بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام السياسي ….وبناء سودان جديد*
د.احمد محمد اجمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
هذا المقال تعليقا على مقال د. احمد التيجاني سيد احمد الذي ،دعا فيه كما عنون مقاله للقضاء على الاسلام السياسي، كضرورة لاقامة سودان جديد. وفي مقاله المقتضب، لم يبين ماذا يعني بالاسلام السياسي ،كما وضح المراد بالسودان الجديد،الذي يدعو اليه ،بأنه دستور وميثاق التأسيس، الذي يكريس للدولة المدنية العلمانية، وفصل الدين عن السلطة، وضمان المساواة والمساءلة.وقد ساق الكاتب ثلاثة آيات قرأنية ،زعم انها تدل على أن القرآن يعارض الوصاية على الدين والمجتمع، الذي يقود اليه الاسلام السياسي ،ومن الايات التي اوردها يتبين ضعف صلته بالنصوص القرأنية،وعدم المامه بتفسيرها.
والسؤال الذي يثار في هذا السياق هل بناء دولة جديدة يستلزم «القضاء على الإسلام السياسي»؟
ام ان هذا القول قول تبسيطي وإقصائي، و يُستعمل في الغالب كشعار سياسي أكثر منه تحليلًا علميًا.لان بناء دولة حديثة ومستقرة يستلزم:عقدًا اجتماعيًا عادلًا،وسيادة القانون،وتداول السلطة،وضمان الحقوق والحريات،واستقلال المؤسسات .ولا يستلزم بالضرورة إقصاء تيار فكري كامل ( الحركة الاسلامية)،له امتداد اجتماعي وثقافي واسع، خصوصًا إذا كان هذا التيار:متجذرًا في هوية المجتمع،ويحظى بتمثيل شعبي ،وقابلًا للتطور والمراجعة.فالدول لا تُبنى بالإقصاء، بل بإدارة التعدد وضبط الصراع. والقضاء على تيار فكري باسم “بناء الدولة”، غالبًا ما يؤدي إلى استبداد جديد،وتفريغ الدولة من الشرعية،ودفع التيار المُقصَى إلى العنف أو العمل السري.
وفيما يلي محاولة لتحليل هذه المقولة التي تبناها الكاتب، واثار بها ويثير كثير من المسلمين،ونبداْ بمحاولة تعريف مصطلح الاسلام السياسي ونرى الى اي حد لا بد من القضاء عليه من اجل اقامة دولة مدنية .فمصطلح الإسلام السياسي،يشير إلى كل محاولة لربط الإسلام (كنصوص أو قيم أو هوية)، بالفعل السياسي أو الحكم أو التشريع، وقد ظهر المصطلح بصيغته المعروفة في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم ،وداخل:مراكز البحث الغربية ودراسات الاستشراق الجديد، وأبرز من ساهموا في ترسيخه الباحث الفرنسي، جيل كيبل (Gilles Kepel) –، والمستشرق البريطاني-الامريكي بيرنارد لويس (Bernard Lewis) –،و المستشرق الفرنسي، أوليفييه روا( (Olivier Roy. وهؤلاء لم يبتدعوا الإسلام السياسي كظاهرة، بل صاغوا المصطلح لوصف الظاهرة من منظورهم. والمقصود بـ “الإسلام السياسي، لديهم ،و في الغرب عموما:استخدام الإسلام كأيديولوجيا سياسية لتنظيم المجتمع والدولة، والسعي للسلطة، أو التأثير فيها باسم الدين،أي:تحويل الإسلام من:دين وقيم وأخلاق إلى:برنامج سياسي، ومشروع دولة، وأداة تعبئة جماهيرية.وترتبط الظاهرة لدى الغربيين بالحركات الإسلامية (الإخوان المسلمون، والجماعة الإسلامية، وحزب التحرير…)،و الثورة الإيرانية، والتيارات الجهادية (لاحقًا)، وتضم أي فاعل سياسي “يتكلم باسم الإسلام . وأصحاب المصطلح (خصوصًا في الخطاب السياسي الغربي والعربي الرسمي)، يهدفون الى نزع الشرعية عن أي مشروع سياسي يستند إلى الإسلام، وحصر الإسلام في:العبادة والأخلاق الفردية وإخراجه من:المجال العام: التشريع وتصور الدولة،ولهذا يُستخدم المصطلح غالبًا مقابل:“الدولة المدنية”،“الحداثة”،العقلانية”.
