عبد القادر محمد أحمد / المحامي
يبدو أن المتابعة الواسعة للقاء الأستاذة سناء حمد مع قناة الجزيرة تعود إلى الرغبة في الوقوف على اتجاه التفكير داخل تنظيمها. ففي ظل تفاقم الأزمة، واستمرار المعاناة، وانسداد أفق الحل، يصبح من الطبيعي أن يتطلع الناس إلى أي إشارة قد توحي بمراجعة محتملة أو تحول في الموقف، مهما بلغت درجة سوء الظن، خاصة تجاه طرف يُنظر إليه بوصفه جزءًا من الأزمة أو مستفيدًا من استمرارها.
غير أن تصريحاتها أعادت تدوير خطاب يتجنب الإقرار الصريح بالأخطاء، أو إعلان استعداد واضح للانخراط في مسار توافقي جاد يسهم في حل الأزمة. ومن هنا يمكن فهم الهجوم الذي تعرّضت له في شخصها بوصفه انعكاسًا للفجوة بين سقف التوقعات المشروعة ومضمون التصريحات.
لكن ما دمنا متمسكين بأن الحل الوطني الشامل هو المخرج، فلا بد من رؤية واستراتيجية مختلفتين تتجاوزان ردود الفعل الانفعالية والعواطف اللحظية. فهذه التيارات تعاني انهيارًا تنظيميًا بسبب الفشل في تحقيق الأهداف، والخوف من استحقاقات السلام، وصعوبة إدارة المشهد الداخلي المعقّد، ومواجهة الضغوط الإقليمية والدولية، لذلك تكابر وتتشبث بالبقاء.
ومهما بدت مكابرتهم مستفزة، ينبغي ألا تقود إلى اليأس، بل إلى مضاعفة الجهد السياسي والفكري لمحاصرتهم أخلاقيا ودفعهم نحو الحوار والحل الوطني. بكشف مكابرتهم وإنكارهم ما لا يمكن إنكاره، وكل ما يؤدي إلى كسر دائرة الحرب، وإنقاذ الوطن من الانهيار، وإنهاء معاناة الملايين، بعيدًا عن حسابات الحب والكراهية.
فمن صور المكابرة والإنكار، نجد سناء تعبّر عن رغبتهم في أن تقف الحرب اليوم قبل الغد، وتحمّل المسؤولية للسلطة الحاكمة باعتبار أن «الأمر ليس بيدهم». وفي المقابل، يصرّ رفيق حزبها الحاج آدم على أنهم سيستمرون في الحرب حتى لو قرر البرهان وقفها، بما يفيد أن القرار بيدهم، أو على الأقل ليس خارج نطاقهم.
ثم تُفسّر سناء هذا التباين الصارخ على أنه مجرد اختلاف في التعبير، محاولة بذلك التغطية على حقيقة إن قرار وقف الحرب أو استمرارها لا يصدر عن جهة واضحة ذات مسؤولية محددة، بل يخضع لتقديرات غامضة وإرادات غير منضبطة. وهذا يعكس خطورة بالغة في إدارة الحرب وعلى مسارها، ويهدد الدولة في وجودها.
ومن اللافت أن بعض تصريحات سناء تتناقض مع ما ورد في مقالاتها التي دعت فيها أنصار حزبها إلى الاعتراف بالأخطاء، والاعتذار، وإنهاء التمكين، وقبول التداول السلمي للسلطة، وتجديد الفكر. بل وصفت الأزمة بأنها أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
وأن الإصلاح الحقيقي يقوم على إحياء الضمير بقيم الصدق والمسؤولية والإيثار والانضباط، لا على الوعظ والتديّن الشكلي. ودعتهم إلى أن يكونوا دعاة ومصلحين قبل أن يكونوا سياسيين، وأن يغيّروا أساليبهم وينبذوا الأنانية والصراعات الداخلية ليكون «السودان أولًا».
ثم جاءت تصريحاتها الأخيرة، في خط متناقض تمامًا، لتنفي بصورة قاطعة مسؤوليتهم عما آل إليه أمر الدعم السريع، وتختزل أخطاء وانتهاكات وجرائم ثلاثين عامًا في مجرد إهمال للخدمة المدنية ومحاصصة قبلية، بل وتعتبر تجربتهم جديرة بالتقدير، وأن انفصال الجنوب كان خطوة أخلاقية شجاعة.!
قالت كل ذلك بثقة وجرأة تُحسدان عليها. ولما كنت أحد الذين أشادوا وتفاءلوا خيرًا بما جاء في تلك المقالات، رجعت إليها وتأكدت أنني لم أُخطئ في فهمها أو في نسبتها إليها.
ولا يمكن تبرير هذا التناقض بأنه محاولة لتجنيب جماعتها مغبة الاعتراف والمساءلة، لأن أحكام المحاكم لا تُستقى من المقالات والتصريحات السياسية. وحتى لو كان الأمر كذلك، فيكفي ما ورد تفصيلًا على لسان الشيخ الترابي، والعديد من التصريحات التي صدرت عن بعض أعضاء الحزب الوطني مستنكرةً الفساد والانتهاكات.
لقد أثار هذا التراجع صدمة وسؤالًا حول المصداقية، بعد أن شكّلت تلك المقالات خطوة غير مسبوقة؛ فعلى الصعيد الفردي مثّلت إعلانًا جريئًا لتوبة أخلاقية وسياسية، وعلى الصعيد الحزبي احتوت على نصائح مهمة، وعلى الصعيد العام قدّمت مدخلًا لتهيئة المناخ النفسي للحوار والحل الوطني.
إن الإقرار بالأخطاء وتحمّل المسؤولية لا يُنتزع ولا يُستجدى، بل هو التزام أخلاقي وسياسي وحق للوطن. والعودة إلى حضن الوطن لا تكون بالمكابرة والإنكار، وإنما بالاعتذار الصادق، ومحو آثار الاستبداد، ومحاسبة الجناة.
أخيرًا، جميع أحزابنا، منذ نشأتها، تتحمّل بدرجات متفاوتة مسؤولية الأخطاء والممارسات التي دفعت الوطن إلى حافة الهاوية، لكنها تكابر وتنكر وتتذرع بالتدخلات الخارجية. غير أن الأزمة السودانية جذورها داخلية، وحتى التدخلات الخارجية ليست إلا انعكاسًا طبيعيًا لتلك الجذور.
لذلك، فإن المدخل للحوار والحل الوطني يجب أن يبدأ باعتذار الجميع عما فعلوه في حق الوطن والاستعداد لتحمل الاستحقاقات.
aabdoaadvo2019@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم