د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يرى المقال أن الاعتذار السياسي في السودان ليس مجرد تعبير أخلاقي عن الندم، بل أداة لمراجعة تاريخ الدولة السودانية ومسؤولية القوى السياسية عن الانقلابات والحروب الأهلية وسياسات الإقصاء والتهميش. ويؤكد أن بناء مصالحة وطنية حقيقية يقتضي انتقال الأحزاب من ثقافة الزعامة والمساومات إلى ثقافة البرامج والمساءلة، بحيث يصبح الاعتذار مدخلًا للاعتراف بالأخطاء وإصلاح آثارها بدل أن يكون وسيلة لإعادة إنتاج النخب والأزمات.
ويؤسس المقال لمشروعية الاعتذار السياسي باعتباره واجبًا عندما تكون الأحزاب قد ساهمت في تقويض الديمقراطية أو دعم الانقلابات أو التكيف معها أو إدامة الحروب أو تجاهل قضايا الأقاليم المهمشة أو تعطيل العدالة. ويرى أن الاعتذار في هذه الحالات يمثل اعترافًا بالمسؤولية السياسية والأخلاقية عن مسار الأزمة السودانية، وليس مجرد موقف رمزي.
ويبين أن صورة الاعتذار لا تقل أهمية عن مشروعيته، إذ إن البيانات العامة أو اللغة المبهمة أو تحميل المسؤولية للظروف لا تحقق الغرض المطلوب. فالاعتذار الحقيقي يجب أن يحدد الوقائع والأطراف المتضررة والمسؤوليات المباشرة، خاصة في المحطات المفصلية مثل انقلاب 1958، وثورة أكتوبر 1964، وتعديل ترتيبات مجلس السيادة عام 1965، وانقلاب مايو 1969، وانقلاب 1971، وانقلاب 1989، وحرب 2023، لأن هذه الأحداث شكلت منعطفات تأسيسية في تطور الأزمة السودانية.
ويصنف المقال المسؤوليات السياسية إلى أربعة أنماط رئيسية: مسؤولية تقويض النظام الديمقراطي عبر قبول الانقلابات أو التكيف معها، ومسؤولية إدامة الحروب أو تبريرها، ومسؤولية إغفال قضايا الهامش وتأجيل معالجتها، ومسؤولية إعادة إنتاج الدولة المركزية من خلال التسويات والمحاصصات السياسية، مع التأكيد على أن هذه الأنواع من المسؤوليات تتفاوت بين الأحزاب لكنها جميعًا أسهمت في إضعاف الدولة الوطنية.
ويرى أن حزب الأمة القومي يتحمل مسؤولية تاريخية عن موقفه من انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958 وما ترتب عليه من إنهاء التجربة الديمقراطية الوليدة، إضافة إلى ضعف مقاومته للحكم العسكري وعجزه عن تبني مشروع وطني شامل لمعالجة قضايا الجنوب ثم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. كما ينتقد لجوء الحزب إلى التسويات التي فضلت الاستقرار بين النخب على العدالة الوطنية، ويعتبر أن الاعتذار المطلوب منه ينبغي أن يعترف بهذه الإخفاقات دون إنكار دوره التاريخي.
ويحمل الحزب الاتحادي الديمقراطي مسؤولية مزدوجة تتمثل في التكيف مع نظام الإنقاذ في مراحله المتأخرة، وفي تعديل ترتيبات مجلس السيادة عام 1965 بما أدى إلى تحويل رئاسة المجلس من صيغة دورية إلى رئاسة دائمة لإسماعيل الأزهري، وهو ما اعتبره المقال إخلالًا بروح المرحلة الانتقالية بعد ثورة أكتوبر. كما يدعو الحزب إلى الاعتذار عن تقصيره في تبني مواقف أكثر وضوحًا تجاه الحرب وقضايا الأقاليم المهمشة.
ويطالب الحزب الشيوعي السوداني بالاعتذار عن دعمه أو مشاركته السياسية في انقلاب مايو 1969 وقيامه بانقلاب يوليو 1971، باعتبار أن الرهان على المؤسسة العسكرية أفضى إلى ترسيخ الاستبداد بدل تحقيق التحول الديمقراطي. كما يدعوه إلى مراجعة موقفه خلال ثورة أكتوبر 1964، وخاصة مشاركته ضمن جبهة الهيئات التي لم تتضمن وثيقتها التأسيسية معالجة واضحة لقضية جنوب السودان، وهو ما يعده المقال إغفالًا مبكرًا لقلب الأزمة الوطنية.
ويعتبر أن الجبهة الإسلامية القومية تتحمل المسؤولية الأكبر لأنها خططت لانقلاب 1989 وأقامت نظامًا قائمًا على التمكين السياسي وعسكرة الدولة وتوظيف الدين في الصراع السياسي، وأسهمت في استمرار الحروب والانقسام وانفصال جنوب السودان وتهيئة البيئة التي انتهت إلى حرب 2023. ولذلك يرى أن الاعتذار المطلوب منها يجب أن يشمل الاعتراف بالانقلاب وسياسات التمكين وإضعاف الدولة المدنية وإنتاج البيئة الميليشياوية، وأن أي مصالحة لا تبدأ بهذا الاعتراف تظل فاقدة للمصداقية.
ويتناول المقال بصورة خاصة قضية مجلس السيادة بعد ثورة أكتوبر، موضحًا أن المجلس تأسس بصيغة جماعية تقوم على تداول الرئاسة بين أعضائه، ثم عُدلت هذه الصيغة عام 1965 ليصبح إسماعيل الأزهري رئيسًا دائمًا للمجلس. ويرى أن هذا التحول جسد نزعة النخب إلى احتكار رمزية الدولة، ولذلك يدعو حزبي الأمة والاتحادي إلى الاعتذار عن الإخلال بمبدأ التداول الرمزي في تلك المرحلة.
كما يناقش مسؤولية جبهة الهيئات والأحزاب المشاركة في ثورة أكتوبر عن عدم تضمين ميثاق الثورة نصًا واضحًا يعالج قضية جنوب السودان، معتبرًا أن هذا الإغفال يعكس استمرار الرؤية المركزية للدولة حتى داخل القوى المعارضة، وأن الاعتذار عن هذا التقصير ضروري لأنه يكشف محدودية المشروع الوطني في تلك اللحظة التاريخية.
ويعيد المقال التأكيد على أن الاعتذار السياسي لا يكون ذا قيمة إلا إذا ارتبط بفعل تاريخي محدد، وصدر عن الجهة المسؤولة، وتضمن اعترافًا واضحًا بالنتائج والتزامات عملية للإصلاح. أما الاعتذار الذي يكتفي بالشعارات أو الصياغات العامة أو المناورات الأخلاقية فإنه يتحول إلى ممارسة رمزية لا تغير الواقع ولا تعالج أسباب الأزمة.
ومن خلال المقارنة بين الفاعلين السياسيين، يخلص المقال إلى أن مسؤوليات الأحزاب تختلف في طبيعتها ودرجتها؛ فحزب الأمة يتحمل مسؤولية مبكرة مرتبطة بانقلاب 1958 وإهمال الهامش، والحزب الاتحادي مسؤول عن تعديل ترتيبات مجلس السيادة والتكيف مع الإنقاذ، والحزب الشيوعي مسؤول عن التحالف مع العسكريين وإغفال الجنوب في ميثاق أكتوبر، بينما تتحمل الجبهة الإسلامية القومية المسؤولية الأكبر بسبب انقلاب 1989 وسياسات التمكين والحرب وما ترتب عليها من انهيار الدولة.
ويقدم تحليلًا أوسع يعتبر أن الأزمة السودانية لا ترجع إلى أخطاء حزب واحد، وإنما إلى طبيعة النظام السياسي الذي أعاد إنتاج الدولة المركزية وأضعف تمثيل الأقاليم المهمشة. ويرى أن السودان عرف ثلاثة إخفاقات كبرى: الفشل في بناء دولة المواطنة بعد الاستقلال، والفشل في تحويل الثورات إلى مراجعات تأسيسية تعالج جذور الأزمة، والفشل في تحقيق عدالة انتقالية بعد الحروب والانقسامات، وهو ما أدى إلى تجدد الصراعات بصورة مستمرة.
ويخلص إلى أن الاعتذار السياسي ضرورة وطنية لكنه يجب أن يعكس تفاوت المسؤوليات بين القوى السياسية، وأن مراجعة انقلاب 1958 وترتيبات عام 1965 وانقلاب مايو 1969 وانقلاب يوليو 1971 وانقلاب 1989 وإغفال قضية الجنوب تمثل عناصر أساسية في أي مراجعة تاريخية جادة. كما يؤكد أن الاعتذار الذي لا يقترن بإصلاح مؤسسي ومساءلة حقيقية سيظل بلا أثر عملي.
ويقترح خارطة طريق تبدأ بإنشاء لجنة مستقلة للحقيقة والمساءلة تتولى توثيق أدوار الأحزاب في الانقلابات والحروب مع التركيز على المناطق الأكثر تضررًا. كما يدعو إلى إصدار اعتذارات تفصيلية تحدد الوقائع والمسؤوليات، وإلى مراجعة اللوائح الداخلية للأحزاب لمنع دعم الانقلابات أو الميليشيات، وربط الاعتذارات ببرامج لجبر الضرر الرمزي والمادي، وتوسيع تمثيل الأقاليم المتضررة داخل القيادات الحزبية، وإدماج المراجعات التاريخية في برامج التأهيل الحزبي حتى لا تتكرر أخطاء الماضي.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن استعادة الثقة في الحياة السياسية السودانية تتطلب اعترافًا صريحًا بمسؤولية الأحزاب عن جوانب مختلفة من الأزمة، وأن الاعتذار الحقيقي ليس إدانة للذات بل بداية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الحقيقة والمساءلة والإصلاح. أما الاكتفاء باعتذارات شكلية أو رمزية فسيؤدي إلى استمرار إعادة إنتاج الصراعات والأزمات تحت عناوين وشعارات جديدة، بينما يمثل الاعتذار المرتبط بالإصلاح المؤسسي والعدالة والمصالحة خطوة أساسية نحو بناء سلام وطني مستدام.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
إن الاعتذار السياسي في السودان ليس فعلًا رمزيًا معزولًا، بل هو مدخل لفهم كيفية تشكل الدولة السودانية الحديثة عبر الانقلابات، والتسويات الهشة، والحروب الأهلية، وسياسات الإقصاء تجاه الجنوب وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور [Collins (2007)][Johnson (2003)][AU Commission (2014)]. لذلك فإن الاعتذار المطلوب من الأحزاب السياسية لا يقتصر على إعلان الندم، بل يتطلب مراجعة تاريخية دقيقة للمسؤولية السياسية والأخلاقية، وبيانًا واضحًا للأثر الذي تركته القرارات الحزبية في تقويض الديمقراطية أو إدامة الحرب أو شرعنة التهميش [Woodward (2010)][Assal (2023)].
وقد فشلت الأحزاب السودانية، في معظم مراحلها، في الانتقال من منطق الزعامة والطائفة إلى منطق البرنامج والمساءلة، فتعاملت مع الدولة باعتبارها مجالًا للمساومة لا عقدًا وطنيًا جامعًا [Holt (2011)][Young (2011)]. ومن ثم، يصبح الاعتذار السياسي خطوة ضرورية إذا كان الهدف هو بناء مصالحة وطنية حقيقية، لا مجرد إعادة تدوير للنخبة نفسها [African Transitional Justice Hub (2021)][IDEA (2023)].
مشروعية الاعتذارات وصورته
مشروعية الاعتذار
مشروعية الاعتذار تنبع من أن الفعل السياسي كان مؤثرًا في تقويض الديمقراطية أو إدامة الحرب أو إقصاء جماعة أو إقليم أو تعطيل العدالة [African Transitional Justice Hub (2021)]. وفي السودان، ينطبق ذلك على دعم أو قبول الانقلابات، وعلى التكيف مع الحكم العسكري، وعلى الصمت أمام الحرب في الجنوب ودارفور والمناطق الأخرى، وعلى تجاهل المطالب التاريخية للأطراف [Poggo (2002)][Bassil (2013)]. ولهذا فإن الاعتذار هنا ليس ترفًا، بل هو جزء من الاعتراف بالمسؤولية العامة عن مسار الكارثة السودانية.