ويغفل هؤلاء ان الخلافة تاريخيًا = إسلام سياسي ،وفقه الإمامة والأحكام السلطانية = إسلام سياسي ،وحتى فتاوى الطاعة والخروج = إسلام سياسي ,أي أن الإسلام لم يكن يومًا خارج السياسة.. ولكن يبدو ان الكاتب يقصد ويهدف الى المعنى الذي يقصده غالبًا أصحاب شعار “القضاء على الإسلام السياسي”، ، ويشكل ويشمل عندهم:جماعة الإخوان المسلمين،والحركات الإسلامية ذات المرجعية الشرعية ،وأي تيار يوظف الخطاب الديني في المجال العام.والمعنى المراد لا يقصد به تنظيماً بعينه بل تحييد الإسلام كمرجعية أخلاقية ناقدة للسلطةـ أي:إسكات الخطاب الديني حين ينتقد الظلم،وتجفيف أي تصور للشرعية خارج الدولة،وحصر الدين في المسجد والطقوس فقط،وهذا يتقاطع — بوضوح — مع مشروع:الدولة السلطوية، أو الدولة الأمنية،لا الدولة المدنية الديمقراطية.
والمفارقة الكبرى في هذا الطرح :أن كثيرًا ممن يطالبون بـ«القضاء على الإسلام السياسي»:لا يعارضون إسلام السلطة،ولا يعارضون فقه الطاعة،ولا يعارضون توظيف الدين لتبرير الاستبداد،بل يعارضون فقط ،الإسلام حين يكون في صف المجتمع ضد السلطة.وبهذا يكون شعار «القضاء على الإسلام السياسي» ليس شرطًا لبناء الدولة، بل غالبًا ذريعة لإعادة إنتاج الاستبداد. والمقصود غالبًا ليس تنظيمًا بعينه، بل تحييد الإسلام كفاعل أخلاقي وسياسي،والتجربة والتاريخ يثبتان ،أن الإقصاء يولّد الانفجار، لا الدولة.
إن الإسلام لم يكن مجرد دين فردي تعبدي، بل جاء بمشروع مجتمع ونظام حكم—ويدل على ذلك ما جاء من أمر الإسلام باقامة دولة ومجتمع،وهو ما ينكره رافعي شعار محاربة الاسلام السياسي كضرورة لازمة لاقامة دولة حديثة،ككاتب المقال .وبدلا من الثلاث أيات التي اوردها الكاتب من غير بيان سياقها، ومواطن دلالتها ،نسوق الادلة التالية التي تدل على مشروعية اقامة الدولة في الاسلام :
أولًا: أدلة من القرآن:
1-نجد في القرآن الكريم العديد من الايات التي تدل على البعد المجتمعي والسياسي للإسلام. وتأمر بالحكم والإحتكام الى القرآن، في شؤون الناس ومصالحهم :﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ المائدة: 49،فهذه الآية وغيرها من النصوص القرآنية تفترض:وجود سلطة تحكم،ووجود مجتمع منظّم،ووجود نظام تشريعي مُلزِم، والحكم هنا ليس وعظًا أخلاقيًا فرديًا، بل إدارة نزاعات وتنفيذ أحكام.
2- ورد في القرآن الكريم ذكر الشورى- كاحد اعمدة الاسلام كنظام حكم- في آيتين صريحتين تخاطب احداهما الرسول ، وتلزمه بالشورى 🙁 فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران: 159. والآية الثانية، قوله تعالى:( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)الشورى :38 ، التي تبين أنَّ الشورى سمة من السمات التي يتميز بها المجتمع المسلم،وصفة من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المسلمون، سواء كانوا يشكلون جماعة لم تقم لها دولة ، أم كانوا يشكلون دولة قائمة كما كان حالهم في المدينة. وقال ابن عطية في تفسير قوله تعالى:( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)الشورى :38 : ” ومدح تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم ،لأنَّ في ذلك اجتماع الكلمة والتحابب ،واتصال الأيدي والتعاضد على الخير،وفي الحديث :” ما تشاور قوم إلا هدوا لأحسن ما بحضرتهم”. وقال أيضاً في تعليقه على قوله تعالى:( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) آل عمران: 159:”والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام،ومن لا يستشير أهل العلم والدين،فعزله واجب،وهذا ما لا خلاف عليه.” ( المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز( أبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي ج 3 ص:397)
3-الايات التي تدل على التنظيم السياسي للمجتمع ، والطاعة بالمعروف لمن يتولى أمر المسلمين ويقوم على ادارة شؤؤنهم،﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ النساء: 59، ومفهوم أن أولي الأمر في هذا السياق القرآني، يستلزم وجود سلطة عامة ،وقيادة سياسية ،ونظام طاعة وتنظيم، اذ لا معنى لأولي الأمر في مجتمع بلا دولة أو حكم.
4-الايات التي توجب إقامة العدل بين الناس كوظيفة عامة،(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد:25،فتتحدث الآية عن إرسال الرسل بالبينات والكتاب والميزان لإقامة العدل، ،و(القسط)، العدل لا يُقام فرديًا فقط ـبل يحتاج: الى قضاء ،وسلطة تنفيذ،وتنظيم اجتماعي. .وقد ورد الأمر القرآني بالعدل شاملاً بحيث يصبح حالة دائمة في المجتمع الإنساني بالاضافة إلى الحكم .قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل: 90.كما أمر بالحكم بالعدل ورد الأمانات إلى أهلها: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) النساء: 58.ونص على العدل في القول: قال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الأنعام: 152.وأكد على ضرورة الالتزام بالعدل، حتى مع الأعداء،وجاء النهي بأن تكون العداوة سبباَ لميل المسلمين عن الحق أو لظلمهم لغيرهم،قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة: 8.قال ابن كثير:” لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم،بل استعملوا العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً”) تفسير القرآن العظيم ( أبو الفداء إسماعيل بن كثير ) دار المعرفة للطباعة والنشر،بيروت 1400/1980 مجلد 2 ص:30),
ثانيًا: أدلة من السنة النبوية:
1-دور الرسول ﷺ في إقامة الدولة وبناء المجتمع: يُعدّ الرسول ﷺ نموذجًا تأسيسيًا فريدًا جمع بين الوحي، والقيادة السياسية، والبناء الاجتماعي في آنٍ واحد .فالنبي ﷺ مارس الحكم فعليًا، ولم يكن مبلّغًا روحيًا فقط ،بل كان:حاكمًاـ،وقاضيًا،وقائد جيش ،ورئيس مجتمع .يفصل في الخصومات،ويعقد المعاهدات (صحيفة المدينة) ،ويفرض العقوبات ،وينظم المال العام .وهذا تطبيق عملي لفكرة الدولة. وقبل أي بناء سياسي، ركّز النبي ﷺ في مكة على بناء الإنسان، وترسيخ التوحيد وتحرير الإنسان من الخضوع لغير الله، اضافة الى بناء الضمير الأخلاقي:فدعا الى الصدق، والأمانة، والعدل، والصبر. وتكوين نواة جماعة مؤمنة واعية، قادرة على حمل مشروع حضاري.فهذا التأسيس القيمي كان شرطًا سابقًا لقيام الدولة، لا نتيجةً لها. فالرسول ﷺ:بنى الدولة من أسفل: إنسان → مجتمع → نظام ،ولم يفصل بين الدين والسياسة، ولا خلط بين الدعوة والسلطة القهرية .بل قدّم نموذج دولة قيمية مدنية، أساسها العدل والرضا والالتزام الأخلاقي.
2-. حديث الإمامة: روى ابو هريرة عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،انه قالَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وإنَّه لا نَبِيَّ بَعْدِي، وسَيَكونُ خُلَفاءُ فَيَكْثُرُونَ. قالوا: فَما تَأْمُرُنا؟ قالَ: فُوا ببَيْعَةِ الأوَّلِ فالأوَّلِ، أعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فإنَّ اللَّهَ سائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعاهُمْ. …»متفق عليه”، فلفظ تسوسهم في الحديث يعني: تدير شؤون الناس السياسة ، أي: تتولى أمورهم ،كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه، وهي بهذا المعنى رعاية وتنظيم.
3-جاءت العديد من الاحاديث تؤكد على وجوب وجود إمام للجماعة مهما كان حجمها ووظيفتها ،فقد ورد عن النبي ﷺ قوله: “إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم “،يعني أنه عند سفر ثلاثة أشخاص أو أكثر، يجب عليهم اختيار واحد منهم ليكون أميرًا عليهم، يتخذ القرارات ويُنظم شؤون السفر (كأوقات السير والمبيت) ، بهدف توحيد الكلمة، و.تجنب الخلاف، وضمان مصلحة الجماعة، ويجب طاعة هذا الأمير في أمور السفر لانتظام الرحلة ،وإذا كان التأمير مطلوبًا في السفر المؤقت ،فكيف بالمجتمع الدائم؟
ثالثًا: ورد في السيرة النبوية ما يعرف بصحيفة المدينة (التي تعتبر اول دستور) ،وقدمت من خلالها نموذج للدولة :اذ نظّمت العلاقة بين مكونات المجتمع : المسلمين، و اليهود ،والمشركين ،واوجبت على سكان المدينة الدفاع المشترك عن مدينتهم ، وأقرت مبدأ المواطنة”،وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين:كما حدّدت الحقوق والواجبات، ونظّمت الدفاع المشترك، والمرجعية القانونية التي يتحاكم اليها الجميع،وهنا يظهر النبي ﷺ رجل دولة مشرّعًا، لا مجرد قائد ديني.
رابعًا: إجماع الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ،على اختيار خليفة للمسلمين وأول ما فعله الصحابة:اختيار خليفة ،وقدّموا ذلك حتى على دفن النبي ﷺ ،مما يدل على أن:وجود السلطة السياسية ضرورة شرعية،لا مجرد خيار ثانوي.قال الجويني: ” نصب الإمام واجب بالإجماع”.
خامسًا: من سمات التشريع الاسلامي الشمولُ ، ويُقصد به القدرة على تنظيم حياة الإنسان كاملة: فردًا، وأسرةً، ومجتمعًا، ودولةً، في الدنيا والآخرة. وتتجلّى مظاهر هذا الشمول في عدّة مستويات مترابطة:
1-العقيدة والعبادة:يعمل الاسلام على ضبط علاقة الإنسان بربّه (التوحيد، الإيمان، القيم الغيبية).تنظيم العبادات: الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج… بما يحقق تزكية الفرد والانضباط الجماعي.
2- الأخلاق والسلوك: وضع الاسلام منظومة قيمية شاملة يرتبط فيها الخلق بالايمان وتتمثل في : الصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، والمسؤولية. وفي كل هذه القيم ترتبط الأخلاق بالإيمان لا بالقانون فقط، فيتحول الضبط إلى رقابة ذاتية.
3-المعاملات المالية والاقتصادية: تنظيم البيع والشراء، الديون، العقود، الملكية. تحريم الربا والغش والاحتكار، وإقرار مبدأ العدالة والتكافل (الزكاة، الوقف).والجمع بين حرية التملك والمسؤولية الاجتماعية.
4- الأسرة والأحوال الشخصية: تنظيم الزواج، الطلاق، النفقة، الميراث، الحضانة. تحقيق التوازن بين حقوق الرجل والمرأة والطفل، مع مراعاة الفطرة والواقع الاجتماعي.
5- النظام الاجتماعي: حماية الضروريات الخمس: الدين، النفس، العقل، المال، النسل. مكافحة الجريمة، وحفظ الأمن، وترسيخ التضامن الاجتماعي.
6-النظام السياسي والحكم: تقرير مبادئ عامة: العدل، الشورى، المسؤولية، عدم الطغيان.
وضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم (الطاعة بالمعروف، المحاسبة، النصيحة).
7- العلاقات الدولية: نظم الاسلام امور السلم والحرب، والمعاهدات، وحماية المدنيين، وحقوق الأسرى. وأقر مبدأ التعارف والتعايش، مع حفظ الكرامة والسيادة. وهكذا يمكن القول بان التشريع الاسلامي ،تشريع قيمي، أخلاقي، اجتماعي، سياسي، واقتصادي… ينظم الحياة لا بالزجر فقط، بل ببناء الإنسان والوعي,وكلها لا تُطبَّق بلا دولة.
سادسًا: هدفت الشريعة الاسلامية إلى بعض المقاصد التي سعت الى تحقيقها، وتنحصر تلك المقاصد ، في أنواع ثلاثة :مقاصد ضرورية، ومقاصد حاجيّة، ومقاصد تحسينية، وبيان كل منها كما يلي:
مقاصد ضرورية :وهي التي لابد منها لقيام مصالح العباد في الدين والدنيا ، وإذا فاتت اختل نظام الحياة ،وحلَّ الفساد، ، وعمّت الفوضى والاضطراب ، ولحق الناس الشقاء في الدنيا ، والعذاب في الآخرة. ويطلق على تلك الضروريات التي أوجبت الشريعة المحافظة عليها : الكُليِّات الخمسة،أو مقاصد الشريعة الخمسة, وهي : حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض ، وحفظ المال .
مقاصد حاجيّة :وهي الأمور التي يحتاجها الناس ليعيشوا في يسر وسعة، وإذا فاتتهم لم يختل نظام الحياة ،ولكن يصيب الناس ضيق وحرج ومشقة. ، ومن تلك المقاصد الحاجية التي جاءت بها الشريعة:قاعدة التيسير ورفع الحرج.
مقاصد تحسينية: وهي الأخذ بمكارم الأخلاق وبمحاسن العادات . وإذا فاتت فلا يختل نظام الحياة كما إذا فقدت الضروريات، ولا يصيب الناس حرج و لا مشقة كما إذا فقدت الحاجيات .غير أنَّ حياتهم تصير على خلاف ماتقتضيه مكارم الأخلاق والفطر السليمة. كما هو مفصل في اصول الفقه الاسلامي. و لا يمكن حفظ هذه المقاصد على مستوى المجتمع بلا:سلطة تضبط حفظها وعدالة تنفيذها،ونظام تشريعي عام يقوم بها.
وفي هذا السياق لا بد ان نفرق بين الدولة الإسلامية والدولة الدينية .فالدولة الدينية – كما عُرفت تاريخيًا في التجربة الكنسية الأوروبية – تقوم على: احتكار التأويل الديني من قبل مؤسسة كهنوتية، واعتبار الحاكم نائبًا عن الإله أو مستمدًا سلطته مباشرة من “حق إلهي”.،وعدم قابلية السلطة للمساءلة لأنها مقدسة.هذه الصيغة للحكم مرفوضة إسلاميًا نصًا وتجربة.إذ لا كهنوت في الإسلام،ولا عصمة بعد النبي ﷺ،ولا حاكم مفوض إلهيًا،وعليه فإن الدولة في الإسلام ،ليست دولة رجال دين، بل:دولة مدنية المرجعية.تقوم على:الشورى والعدل، والمسؤولية، ومحاسبة الحاكم. والحاكم فيها،أجير عند الأمة ،يُعزل ،ويُنصح ،ويُقاوَم إن ظلم.و أبو بكر رضي الله عنه يقول في النص الذي سبق ان اوردناه:” أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم” وهذا النص وحده يهدم فكرة “الدولة الدينية”.ان دولة الاسلام ليست دولة ثيوقراطية، وليس الاسلام مجرد وعظ فردي منزوع السياسة،بل:منظومة قيم ومعايير تضبط المجال العام ،وتُركت آليات التنفيذ فيها لاجتهاد البشر. فالدولة الاسلامية دولة مدنية… بمرجعية قيمية إسلامية،لا كهنوت فيها ولا استبداد باسم الدين.
ومن هنا يتبين خطل رافعي شعار محاربة الاسلام السياسي بحجة ما راوه من تجارب فاشلة ونمازج مشوهة لتطبيق الاسلام ، فما وقع تحت هذا المصطلح منسوبا للإسلام، او بعض المسلمين من أخطاء وانحرافات،لا ينبغي ان تنسب للاسلام ،بل تنسب لمن صدرت منه ؛ فالأشخاص يخطئون، وقد ينحرفون، وقد يقصر فهمهم أو يقل علمهم، بل قد يسوء قصدهم، فهم بشر، وكل ذلك قد يحدث من المسلمين او من غيرهم افرادا وجماعات ودول،ومن ثم لا يجوز أن يُنسب شيء من ذلك إلى الإسلام، بل تكون النسبة إلى الأشخاص او الدول او المجتمعات او الجماعات المعينة وليس إلى الدين، وأحسب أن هذا ظاهر. ولكن كثيرا ممن يعادون الاسلام و المسلمين يتعامون عن هذه الحقيقة، ويطعنون في التجارب الاسلامية، ويحملون اخطاء من قاموا بها للاسلام .وهذا ظلم للاسلام ،يريدون بذلك ان يطفئوا نور الاسلام ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون،ومن تبعهم. والله الهادي الى سواء السبيل.
ahmedm.alglai@gmail.com
د. احمد محمد احمد الجلي
الخميس/12 رَجب 1447 هـ
الموافق:1/ياناير/2026م
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم