الإنفاق على المُرونة… لا على الكوارث: السودان يسير عكس اتجاه العالم

كتب د.محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com
الإنفاق على المُرونة… لا على الكوارث: السودان يسير عكس اتجاه العالم

في الثالث عشر من أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للحد من مخاطر الكوارث، الذي أقرّته الأمم المتحدة لتذكير الدول والمجتمعات بأن مواجهة الكوارث لا تبدأ بعد وقوعها، وإنما عبر التخطيط والاستثمار في المرونة. وقد اختارت المنظمة هذا العام شعاراً بالغ الدلالة: “الإنفاق على المرونة… لا على الكوارث” (Fund Resilience, Not Disasters). ذلك أن الاستثمار في الوقاية يحوي في ذاته جدوى اقتصادية مدعومة بالأدلة. إذ يُقدّر البنك الدولي أن كل دولار يُستثمر في الوقاية من الكوارث والمرونة يجنب إنفاق أربعة دولارات في الاستجابة والتعافي.
وقد أدركت دول كثيرة أن التنمية التي لا تتضمن مبدأ الحد من مخاطر الكوارث، تخلق مخاطر كارثية تصعب السيطرة عليها مستقبلاً. ولهذا تتجه الأمم إلى التحول من “اقتصاد الإنقاذ” إلى “اقتصاد المرونة”، أي من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي الواعي بالمخاطر (Risk-informed development).
في الوقت الذي يمضي فيه العالم بهذا الاتجاه العقلاني، فإن السودان يسير — للأسف — في الاتجاه المعاكس. فالحرب الدائرة منذ عام 2023 ليست فقط مأساة إنسانية، بل هي نقطة انهيار كبرى لمنظومة المرونة الوطنية. لقد تحولت الموارد الشحيحة إلى وقود للحرب، وتلاشت شبكات الخدمات، وتراجعت مؤشرات التعليم والصحة والأمن الغذائي إلى مستويات غير مسبوقة.
ولا ينفصل عن هذا الإنهيار عن تجاهل تطبيق الاستراتيجية القومية للحد من مخاطر الكوارث، التي أُعدّت بجهد مشترك بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP والحكومة السودانية خلال الفترة (2016- 2020). لقد استثمر البرنامج مالاً وجهداً كبيرين في مساعدة السودان على بناء مرونته المؤسسية، من خلال إعداد هذه الاستراتيجية، التي تمثل المدخل الطبيعي لتنفيذ التزامات البلاد ضمن إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث (2015- 2030) في الغاية الخامسة منه والتي تنص على (زيادة الدول التي تمتلك استراتيجية للحد من مخاطر الكوارث بحلول 2030) ، فبدل أن تُفعّل، انتهت إلى الأدراج حيث العُثّ والأرضة والنسيان، فتبددت فرصة ثمينة لبناء نظام وطني قادر على التنسيق والاستباق. والعلاج يبدأ من إعادة إحياء هذه الاستراتيجية وتنقيتها وتطويرها، والعمل بها، وتمكين المؤسسات المعنية بتنفيذها، وإدماجها في صميم سياسات الدولة. وهكذا ظلّ السودان — رغم امتلاكه الوثيقة — من دون رؤية فاعلة لإدارة المخاطر، فزاد الإنفاق على الكوارث وتراجع الاستثمار في الوقاية.
وفي هذا الصدد يمكن مقارنة السودان بدولتين من العالم الثالث هما الهند ورواندا. فالهند قد ضاعفت إنفاقها على بناء المرونة من 28 مليار دولار إلى أكثر من 42 مليار دولار ضمن نظام وطني متكامل لإدارة مخاطر الكوارث، بينما تبنّت رواندا نهجاً تنموياً أخضر يربط بين النمو الاقتصادي والاستدامة عبر استراتيجية وطنية للتمويل المراعي للمخاطر. فإذا كان ما قامت به الهند بعيد المنال عن السودان، فإن ما فعلته رواندا – القريبة جغرافياً والناجحة تنموياً – لا يحتاج سوى إعمال العقل، لا أكثر.
ويمكن رصد عجز السودان عن إدراك المخاطر في قضيتين مهمتين: الأولى تشكل أحد أهم المجالات التي تدر أموالاً عليه وهو ما يصر الكاتب على تسميته ب (التعدين العشوائي للذهب)، الذي انتشر بلا ضوابط بيئية أو صحية، فهو كنشاط اقتصادي منظور له من وجهة نظر الحد من مخاطر الكوارث لا يُعتبر نشاطاً اقتصادياً عابراً، بل قنبلة بيئية مؤجلة ستنفجر في وجه الأجيال اللاحقة، مخلِّفة تلوثاً للمياه الجارية والجوفية، وتدهوراً للتربة، وأمراضاً مزمنة للسكان. إنها، بلا مبالغة، أسوأ ممارسة تخريبية عرفها السودان في تاريخه الحديث، لأنها تُتلف رأس المال الطبيعي الذي يمثل أساس أي مرونة مستقبلية.
القضية الثانية من الغفلة ترتبط بموقف السودان الرسمي من السد الإثيوبي، فهو كمشروع تنموي يمكن وصفه بأنه “أعمى عن المخاطر” (Risk blind) بالنسبة للسودان. وهنا الكاتب لا يتحدث عن السد كمنشأة تنموية إثيوبية، وإنما على أثره على السودان بغياب القراءة الحقيقية لمخاطره، والاكتفاء بوعود “الكهرباء الرخيصة” و”تنظيم النهر”، بينما تتكشف تباعاً آثاره على سائر النظم الإيكولوجية لمجتمع أسفل النهر بمستويات مخاطر متعددة وغير مقبولة. إن العمى هنا مزدوج: فهو أعمى من المخاطر لأن من أنشأه ليس معنياً بما يترتب عليه من مخاطر على دولة أخرى. كما أنه يتسم بـ “العمه” من جانب متخذ القرار السوداني لأنه لم يعبأ بتضمين رؤية المخاطر في اتخاذ الموقف من السد وأخذ يركض ركضاً لاهثاً طرِباً وراء منافع موعودة غير محسوبة في جدول تقدير المخاطر.
على عموم الأمر، بالعودة لموضوع الاحتفاء باليوم العالمي للحد من مخاطر الكوارث يكون من الضروري التذكير بأنه عندما تنفق الدولة على الحرب أكثر مما تنفق على التعليم، ويتم الصمت عن تدمير البيئة مقابل بعض العائد السريع، وحينما يتم انتظار الكارثة كي يتم التحرك، تكون النتيجة عكس توجه العالم: الإنفاق على خلق الكوارث لا على المرونة. إن المرونة Resilience ليست مجرد بنى تحتية قوية، بل هي قدرة المجتمع على التكيف والتعلّم واستبصار المخاطر قبل أن تقع. هي وعي جمعي، وإدارة رشيدة، وشفافية في القرار.
إن السودان بحاجة إلى يقظة عامة تجعل من إدارة المخاطر جزءاً من هوية الدولة، لا مجرد مشروع طارئ ينتظر تمويلاً من الخارج.
لذلك يمكن النظر إلى أهمية هذا اليوم بأنه ليس ترفاً، ولا مجرد احتفالية يلتقي فيها السُمار ثم سرعان ما يتفرقوا، وإنما هو عمل يدأب في تحقيقه الجميع والتزام أخلاقي تجاه العباد ورب العباد الذي استخلف الإنسان على الأرض بغية استعمارها والاستفادة من عوائد ذلك الاستعمار للرفاه الاجتماعي والاقتصادي. وضرورة أخلاقية بترك الواقع قابل للعيش في المستقبل. فحين تختار الدول أن تنفق على المرونة، فهي تختار أن تحيا، وحين تختار أن تنفق على الكوارث، فهي — في الحقيقة — تختار أن تموت ببطء.
مهما يكن من شئ فإنه لا يزال في الوسع التحرك لإعادة تعريف الأولويات. فالكوارث التي حاقت بالسودان منذ العام ٢٠٢٣م كفيلة بأن تنقل الخطاب من “إعادة البناء بعد الدمار” إلى “منع الدمار قبل أن يقع”، والإيمان بأن بناء المرونة هي دعوة للانتفاض ضد الغفلة والعمه، وإدراك المستقبل بما ينفع الناس، لا توريثهم مصائب كان من السهولة تفاديها.
د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …