الاُسطوانة والحبل الملفوف : نعم دى بلد .. بقلم: عزالدين احمد عبدالحليم

لدينا تاريخ طويل من النفور من أى حكومة عسكرية أم  مدنية ومن كل ماهو حكومى .

ربما يكون السبب أن أول تعارف رسمى تم بيننا و الحكومة بمعناها الواسع  كان  مع حملات الغزو الاجنبية –المسماة التركية المصرية-التى كان الطمع فيما نملك بشريأً وطبيعياً أحد دوافعها الرئسية إضافة إالى ما يرافق الغزاة من عنف وإستحقار للناس ظناً من الغزاة أنهم ألاسمى وألافضل  ومن دونهم هم المتخلفون  البلهاء .

ومنذ ذلك التاريخ  وفى تسلسل ، كانت الهوة إالى إتساع بين الحكومة كممارسة ومعنى وبين الناس  الذين رسخ لديهم أن الحكومة هى الجهة التى تُسخرك لاداء واجبات معينة كالضرائب وتحملك على إنجاز فروض مُعينة كالزراعة  لصالحها وليس بالضرورة أن تكون مُلما بالغايات أو شريكاً فى المصلحة .

حالة الشرخ هذه  بين الناس والحكومة لم تستطع المهدية  علاجها ، ففى الوقت الذى كان من الممكن فيه أن تدخل المهدية فى حالة حوار عميق مع المجتمع ومكوناته لخلق حالة سودانية مشتركة وعامة مستفيدة من زخم ما بعد الإنتصار ، لجأت هى الأُخرى إالى فرض ما تراه بالقوة والتشريعات غير المتُفق عليها وهو ما ادى إالى علاقة تنافرية بينها وبين قطاع من الناس كالصوفية، وقست فى أحيان على بنى جلدتها الذين إختلفوا معها فى الرأى فى أمور كانت تعتقد  فيها أن نظرتها هى الاصح  لدرجة أن البعض ذهب حد تأييد الغزاة الخارجيين الذين يخالفونه المُعتقد والعرق.

ومن وقتها أصبحت كلمة حكومة ذات وقع غير مُحبب إالى النفوس ورآن على عقول  البعض أن الحكومة  اياً كانت هى حالة سُخرة وجهة إستعباد وإستنزاف او هى جهة ذات مصلحة  تختلف ولا تهتم  لمصالح الناس.

وقد رد الناس والرأى العام  التحية بمثلها وأحسن فأصبح لا يهتم ولا يُقيم لاى حكومة وزنا وقابل بالسلبية كل ما هو حكومى  وإتسع الشرخ الذى لم يجد من يتفهمه ويعمل على علاجه .

الظواهر الخارجية لذلك الشرخ تمثلت فى  إستباحة كل ماهو حكومى من مال وممتلكات ووقت،  كتنفيس ورد فعل .

أما الجانب الأشد إيلاما وضرراً فقد تجلى وظهر فى التعبيرات الشهيرة المعروفة  التى لاتفرق بين الحكومة والبلد كوطن له حقوق و تُقال مراراُ فى كل كلام  فى اليوم الواحد (دى بلد دى ، البلد دى أصلها مُنتهية وما نافعة….) ويذهب البعض حد التطرف وألانانية والتبرؤ من المسؤولية عندما يبدأ حديثه ب ( بلدكم دى  شوفوا غيرها ……) وهو ما يعنى عملياً أنه ليس جُزءاً  منها لانه أيقن أن الخارج هو الحياة حيث يكون نفس الشخص فى تمام الإنضباط و التوافق مع نُظم الحكومة والمجتمع .

مُخطئ ومُعتسف للتاريخ من يقول أن هذه الحالة المُشار إاليها حالة إنقاذية أى أتتنا مع الإنقاذ، لاننا شهدنا نفس حالات السخط والتبرم فى العهد المايوى الخليط بين الحزبية والعسكرية  والسبهللية وكذلك فى العهد الديموقراطى الثالث ايضا كنا نسمع عبارات التبرُم والسخط من الحكومة  والبلد معاً  وفى كل العهدين شهدنا إساءة إستخدام ممتلكات الحكومة وتسخيرها للصالح الخاص ،ضعف الرقابة والمحاسبة فى الخدمة العامة ، هدر الوقت وذلك بأن  يبدأ الموظف يومه بالجلوس عند بائعات الشاى ويمضى ليقرأ صحيفة رياضية قبل أن يُكمل حصة المُطالعة بصحيفة يومية  ولا يقضى لك مُعاملة إلا بالواسطة او بعد الرجاءات او بالثالثة الاخرى وربما هوى على أُم رأسك بكلمات جافة على شاكلة (ما قلنا ليك تعال بكرة).

لم تسلم حتى الخدمات والدعم الحكومى المُقدم لصالح المواطنين أنفسهم من ذلك الفهم المغلوط لكل ما هو حكومى ، ففى بعض المدارس كان التلاميذ يحتفلون بنهاية العام بتكسير الادراج والكراسى  وتقطيع الكتب،  وبعض الذين رعتهم الحكومات بعد الجامعة بإبتعاثهم لمزيد من العلم فى الخارج على نفقتها التى هى نفقتنا – إما ظلو مكانهم حتى لا يعودوا للبلد (المتخلفة دى) أو يمموا وجوههم صوب خليج النفط بعد إنتهاء مدة الدراسة والحصول على المطلوب وتكفلت الوساطات و الفساد الإدارى بلعب الدور الكافى  للتحرر من القيود القانونية .

دارت  اسطوانة   (السُخرية- السخط وسالب الكلام )على  الافواه بلا فهم حتى أصبحت من مُكملات الشخصية وضروراتها  أحياناً .

ثم وصلنا مرحلة أثمر فيها  الغرس وصدر حكم بإعدام البلد وما فى داخلها بعد أن ظللنا نُغذى بذور البلد المُنتهية عديمة الرجاء وأصبحت العيون والآمال متجهة إلى الخارج  وبالتالى أصبحنا نعيش فى الداخل على أساس أنه فترة إنتقال لا يعنينا أمرها ، وتماشيا مع تلك الحالة النفسية الناتجة عن ترديد كوننا لا بلد حتى اصبحت قناعة  مؤدية بدورها إلى إستحقار كل ما  ومن له علاقة بتلك ال (لا) بلد، فقد اصبحت خدمتنا المدنية كما ترى وكما اسلفنا ، واصبح الموظف الحكومى  لايجد ما يدفعه لتقديم اى فعل أو عمل لان لا حبل يربطه الى هذه البلد ولا شعور ولا إلتزام ،علاوة على إحتقار   من امامه  بما أنه من (لا) بلد  فهو منطقياً لاشيئ ،  وبدرجة أقل موظف القطاع الخاص  الذى دائماً يعطيك الإحساس بأنه مُكره  على العمل ،وذات السبب هو ما يجعلك تركض لاهث ألانفاس تترجى الممرض أو الممرضة أن يقوم بتغيير المحلول الوريدى للمريض أو أن يعطيه الحُقنة او تقوم بتنبيهه إلى إرتفاع حرارة المريض ، وهو ما يجعل الطبيب المناوب يذهب للعشاء فى الثانية فجراً( كما اورد الاستاذ الطاهر ساتى بصحيفة السودانى عدد الخميس 8-1-2015) تاركاً خلفه اولئك (اللا) شيئ المنتمين لتلك الخرابة ، وغير ذلك كثير من ما لايحصى عن الإهمال واللامسؤلية ، التى نعرفها جميعاً حتى أصبح من غير الطبيعى أن تحصل على أبسط خدمة مباشرة وفى يُسر ودون أن تتعرض للأذى وسلسلة أمشى وتعال .

هل ما نفعله الآن هو الحل ؟ هل عندما نصلى بعضنا حميماً وغساقا ونواصل الخلط الجائر بين الحكومة والبلد وننسى سلبياتنا او نلفها جميعاً ونلقيها فى وجه الحكومات ونبحث عن الخارج  بحيث نُصبح فيه قوماُ صالحين هو ما سيجعل حياتنا تستقيم ؟

يقول البعض ان سلوك و قوة الحكومات الظالمة  هو العقبة أمامنا  وهو السبب، ونقول أن قوة أى حكومة مهما بلغت بما فيها الإنقاذية هذه – تُعتبر صفراً مقارنةً بقوة المجموع العام ونُلفت النظر إالى أن سلوكنا لم يتغير فى عهد حكومات غير ظالمة مرت علينا مرور الكرام فلا حافظنا عليها ولا تعاملنا مع ما قدمته لنا بإحترام إلا النذر اليسير :

سقطت الحكومة المنتخبة الاولى ونحن نتفرج كأنها حكومة بلد آخر  ولم نفعل شيئأ، اتى عبود وفعل ما فعل خيراً وشراً ومضى الى السقوط  فإحتفلنا وفرحنا بعودة النظام الحزبى وعدنا مجدداُ إلى السخط واللعن كما عاد سادة ذلك العهد الى العبث والمكايدة والنظر القصير الذى لا يمتد للأمام قليلا ليرى شعباً  له حقوق  وإستحقاقات واجبة النفاذ ، وعلى ذات النسق سارت الامور فى بقية فصول الرواية .

تغافل النظُم المعروفة بالوطنية إسماً ،عن رأب الصدع بيننا وبين  معنى الحكومة  بل مساهمتها فى المزيد من التصدع لا  يعفينا ذلك من المسؤلية  وعلينا البحث عن حل بإعتبارها بلدنا والامر يعنينا ويشمل حياتنا كلها  قبل أن يلحق المستقبل بالامس الذى ضاع وتنطوى فى القلب حسرات .

إذا أردنا المستحيل فلننتظر حكومة تنزل علينا من السماء تقوم بتلقيننا واجبنا الواحد بعد الآخر ، وإذا اردنا الاحلام  فلننتظر صباحا مُشرقاً نجد فيه عندنا حكومة  ما انتخبناها ولا راقبناها ولا حاسبناها ورغم ذلك تريد إصلاح شأننا كله دفعة واحدة وتحنو علينا حنو المُرضع على الرضيع.

وإذا أردنا الواقع فعلينا عكس الاسطوانة ومحاولة فك الحبل ، نعم يجب أن تدور الاسطوانة فى إتجاه عكسى ونبدأ  بالاقتاع انها بالفعل بلد وإنها إنما تكون بعزايم أهلها – وتملك مقومات أكثر من بلد ومن ثم تبدأ الافواه  تكرر هذا الكلام عسى ولعل أن يتحول الكلام إلى سلوك  وافعال  تعكس رغبة أهلها فى الحياة التى يصنعونها بأنفسهم ، وعدم رغبتهم فى إنتظار ألامير او الفقير أو حتى البعير .

iahaleem@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً