت؟
أم أنه كان قراراً اتخذه الدكتور علي الحاج بنفسه في فرانكفورت بعد أن رفض فصيل الناصر عرضه بالنظام الفيدرالي، وتعاملت معه الحكومة والحزب الحاكم بعد ذلك على أنه أصبح أمراً واقعاً؟

18
تشير بعض المصادر إلى أن ذلك القرار قد تم بالاتفاق بين الدكتور حسن الترابي والدكتور علي الحاج. ففي كتابٍ لأحد أعضاء الحركة الإسلامية عن تجربة الإسلاميين في الحكم في السودان، تطرّق الكاتب إلى إعلان فرانكفورت وحق تقرير المصير، وذكر أنه:
“عند عودة د. علي الحاج إلى الخرطوم، وفي اجتماع مشترك للقيادة (جرى في منزل د. الترابي)، وفي ردٍ على سؤال عن مدى التفويض الذي ناله ليقدم مثل هذا المقترح لممثل الجنوب في اللقاء، أجاب د. علي الحاج أنه تحادث مع د. الترابي (عبر الهاتف) وأنه نال مباركته على هذا الأمر – يكشف هذا بجلاء كيف أن قضية محورية لا تمسُّ السودان فحسب بل تتجاوزه إلى القارة الأفريقية جمعاء يجري تفويض شخص فيها عبر اتصال هاتفي مع آخر، بغض النظر عن الثقل الذي يمثلانه. شبّه أحد الحضور الأمر بأنه وكأنه (منزل يريدان بيعه أو ايجاره) وليس وطناً يعيش عليه ملايين من البشر.” (راجع: عبد الغني أحمد إدريس، الدعوة للديمقراطية والإصلاح السياسي في السودان – الإسلاميون: أزمة الرؤيا والقيادة (مؤسسة سنار الثقافية، لندن 2012) صفحة 95.)

19
عليه فإن مصير السودان تمّ تحديده بواسطة الدكتور علي الحاج والدكتور حسن الترابي في 25 يناير عام 1992، ومن خلال مكالمةٍ هاتفيةٍ، عندما كان الرجلان مركز الثقل للحركة الإسلامية الحاكمة في السودان. وتم تحديد مصير السودان بتلك البساطة المتناهية وكأن السودان، وكما ذكر الكاتب أعلاه، منزلٌ معروضٌ للبيع أو الإيجار بواسطة شخصين فقط.

20
حاولت الحركة الإسلامية مراراً وتكراراً التنصّل من إعلان فرانكفورت، والادعاء أن إعلان فرانكفورت لم يشمل مصطلح “حق تقرير المصير.”
وواصلت الحركة الإسلامية هذا النهج وأضافت أن التجمع الوطني الديمقراطي هو أول من أعطى شعب جنوب السودان حق تقرير المصير في مقررات أسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) في 23 يونيو عام 1995، وأن حكومة الإنقاذ لم تفعل أكثر من السير في طريق سابقة التجمع الوطني في بروتوكول مشاكوس عام 2001، واتفاقية نيفاشا عام 2005.

21
غير أن هذا الادعاء ليس صحيحاً.
فكما ناقشنا أعلاه، فقد منح إعلان فرانكفورت الذي تمّ التوقيع عليه في 25 يناير عام 1992 شعب جنوب السودان حق تقرير المصير دون أيّة اشتراطاتٍ أو تحفظاتٍ.
حدث ذلك قبل أكثر من ثلاثة أعوامٍ ونصف من قرار التجمع الوطني الديمقراطي الذي منح نفس الحق لشعب جنوب السودان في أسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) في 23 يونيو 1995.
عليه فإن الحركة الإسلامية هي أول حزبٍ شمالي، وحكومة الإنقاذ هي أول حكومةٍ في الخرطوم، تتبنّى حق تقرير المصير وتوافق عليه في اتفاقيةٍ وقّعها أحد قادتها مع حركةٍ جنوبيةٍ سياسيةٍ مسلحة.

22
لقد انتقلت الحركة الإسلامية في حوالي الثلاثة أعوامٍ من مربع رفضها القاطع لكلٍ من إعلان كوكا دام، ثم اتفاقية الميرغني قرنق التي لم تنادي بأكثر من عقد مؤتمرٍ دستوري شامل وتجميد تطبيق قوانين سبتمبر حتى انعقاد المؤتمر، انتقلت إلى مربع منح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير لأول مرةٍ في تاريخ العلاقات الشمالية الجنوبية.

23
هذا النقد للحركة الإسلامية لا يعني أن الكاتب يعتقد أن الحركة أخطأت بمنحها حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
فشعب جنوب السودان، في رأي الكاتب، له الحقُّ كاملاً بمقتضى القانون الدولي وأسس الديمقراطية والعدالة والحكم السليم في حق تقرير المصير، مثله مثل كل الشعوب المضطهدة في العالم.
بل في حقيقة الأمر أكثر من معظم هذه الشعوب، بسبب تعدّدِ سبلِ ووسائلِ اضطهادِه، وأيضاً بسبب الرفض المتواصل للقوى الشمالية لمطلب الجنوب للفيدرالية.

24
انتقادي هو في حقيقة الأمر لحالة الارتباك التي تعاملت بها الحركة الإسلامية مع هذه القضية الجوهرية منذ ظهور الحركة في الساحة السياسية عام 1964. لم يكن قرارها بمنح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير بسبب قناعتها (فجأةً) بعدالة قضية الجنوب، وأحقيّة شعبه في تقرير مصيره بنفسه.
كان السبب هو محاولة توسيع الخلاف بين جناحي الحركة الشعبية، بتبنّيها الفصيل المنشق ومنحه تلك الجائزة الكبرى لتوسيع الهوّة بينه وبين الحركة الشعبية الأم، وليقوم هذا الفصيل بمنازلة الحركة الشعبية في ميادين القتال نيابةً عنها أو مساعداً لها.

25
وقد قاد ذلك الارتباك للحركة الإسلامية، وفي حقيقة الأمر لكل الأحزاب الشمالية الأخرى جميعها (وبلا استثناء)، إلى اختيار شعب جنوب السودان مكرهاً للانفصال، والذهاب في شأنه في 9 يوليو عام 2011 (بعد حوالي العشرين عاماً من إعلان فراكفورت)، بعد استفتاءٍ أوشكت نسبة من صوتوا فيه للانفصال أن تقارب المائة في المائة.

26
كان يمكن تفادي تلك الحرب اللعينة وما نتج عنها من موتٍ (تعدّى عدد القتلى حوالي المليونين من أبناء الجنوب، ومئات الآلاف من أبناء الشمال، حسب الكثير من المصادر)، ودمارٍ وتكلفةٍ لا يدري أحدٌ كم بلغت.
وكان يمكن تفادي كارثة الانفصال الكبرى أيضاً.
كان يمكن تفادي كل ذلك باستجابة وقبول القيادات السياسية الشمالية لمطلب الفيدرالية الذي كان كل ما يودُّ القادةُ السياسيون الجنوبيون ومعظم شعبهم الوصول إليه.
لكن القوى السياسية الشمالية، منذ فترة ما قبل الاستقلال، رفضت جميعها، وبلا استثناء، وواصلت الرفض لمطلب الفيدرالية المنطقي العقلاني.

27
سوف نناقش في السلسلة الثالثة القادمة من هذه المقالات عن انفصال جنوب السودان مطلبَ الحركاتِ الجنوبية السياسية والمسلّحة منذ استقلال السودان بالنظام الفيدرالي. وسنوضّح كيف تم التعامل مع ذلك المطلب ورفضه بواسطة الأحزاب الشمالية جميعها.
وسنوضّح أيضاً كيف قاد ذلك الرفض المتواصل لمطلب الفيدرالية إلى رفع سقف مطالب أهل الجنوب، ليصل إلى مطلب حق تقرير المصير، والذي نالوه بعد كفاحٍ شاقٍ وطويل، وقاد بدوره إلى الانفصال، وذهاب ثلث البلاد وربع سكانها في شأنهم، وإلى الأبد.


  • محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.

** يعتذر الكاتب عن طول هذا المقال، فتواتر الأحداث وترابطها وتسارعها جعلت من غير المناسب (في رأي الكاتب) تجزئة المقال إلى مقالين.

Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …