الاحتكار بين الداخل والخارج: قراءة في ثمن اللامساواة وركل السلم

منبر بنيان: مقالات من بطون كتب
من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
مقدمة

لم يعد الاحتكار في عصرنا الراهن مجرد مسألة اقتصادية تتعلق بتكدس السلع أو سيطرة الشركات الكبرى على الأسواق، بل أصبح آلية هيمنة متعددة الأبعاد: اقتصادية، سياسية، واجتماعية. وفي دول العالم الثالث، يتخذ الاحتكار شكلًا مزدوجًا:

احتكار داخلي: تتحكم فيه نخب اقتصادية أو سياسية محدودة بالموارد الحيوية والقطاعات الاستراتيجية.

واحتكار خارجي: تمارسه القوى الاقتصادية الكبرى عبر أدوات العولمة، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الدولية.

والنتيجة هي مزيج قاتل: تضخم متزايد، ضعف القدرة الشرائية، تبعية اقتصادية، وتراجع فرص التنمية المستقلة.،،،، هنا تبرز قيمة كتابين متكاملين: “ثمن اللامساواة” لجوزيف ستيغلتز، و“ركل السلم” لها-جون تشانغ. ،،،،،،،،،،،،،الأول يفسر آليات الاحتكار داخليًا في الاقتصادات المتقدمة، والثاني يكشف كيف يمارس النظام العالمي احتكارًا متعمدًا يعيق نهوض العالم الثالث.

المؤلفان في سطور

جوزيف ستيغلتز: اقتصادي أمريكي بارز، حائز على جائزة نوبل (2001). تولى رئاسة مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وكان كبير الاقتصاديين في البنك الدولي. عرف بانتقاداته الحادة لهيمنة الشركات الكبرى وللسياسات التي تكرس اللامساواة داخل المجتمعات الرأسمالية.

ها-جون تشانغ: اقتصادي كوري جنوبي وأستاذ بجامعة كامبريدج. برز كأحد الأصوات المناهضة للعولمة غير العادلة. في كتابه “ركل السلم” أوضح كيف أن الدول المتقدمة بنت قوتها عبر سياسات حمائية صارمة، ثم منعت الدول النامية من استخدام السياسات نفسها، لتبقى خاضعة لاحتكار عالمي مستمر.

الاحتكار الداخلي: قراءة من منظور ستيغلتز

يرى ستيغلتز أن الاحتكار داخل الاقتصاد الحديث ليس مجرد عَرَض جانبي، بل هو نتاج طبيعي لتحالف المال والسياسة. فالشركات الكبرى لا تكتفي بجني الأرباح من السوق، بل تسعى إلى تشكيل القوانين والأنظمة بما يحفظ هيمنتها.

في كتابه “ثمن اللامساواة” يوضح:

كيف يؤدي تركّز السلطة الاقتصادية إلى تحكم القلة في مسار التشريعات.

كيف ينتج عن ذلك تضخم الأسعار، احتكار الخدمات الأساسية، وتآكل الطبقة الوسطى.

في العالم الثالث، يتجلى ذلك في سيطرة مجموعات محدودة على الغذاء، الدواء، الطاقة، والعقارات، مما يفاقم التضخم ويضغط على معاش الناس.

بكلمات أخرى: الاحتكار الداخلي لا يقتل المنافسة فقط، بل يكرس الاستغلال ويمنع الحراك الاجتماعي.

الاحتكار الخارجي: قراءة من منظور تشانغ

أما ها-جون تشانغ فيضع إصبعه على مكمن آخر: النظام الاقتصادي العالمي الذي تم تصميمه بما يخدم مصالح الدول الغنية.

في كتابه”ركل السلم” يشرح كيف أن:

الدول الصناعية الكبرى (أمريكا، بريطانيا، ألمانيا) اعتمدت سياسات حمائية صارمة عندما كانت في طور النمو.

لكنها بعد أن بلغت القمة، فرضت عبر المؤسسات الدولية (كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي) سياسات “تحرير السوق” على الدول النامية.

النتيجة: حرمان الدول النامية من الأدوات نفسها التي استخدمتها الدول الغنية للصعود.

إذن، الاحتكار الخارجي يمارس عبر التجارة، براءات الاختراع، والتحكم في الموارد الطبيعية. وهو ما يفسر لماذا تبقى الدول النامية عالقة في حلقة التبعية، رغم ثرواتها الطبيعية.

التلاقي بين الاحتكارين

عندما نجمع أطروحتَي ستيغلتز وتشانغ، نرى صورة أوضح:

الاحتكار الداخلي يجعل الدول النامية ضعيفة من الداخل، عاجزة عن مواجهة الأزمات الاقتصادية.

الاحتكار الخارجي يستغل هذه الهشاشة لفرض التبعية والسيطرة.

وهكذا يجد العالم الثالث نفسه في مواجهة احتكار مزدوج:

داخليًا: تستفيد منه النخب المحلية.

خارجيًا: تستفيد منه القوى الكبرى.
أما النتيجة المباشرة فهي تضخم أسعار، شُحّ في فرص العمل، واتساع هوة اللامساواة.

اقتباسات مختارة

،،ستيغلتز جوزيف،،،،،،،،،،الاحتكار لا يقتل المنافسه فقط بل يقتل الأمل في عداله اقتصاديه

ها-جون تشانغ: “الغرب صعد باستخدام سياسات حمائية، ثم ركل السلم حتى لا تتبعه بقية الدول.”

ستيغلتز: “حين تسيطر القلة على الاقتصاد، فإنهم يسيطرون على السياسة أيضًا، ويصوغونها بما يخدم مصالحهم.”

تشانغ: “التنمية ليست صدفة تاريخية، بل نتاج سياسات محكمة؛ وما يُفرض على الدول النامية اليوم هو وصفة للإبقاء عليها في المؤخرة.”

خاتمة

تكشف لنا قراءة “ثمن اللامساواة” و“ركل السلم” أن الاحتكار ليس مجرد خلل اقتصادي، بل منظومة متكاملة تُبقي الثروة مركّزة، والسلطة محتكرة، والتنمية محاصرة.

ولكي تكسر دول العالم الثالث هذا الطوق، فهي بحاجة إلى:

داخليًا: كسر هيمنة النخب الاقتصادية والاحتكارات المحلية عبر قوانين عادلة، ضرائب تصاعدية، ودعم المنافسة.

خارجيًا: بناء تحالفات جنوب–جنوب، وتبني سياسات تتيح حماية الصناعات الناشئة بدلًا من الانصياع الكامل لشروط السوق العالمية.

الرسالة الجوهرية: لا نهضة حقيقية دون مواجهة الاحتكار بجميع صوره، الداخلية والخارجية.

ونخلص الي اننا في هذا المقال نكون قد جمعنا بين رؤية ناقد من العالم الأول (ستيغلتز) ورؤية واقعية من العالم الثالث (تشانغ)، لنكشف كيف يعمل الاحتكار كآلية مزدوجة تقوض التنمية وتفاقم التضخم ومعاناة الناس.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

تقلبات أسعار النفط… من يحرك البرميل؟

منبر بنيان مقالات من نبض الواقع، ،بمرجعيه بطون كتبليس النفط مجرد سلعة.إنه عصب صناعي، ورافعة …