اعداد
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
الحلقة (5)
الاختبارات في السودان
ديباجة
تحتل الاختبارات المدرسية في السودان المعاصر مكانة مركزية وذات تأثير بالغ في النظام التعليمي الوطني. فهي ليست مجرد أدوات لقياس التحصيل الأكاديمي، بل تعمل أيضًا كآليات تُشكّل ممارسات التدريس، وتحدد الفرص المستقبلية للطلاب، وتعكس الواقعين الاجتماعي والسياسي على حد سواء. وفي السنوات الأخيرة، واجه نظام الاختبارات في السودان تحديات هيكلية مستمرة إلى جانب تحولات ناشئة، خاصة في ظل عدم الاستقرار السياسي، والقيود الاقتصادية، ومحاولات الإصلاح التعليمي.
الاختبارات المدرسية الحديثة في السودان
اختبار الشهادة الثانوية السودانية من صميم نظم الاختبارات السوداني، ويُعقد في نهاية مرحلة التعليم الثانوي. ويُعدّ هذا الاختبار عالي المخاطر high-stake examination ، إذ يحدد إلى حد كبير فرص الطلاب في الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي. وغالبًا ما يكون الأداء في هذا الاختبار هو المعيار الوحيد للقبول الجامعي، مما يجعله من أكثر التقييمات الأكاديمية تأثيرًا في حياة الطالب. ونتيجة لذلك، يُحدث الاختبار أثرًا ارتداديًا قويًا (Washback) على عمليتي التعليم والتعلم، حيث يركز المعلمون بشكل متزايد على إعداد الطلاب وفقًا لنمط ومحتوى الاختبار، أحيانًا على حساب الأهداف التعليمية الأوسع مثل التفكير النقدي، والإبداع، والتعلم المستقل.
وفي السودان الحديث، تميل الاختبارات إلى التركيز على التقويم الختامي (Summative Assessment). إذ تهيمن اختبارات نهاية الفصل ونهاية العام على عملية التقييم في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي. وعلى الرغم من الاعتراف الرسمي بأهمية التقويم المستمر، إلا أن تطبيقه لا يتم بصورة منتظمة، وذلك بسبب كثافة الفصول الدراسية، وقلة الموارد، وضعف تدريب المعلمين. ونتيجة لذلك، يعيش العديد من الطلاب تجربة تعليمية قائمة على الحفظ والاسترجاع، مدفوعة بالحاجة إلى النجاح في الاختبارات التحريرية، بدلًا من تنمية الفهم العميق.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الاختبارات المدرسية في السودان اليوم قضية العدالة التعليمية. فهناك تفاوتات واضحة بين المدارس الحضرية والريفية، وكذلك بين المؤسسات الحكومية والخاصة. حيث يتمتع طلاب المدارس الحضرية المجهزة بإمكانيات أفضل بفرص أكبر للوصول إلى معلمين مؤهلين ومواد تعليمية إضافية ودروس خصوصية، مما يعزز فرص نجاحهم في الاختبارات الوطنية. في المقابل، يعاني طلاب المناطق الريفية أو المتأثرة بالنزاعات من نقص في المعلمين، واكتظاظ الفصول، وانقطاع العملية التعليمية. وتنعكس هذه الفوارق في نتائج الاختبارات، مما يثير تساؤلات حول العدالة وتكافؤ الفرص.
كما كان لعدم الاستقرار السياسي تأثير عميق على نظام الاختبارات. ففي السنوات الأخيرة، أدت فترات النزاع والاضطرابات إلى تأجيل أو تعطيل الاختبارات الوطنية. وأُغلقت المدارس لفترات طويلة، واضطر الطلاب إلى الاستعداد للاختبارات في ظروف بالغة الصعوبة. وفي بعض الحالات، تم اعتماد ترتيبات بديلة، لكنها غالبًا ما تفتقر إلى الاتساق والمعايير الموحدة، مما قد يؤثر سلبًا على مصداقية نظام التقييم.