صورة الاعتذار
صورة الاعتذار تكمل مشروعيته. فقد تصدر الأحزاب بيانات أنيقة لغويًا لكنها خاوية من الاعتراف الدقيق، أو تتحدث بلغة التعميم، أو تلقي اللوم على «الظروف» بدل تسمية الوقائع [IDEA (2023)]. وهذه الصيغة غير كافية في السودان، لأن محطات الأزمة ليست عابرة، بل تأسيسية: انقلاب عبود 1958، إغفال الجنوب بعد ثورة أكتوبر 1964، تعديل ترتيبات مجلس السيادة في 1965 لصالح رئاسة دائمة لإسماعيل الأزهري، تحالفات مايو 1969، وانقلاب 1989، ثم حرب 2023 [Poggo (2002)][El-Affendi (2012)][Le Monde (1965)][Abdel-Aal (2022)][Bassil (2013)][MAM Assal (2023)].
مقارنات منظمة
بحسب نوع المسؤولية
يمكن ترتيب المسؤوليات السياسية المطلوبة بحسب نوعها. فهناك مسؤولية عن تقويض الديمقراطية المبكرة، وهي التي تنطبق على القبول بالانقلابات أو التكيف معها أو منحها الغطاء السياسي. وهناك مسؤولية عن المشاركة في إدامة الحرب أو تبريرها أو تحويلها إلى حرب ذات معنى أيديولوجي. وهناك مسؤولية عن إغفال قضايا الهامش أو تأجيلها أو التعامل معها باعتبارها قضايا ثانوية. وهناك أخيرًا مسؤولية عن إعادة إنتاج الدولة المركزية عبر التسويات والمحاصصات [Collins (2007)][Johnson (2003)][Woodward (2010)].
في هذا الإطار، يتحمل حزب الأمة القومي مسؤولية تاريخية عن القبول أو التكيف مع انقلاب 1958، وما ترتب عليه من تقويض الحكم المدني المبكر، وعن الضعف في التصدي لمقتضيات العدالة تجاه الجنوب والهامش [Poggo (2002)]. ويتحمل الحزب الاتحادي الديمقراطي مسؤولية عن المشاركة أو الغطاء المدني لاحقًا، وعن الإخلال بالصيغة الانتقالية في 1965 حين تم التخلي عن منطق الرئاسة الدورية أو الشهرية لمجلس السيادة لصالح رئاسة دائمة لإسماعيل الأزهري [RRT (2018)][Le Monde (1965)]. ويتحمل الحزب الشيوعي السوداني مسؤولية عن التحالف مع العسكريين في مايو 1969، ثم عن أثر هذا الرهان على المجال الديمقراطي [Abdel-Aal (2022)]. أما الجبهة الإسلامية القومية فتتحمل مسؤولية أشد وأوسع لأنها بنت مشروعًا سياسيًا قاد إلى انقلاب 1989، ثم إلى التمكين، ثم إلى إدامة الحرب والانقسام، ثم إلى الانفصال، ثم إلى البيئة التي أفضت إلى حرب 2023 [Bassil (2013)][Young (2011)][MAM Assal (2023)].
وصف وتحليل وتفكيك وتركيب وتوليف ونقد
حزب الأمة القومي
يستحق حزب الأمة القومي اعتذارًا عن موقفه من انقلاب الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958، وهو انقلاب أنهى التجربة الدستورية الوليدة وفتح الباب أمام الحكم العسكري الطويل [Poggo (2002)][Holt (2011)]. وقد اقترن عهد عبود بسياسات تعريب وأسلمة في الجنوب، وبإجراءات أمنية وإدارية هدفت إلى إعادة صياغة المجال الجنوبي وفق تصور مركزي ضيق، لا وفق عقد وطني تعددي [Poggo (2002)]. لذلك فإن الاعتذار يجب أن يتناول قبول الانقلاب، وضعف المقاومة المدنية له، ثم العجز عن صياغة موقف وطني صلب من الحرب والتهميش لاحقًا.
كما ينبغي أن يراجع الحزب دوره في المساومات السياسية التي قدمت الاستقرار النخبوي على العدالة الوطنية. فالحزب، رغم وزنه الاجتماعي، لم ينجح في ترجمة هذا الوزن إلى مشروع شامل يواجه تهميش الجنوب ثم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق [Johnson (2003)][AU Commission (2014)]. والاعتذار هنا لا يلغي دوره التاريخي، بل يضعه في سياقه الصحيح بوصفه جزءًا من أزمة الدولة، لا خارجًا عنها.
الحزب الاتحادي الديمقراطي
الحزب الاتحادي الديمقراطي يحتاج إلى اعتذار مزدوج. الأول عن المشاركة أو التكيف مع نظام الإنقاذ في مراحله المتأخرة، عندما صار النظام واضحًا بوصفه نظامًا سلطويًا قائمًا على التمكين والإقصاء [RRT (2018)][IDEA (2023)]. والثاني عن تعديل ترتيبات مجلس السيادة في 1965، حين انتقلت الرئاسة من صيغة دورية أو شهرية إلى رئاسة دائمة لإسماعيل الأزهري، في سياق تفاهمات سياسية بين الاتحاديين والأمة [Le Monde (1965)][Archontology (1964–1969)].
والاعتذار المطلوب هنا يجب أن يكون صريحًا: عن إلغاء منطق التداول الرمزي الذي رافق مرحلة ما بعد أكتوبر 1964، وعن ترسيخ مركزية شخصية داخل مؤسسة سيادية يفترض أنها كانت تمثل توازن الانتقال [Le Monde (1965)]. كما يجب أن يشمل الاعتذار التقصير المتأخر تجاه قضايا الحرب والهامش، لا سيما حين كانت الحاجة ملحّة إلى موقف اتحادي وطني أكثر صلابة.
الحزب الشيوعي السوداني
الحزب الشيوعي السوداني مطالب باعتذار واضح عن دعمه أو مشاركته السياسية في انقلاب مايو 1969، وهو انقلاب مثّل سابقة خطيرة في الرهان على العسكر كأداة للتغيير [Abdel-Aal (2022)][Collins (2007)]. وقد أثبتت التجربة أن الانقلاب لم يفتح بابًا لديمقراطية اجتماعية، بل أسس لمسار جديد من الاستبداد، ثم جاءت أزمة 1971 لتؤكد أن التحول من فوق لا ينتج عدالة ولا استقرارًا [Jai’jir (2018)].
كما يجب أن يراجع الحزب موقفه من ثورة أكتوبر 1964، وتحديدًا من ميثاقها، إذ إن جبهة الهيئات والأحزاب الأخرى لم تضمن فيه بندًا صريحًا عن مشكلة جنوب السودان [El-Affendi (2012)][SMA Salman (2017)]. وهذا الإغفال ليس تفصيلًا، لأنه يعني أن القضية الجنوبية لم تُرَ بوصفها قلب الأزمة الوطنية، بل باعتبارها ملفًا جانبيًا. ولذلك فإن أي اعتذار سياسي جاد من جبهة الهيئات، التي لعب فيها الحزب الشيوعي دورًا محوريًا، يجب أن يشمل هذا الصمت المبكر.
الجبهة الإسلامية القومية
الجبهة الإسلامية القومية تتحمل المسؤولية الأثقل، لأنها لم تشارك فقط في النظام السياسي، بل صنعت انقلاب 30 يونيو 1989، وأعادت تشكيل الدولة السودانية على أسس التمكين، وعسكرة المجال العام، وتغذية الحرب في الجنوب ودارفور، ثم الإسهام في مسار انتهى إلى انفصال جنوب السودان في 2011، ثم إلى بيئة الانهيار والحرب الجديدة في 2023 [Bassil (2013)][de Waal (2005)][Young (2011)][MAM Assal (2023)].
والاعتذار المطلوب منها يجب أن يكون شاملًا: عن الانقلاب، والتمكين، واستخدام الدين في التعبئة السياسية، وإدامة الحرب، وإضعاف الدولة المدنية، وخلق بيئة ميليشياوية وسلطوية انتهت إلى الانفجار الأخير [IDEA (2023)][Berkley Center (2023)]. ولا قيمة لأي خطاب مصالحة من هذا التيار ما لم يبدأ بالاعتراف الصريح بأن مشروعه كان مشروع دولة أضر بالسودان كله.
اعتذار 1965 ومجلس السيادة
بعد ثورة أكتوبر 1964 تأسس مجلس السيادة بصيغة جماعية أو دورية، وكانت الرئاسة تنتقل بين الأعضاء [Archontology (1964–1969)]. لكن في يونيو أو يوليو 1965 جرى تعديل الترتيبات بما أفضى إلى تثبيت إسماعيل الأزهري رئيسًا دائمًا لمجلس السيادة، وهو ما تؤكده التغطية المعاصرة في Le Monde يوم 10 يوليو 1965، حيث أشارت إلى اتفاق داخل التحالف بين الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة على إنشاء منصب الرئيس الدائم لمجلس السيادة وإسناده للأزهري [Le Monde (1965)].
وبالتالي فإن المطلوب ليس اختراع واقعة غير ثابتة، بل صياغة اعتذار سياسي عن الإخلال بروح التداول الرمزي التي نشأت بعد أكتوبر 1964، وعن تحويل الترتيب الدستوري من صيغة دورية إلى مركزية شخصية، بما عكس نزعة النخب الكبرى إلى احتكار رمزية الدولة بدل توسيعها [Le Monde (1965)][Archontology (1964–1969)]. وهذا الاعتذار يجب أن يصدر، على وجه الخصوص، من حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي.
اعتذار جبهة الهيئات وميثاق أكتوبر
أما جبهة الهيئات، وبقيادة الحزب الشيوعي السوداني وبقية الأحزاب، فهي مطالبة باعتذار عن غياب أي بند واضح وصريح عن مشكلة جنوب السودان في ميثاق ثورة أكتوبر 1964 [El-Affendi (2012)][SMA Salman (2017)]. فالثورة التي أسقطت نظام عبود رفعت شعارات الديمقراطية والحرية، لكنها لم تجعل القضية الجنوبية جزءًا تأسيسيًا من مشروعها السياسي، وهو إغفال كان له أثر عميق لأنه أبقى السودان يُقرأ بوصفه دولة شمالية مركزية تبحث عن الاستقرار السياسي بدل أن تكون دولة متعددة القوميات تحتاج إلى عقد عدالة شامل [Poggo (2002)][Holt (2011)].
إن الاعتذار هنا ضروري لأنه يكشف أن النخبة المعارضة نفسها كانت محدودة الأفق في لحظة فارقة، وأن القضية الجنوبية لم تُعامل بعد بوصفها قلب الأزمة الوطنية.
مشروعية الاعتذارات وصورته
الاعتذار السياسي مشروع عندما يكون متعلقًا بفعل تاريخي محدد، صادرًا عن جهة مسئولة، ومقرونًا باعتراف عملي بالتبعات [African Transitional Justice Hub (2021)]. لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى بلاغة أو إلى مناورة أخلاقية. وفي السودان، لا قيمة لاعتذار لا يحدد الانقلاب أو التحالف أو المشاركة أو الصمت أو الإغفال الدستوري. لذلك فالمعيار ليس أن تقول الأحزاب «نعتذر»، بل أن تقول: عماذا نعتذر، لمن، وماذا سنفعل بعد ذلك.
أما الصورة، فهي الشكل الخارجي للاعتذار: بيان، خطاب، مؤتمر، أو مسودة وثيقة. وهذه الصورة، إن لم تدعمها الحقائق والإصلاحات، تصبح مجرد غطاء رمزي. وقد أثبتت خبرة السودان أن الرمزية غير المصحوبة بمراجعة حقيقية تُستخدم غالبًا لتدوير الأزمة بدل حلها [IDEA (2023)][AU Commission (2014)].
مقارنات منظمة
في المقارنة بين الفاعلين السياسيين، يظهر أن حزب الأمة القومي تتحمله مسؤولية مبكرة تتصل بالقبول أو التكيف مع انقلاب 1958، وبالقصور في صياغة موقف وطني أكثر صلابة تجاه الجنوب والهامش. والحزب الاتحادي الديمقراطي تتحمله مسؤولية مزدوجة: من جهة في التكيف المتأخر مع الإنقاذ، ومن جهة أخرى في تعديل ترتيبات مجلس السيادة سنة 1965 بما أفضى إلى تثبيت رئاسة دائمة لإسماعيل الأزهري بدل الصيغة الدورية أو الشهرية [Poggo (2002)][RRT (2018)][Le Monde (1965)].
أما الحزب الشيوعي السوداني، فمسؤوليته الأساسية تتصل بالتحالف مع العسكريين في مايو 1969، وبما أطلقه ذلك من سابقة سياسية خطيرة في الرهان على الجيش كأداة تغيير [Abdel-Aal (2022)]. وتأتي الجبهة الإسلامية القومية في موقع المسؤولية الأثقل لأنها صنعت انقلاب 1989، وشرعنت التمكين، وأدارت الحرب، وأسهمت في الانفصال، ثم أنتجت البيئة التي انفجرت في 2023 [Bassil (2013)][Young (2011)][MAM Assal (2023)]. ويضاف إلى ذلك أن جبهة الهيئات والأحزاب في أكتوبر 1964 أخفقت في تضمين الجنوب في ميثاق الثورة، وهو ما يكشف أن الإغفال لم يكن من خصوم الثورة فقط، بل من جزء من قواها نفسها [El-Affendi (2012)][SMA Salman (2017)].
تحليل وتفكيك وتركيب وتوليف ونقد
إن ربط الاعتذار بالمساءلة يكشف أن الأزمة ليست في خطأ حزب بعينه، بل في طبيعة الحقل السياسي السوداني نفسه. فقد تشكل هذا الحقل على قاعدة أحزاب تاريخية كبيرة، لكنها غالبًا ما فضلت التكيف مع الدولة المركزية بدل إعادة بنائها [Woodward (2010)][Johnson (2003)]. كما أن انعدام التمثيل الحقيقي للهامش جعل كل تسوية سياسية مؤقتة وقابلة للانفجار [Collins (2007)].
ومن زاوية تحليلية أعمق، يمكن القول إن السودان عرف ثلاثة أنواع من الفشل: فشلًا أول في بناء دولة مواطنة بعد الاستقلال، وفشلًا ثانيًا في تحويل الثورات إلى مراجعات تأسيسية كما حدث بعد أكتوبر 1964 [El-Affendi (2012)]، وفشلًا ثالثًا في إقامة عدالة انتقالية بعد الحرب والتمرد والانفصال، ما جعل الحرب تتجدد بأشكال جديدة [AU Commission (2014)][MAM Assal (2023)]. ولذلك فإن الاعتذارات الحزبية يجب أن تكون جزءًا من حلقة أوسع تشمل الحقيقة، ثم المساءلة، ثم الإصلاح، ثم إعادة تعريف الوطن.
خلاصات واستنتاجات
الأول، الاعتذار في السودان ضروري لكنه ليس متساوي القيمة بين الأحزاب؛ فمسؤولية الجبهة الإسلامية القومية أكبر من غيرها.
الثاني، حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي مطالبان بمراجعة ترتيبات 1958 و1965، وموقعهما من الحرب والهوامش.
الثالث، الحزب الشيوعي مطالب بمراجعة مايو 1969 و1965 معًا، لأن التحالف مع العسكر والصمت على الجنوب كلاهما جزء من مأزق واحد [Abdel-Aal (2022)][El-Affendi (2012)].
الرابع، جبهة الهيئات والأحزاب في أكتوبر 1964 أخفقت في إدراج الجنوب في الميثاق، وهو خطأ تأسيسي لا يجوز تجاهله [SMA Salman (2017)].
الخامس، أي اعتذار لا يتصل بإصلاح مؤسسي سيظل مجرد صورة بلا أثر.
توصيات وخارطة طريق واقعية وقابلة للتطبيق في السودان
إن البداية العملية يجب أن تكون بتأسيس لجنة مستقلة للحقيقة والمساءلة، تتولى توثيق أدوار الأحزاب في الانقلابات والحروب، مع إعطاء أولوية واضحة للجنوب السابق، وجبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق، ودارفور [African Transitional Justice Hub (2021)][AU Commission (2014)].
ثم ينبغي أن تصدر الأحزاب المعنية بيانات اعتذار مفصلة لا عامة. فيجب على حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي أن يعتذرا عن ترتيبات 1965 ومجلس السيادة، ويشرحا كيف جرى التخلي عن منطق التداول الرمزي لصالح تثبيت إسماعيل الأزهري رئيسًا دائمًا، وعلى الحزب الشيوعي وجبهة الهيئات أن يعتذرا عن إغفال الجنوب في ميثاق أكتوبر 1964، وعلى الجبهة الإسلامية القومية أن تصدر اعتذارًا شاملًا عن انقلاب 1989 وما ترتب عليه [Le Monde (1965)][El-Affendi (2012)][Bassil (2013)].
وينبغي كذلك أن تُراجع الأحزاب لوائحها الداخلية بحيث تمنع التحالف مع الانقلابات والميليشيات، وتُلزم القيادات بتقارير دورية عن المراجعة التاريخية لمواقفها [IDEA (2023)]. كما يجب ربط الاعتذار ببرامج جبر ضرر رمزي ومادي للمتضررين، مثل مشروعات الذاكرة المحلية، ودعم التعليم والتوثيق، وتمويل المبادرات المجتمعية في مناطق الحرب [AU Commission (2014)]. ولا بد من إعادة تشكيل القيادات الحزبية بحيث تمثل فعليًا الأقاليم المتضررة، لا أن تُستخدم هذه الأقاليم فقط كرمز [Young (2011)][Johnson (2003)]. وأخيرًا، يجب أن تدخل هذه المراجعات في برامج التكوين الحزبي نفسها، حتى لا تتكرر أخطاء الانقلابات، وإغفال الجنوب، والتكيف مع الاستبداد [Collins (2007)][MAM Assal (2023)].
خاتمة نقدية
إن السياسة السودانية لن تتعافى من دون اعتراف واضح بأن كثيرًا من الأحزاب شاركت، بصيغ مختلفة، في صناعة الأزمة. فالاعتذار ليس إدانة للذات بقدر ما هو بداية لاستعادة الثقة العامة. وإذا بقي الاعتذار مجرد صورة بلا مضمون، فسيظل السودان يعيد إنتاج الجرح نفسه بأسماء جديدة وشعارات جديدة [Collins (2007)][IDEA (2023)]. أما إذا تحول إلى فعل سياسي مسؤول، فإنه قد يفتح بابًا حقيقيًا أمام مصالحة وطنية قائمة على الحقيقة لا الإنكار.
المراجع
- Abdel-Aal SM, Muhareb MA, Shaaban AS. Dissolution of the Sudanese Communist Party (1966-1967). 2022.
- African Transitional Justice Hub. Juba Declaration on Dialogue and National Consensus. 2021.
- AU Commission. Report of the Virtual Joint Fact-Finding Mission on the Human Situation in Sudan. 2014.
- Assal MAM. War in Sudan 15 April 2023: Background, Analysis and Scenarios. International IDEA. 2023.
- Bassil N. The Postcolonial State and Civil War in Sudan: The Origins of Conflict in Darfur. 2013.
- Berkley Center for Religion, Peace & World Affairs. Sudan. 2023.
- Collins RO. Civil Wars in the Sudan. 2007.
- El-Affendi A. The lessons of the Sudanese revolutions of October 1964. 2012.
- Holt PM, Daly MW. A History of the Sudan. 2011.
- International IDEA. War in Sudan 15 April 2023: Background, Analysis and Scenarios. 2023.
- Jai’jir A. الحزب الشيوعي السوداني ونشاطه السياسي في السودان حتى عام 1971. 2018.
- Johnson DH. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. 2003.
- Le Monde. M. Al-Azhari est proclamé chef de l’État soudanais. 1965.
- MAM Assal. War in Sudan 15 April 2023: Background, Analysis and Scenarios. 2023.
- Poggo SS. General Ibrahim Abboud’s Military Administration in the Sudan, 1958-1964. 2002.
- RRT. Responses to Information Requests. 2018.
- Salman SMA. ثورة أكتوبر والخِذلانُ المُبكِّر والكبير لقضيّة جنوب السودان. 2017.
- Woodward P. Sudan’s Political Parties. 2010.
- Young J. Sudan after Separation: New Approaches to a New Region. 2011.