وتُعدّ قضية أمن الاختبارات ونزاهتها من التحديات المهمة كذلك. فمثل العديد من أنظمة الاختبارات عالية المخاطر في العالم، واجه السودان حالات من تسريب الاختبارات والممارسات غير المشروعة. وقد أسهم الانتشار الواسع لتقنيات الاتصال الرقمية في زيادة صعوبة التحكم في تداول أوراق الاختبارات. واستجابة لذلك، اتخذت السلطات إجراءات أكثر صرامة، مثل تقييد الوصول إلى الإنترنت خلال فترات الاختبارات وزيادة الرقابة. ورغم أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية نزاهة الاختبارات، فإنها تعكس أيضًا التوتر القائم بين التقدم التكنولوجي ومتطلبات ضبط الاختبارات.
وعلى الرغم من هذه التحديات، فقد ظهرت محاولات لإصلاح وتحديث نظام الاختبارات. فقد أدرك صناع السياسات التعليمية والخبراء الحاجة إلى تجاوز أساليب التقييم التقليدية القائمة على الحفظ، والاتجاه نحو أشكال أكثر شمولًا من التقويم. وتشمل المقترحات دمج التقويم المستمر، والتقييم القائم على المشاريع، والتقويم المعتمد على الكفاءات. وتهدف هذه الأساليب إلى قياس نطاق أوسع من المهارات، مثل حل المشكلات، والتواصل، وتطبيق المعرفة عمليًا.
كما بدأ دور التكنولوجيا يظهر تدريجيًا في تشكيل الاختبارات الحديثة في السودان، وإن كان ذلك بشكل غير متوازن. فقد قامت بعض المدارس الخاصة والمؤسسات الحضرية بتجربة منصات التعلم الرقمي والاختبارات المحوسبة. غير أن التوسع في هذه الابتكارات يواجه عوائق مثل ضعف البنية التحتية، وعدم استقرار التيار الكهربائي، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الأدوات الرقمية. ومن ثم، فإن سد الفجوة الرقمية digital gap يُعدّ أمرًا ضروريًا لضمان أن تسهم التكنولوجيا في تقليل الفوارق لا في تعميقها.
وتُعدّ كفاءة المعلمين عاملًا حاسمًا في فاعلية نظام الاختبارات الحديث. إذ يحتاج العديد من المعلمين في السودان إلى مزيد من التدريب في مجال ثقافة التقويم، بما في ذلك تصميم اختبارات تتسم بالصدق والثبات، وتطبيق التقويم المستمر، وتحليل نتائج الاختبارات لتحسين التدريس. لذلك، تُعدّ برامج التنمية المهنية ضرورية لمواءمة الممارسات الصفية مع مبادئ التقويم الحديثة.
وأخيرًا، تظل لغة الاختبار قضية مهمة. فالسودان بلد متعدد اللغات، ومع ذلك تُجرى الاختبارات الرسمية غالبًا باللغة العربية (وأحيانًا يكون باللغة الإنجليزية في بعض المواد). وقد يشكل ذلك تحديًا إضافيًا للطلاب الذين تختلف لغتهم الأم عن لغة التدريس، مما قد يؤثر في أدائهم بغض النظر عن مستواهم المعرفي الحقيقي. ومن هنا، فإن معالجة قضايا اللغة في التقويم تُعدّ ضرورية لتحقيق الشمول والعدالة.
وأخيرا، نجد ان الاختبارات المدرسية في السودان المعاصر تتسم بكونها عالية المخاطر، وذات تأثير قوي على التعليم والتعلم، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالظروف الاجتماعية والسياسية. ورغم أنها تؤدي دورًا مهمًا في توثيق التحصيل وتنظيم الالتحاق بالتعليم العالي، فإنها تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالعدالة، والنزاهة،. وتشير جهود الإصلاح الجارية إلى الحاجة إلى نظام تقويم أكثر توازنًا وشمولًا، لا يقتصر على قياس مخرجات التعلم فحسب، بل يدعم أيضًا تنمية تعليمية عادلة وذات معنى.
أسس جديدة لمنح شهادة التعليم العام والشهادة السودانية
الجدير بالذكر ان الباحث قدم مقالا نشر في (مجلة القلزم للدراسات التربوية والنفسية واللغوية – العدد الثاني عشر (مزدوج) – صفر 1444هـ -سبتمبر2022م، بعنوان (شهادات التعليم العام في السودان بين الجرح والتعديل: مشروع لإعادة صياغة الشهادة السودانية). وقد كان أصل العنوان (الشــهادة المدرسية الســودانية شــهادة زور ممهــورة بختــم الدولــة وسنورد ملخصا لنتاج الدراسة في السطور التالية على أمل ان نستعرض البحث كاملاً في فرضة لاحقة.
مستخلص: شهادات التعليم العام في السودان بين الجرح والتعديل: مشروع لإعادة صياغة الشهادة السودانية)
تهدف هذه الدراسة إلى وضع أسس جديدة لمنح شهادة التعليم العام والشهادة السودانية، كشهادات نقل عادية تُمنح في الظروف الطبيعية في المؤسسة التربوية، التي ينتمي إليها الدارس، بنهاية إكمال المرحلة المعنية. يرى الباحث أن الشهادة السودانية بصورتها الحالية شهادة زور ممهورة رسميًا بختم الدولة، بدءًا من وزارة التربية والتعليم التي تمنح هذه الشهادة، وانتهاءً بوزارة الخارجية التي تصادق على صحة توقيع من أصدر هذه الشهادة. تقترح هذه الدراسة منح شهادة المرحلة الثانوية بنهاية الاختبار النهائي بالمستوى الثالث من ذات المدرسة، مع تفصيل نتائج التحصيل بالنسبة المئوية. وعليه نقترح إلغاء الاختبارات القومية للشهادة السودانية لأسباب عديدة منها: تفشي ظاهرة الغش الذي يمارسه الطلاب بالعديد من الحيل القديمة والحديثة، بمساعدة بعض المعلمين والمدراء فاقدي الضمير. كذلك تفشت ظاهرة تسرب وتسريب الاختبارات، وكلاهما سببان وجيهان يقدحان في نزاهة الاختبارات القومية في السودان. علاوة على تأثير المعالجات الإحصائية وعمليات التجميل (الديكور) التي تضخم الدرجات بغير حق، فتثير الريبة في صدق الدرجات التي تُمنح لهؤلاء الدارسين، مما أدى إلى أن يتشكك الطلاب أنفسهم في نزاهة الشهادة السودانية بصورتها الحالية. سيؤدي إلغاء الشهادة السودانية إلى أن تتبنى الجامعات السودانية أسسًا جديدة للقبول حسب متطلبات الجامعة المعنية اسوة بالكليات العسكرية في السودان، مما سيساعد الجامعات في استيعاب طلاب مستوفين للشروط، يستطيعون الاستمرار في دراستهم الجامعية من غير تعثر، ويقلل بالتالي من نسبة الفاقد التربوي بالجامعات. كما يساعد هذا الأسلوب الجديد في التوزيع العادل (للذكاء) في السودان على مستوى الأقاليم، إذ لن تستأثر الجامعات القومية وحدها في العاصمة بالمتفوقين، بل سينال كل إقليم حظه من (كوتة) الطلاب المتفوقين علميًا. وبما أن الجامعات ستعدل من استراتيجيات القبول بأسس خالية من الفساد، فإن ذلك سيؤثر على الأداء في (التعليم والتعلم) في المدارس الثانوية الخاصة والعامة على السواء، بحيث يأخذ طابعًا جديًا، ويكون التدريس من أجل التحصيل العلمي، وليس التدريس من أجل الجلوس للاختبار كما هو الحال الآن. إن إلغاء اختبارات الشهادة السودانية سيوفر ما يعادل عشرات المرات من ميزانية التربية والتعليم السنوية من المال العام، ليُستخدم في تحسين البيئة المدرسية، وتدريب المعلمين، وكذلك تحسين شروط خدمة المعلمين، مما سينعكس إيجابًا على خلق بيئة مدرسية صحية جاذبة للطلاب والمعلمين. يتبع>>>
aahmedgumaa@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم