د. هشام عثمان
يقول أهل الباطن من المتصوفة: النهاية تشبه البداية ولا تشبهها. وكأن التاريخ السياسي السوداني اختار أن يكون حقل تجارب هذه المقولة، لا في معرض الفرد وحده، بل في معرض السلطة ومصائرها. فحين ننظر إلى مسار عمر البشير الذي انتهى إلى قفص الاتهام في لاهاي، ثم نقارنه بما آل إليه عبد الفتاح البرهان اليوم من عزلة دولية متصاعدة، نجد أن “الشكل” يتكرر بدقة تكاد تكون هندسية، بينما “المضمون” و”الحيثيات” تختلف اختلافًا جوهريًا. وهذا بالضبط هو جوهر المفارقة الصوفية: أن يكون الشبه ظاهريًا خادعًا، بينما الجوهر يحمل قصة أخرى تمامًا.
البشير جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري عام 1989، وحكم بمنطق الرجل الواحد الذي لا يُسأل عما يفعل. والبرهان، وإن لم يبدأ بانقلاب صريح، فقد وجد نفسه بعد سقوط البشير على رأس هرم السلطة الفعلية، ثم أجهض التحول المدني بانقلاب 25 أكتوبر 2021، ليعيد إنتاج ذات المنطق: التفرد بالقرار، والتعويل على الجيش كأداة حكم لا كمؤسسة وطنية جامعة. من هذه الزاوية، تبدأ الحكاية بذات المفتتح: رجل عسكري يعتلي السلطة بلا تفويض شعبي حقيقي، ويواجه بعد ذلك استحقاق الشرعية الغائبة.
وتتوالى فصول الشبه حتى في المآلات. فالبشير انتهى إلى مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وإبادة في دارفور، ليجد نفسه معزولًا عن العالم، ممنوعًا من التنقل الحر، محاصرًا بملف قانوني دولي لم يفلح لا التنصل ولا المكابرة في محوه. واليوم يعيد البرهان تمثيل ذات “الشكل” الدرامي، وإن اختلفت “المادة” القانونية والسياسية: فقد فرضت واشنطن عقوبات على حكومته إثر اتهامها الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024 في سياق الحرب مع قوات الدعم السريع، وبدأ نفاذ عقوبات أمريكية إضافية في يوليو 2026 بعد اتهام واشنطن الحكومة بعدم استيفاء شروط قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. ثم جاءت الضربة الرمزية الأعمق حين امتنعت الولايات المتحدة عن منح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مشهد يستدعي بقوة صورة الرئيس المنبوذ دوليًا، المحاصر في هويته كحاكم أمر واقع لا شرعية دولية كاملة له. هنا “الشبه” لا يخطئه ناظر: عزلة دولية، اتهامات خطيرة تتعلق بانتهاك القانون الدولي، ومنع من الحضور إلى المحافل التي يُفترض أنها منصة الاعتراف بالدول وقادتها.
لكن الاختلاف هنا أعمق من أن يُختزل في تفاصيل الحيثيات القانونية. البشير واجه محكمة قضائية دولية ذات ولاية محددة (الجنائية الدولية)، بمنطق قانوني-جنائي واضح المعالم وإن اختلف الناس حوله..
أما البرهان فيواجه أداة مختلفة تمامًا: عقوبات سياسية أمريكية أحادية، ورفض تأشيرة هو إجراء دبلوماسي لا قضائي، وصفته الخرطوم بأنه أحادي وغير قانوني ومستند إلى مزاعم تفتقر إلى الأدلة، متخذ بدوافع سياسية محضة. بعبارة أخرى: البشير حوكم أمام هيئة قضائية دولية، بينما البرهان يُعاقَب بقرار سياسي من دولة عظمى واحدة. الأول قصة عدالة دولية، بصرف النظر عن انتقائيتها، والثاني قصة توازنات جيوسياسية وضغوط نفوذ في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تتشابك حرب السودان مع أطراف إقليمية ودولية متعددة المصالح.
وما يجعل هذه المقارنة مشروعة فلسفيًا وسياسيًا ليس تطابق الإجراءات، بل تطابق “السلوك” الذي يُنتجها. فالعنف كأداة حكم، والكذب والمخاتلة كأسلوب في التعامل مع الداخل والخارج، والانغلاق عن النصح والانفتاح على المراجعة، والعناد الذي يرفض قراءة موازين القوى الدولية بواقعية، هذه كلها “ثوابت بنيوية” في عقلية السلطة العسكرية السودانية، تتكرر من جيل قيادة إلى جيل قيادة، وإن تغيرت الوجوه والأسماء والحيثيات القانونية. بهذا المعنى، ليست العلة في شخص البشير أو شخص البرهان تحديدًا، بل في “بنية السلطة” ذاتها التي تُنتج نفس النمط من النهايات كلما استُنسخت نفس مقدمات البداية: احتكار القرار، وتغييب الشرعية الشعبية، والمراهنة على البندقية بدل المشروعية. هنا يتجلى المعنى الصوفي الأعمق: النهاية لا “تُشبه” البداية بمعنى التطابق الحرفي، فكل نهاية لها حيثياتها الخاصة وسياقها التاريخي المختلف، بل تشبهها بمعنى أنها “تكشف” حقيقة البداية وتفضح جوهرها الذي كان مستترًا. فكما أن شيخوخة الإنسان تكشف حقيقة اختياراته في شبابه، فإن عزلة الحاكم في “نهايته” تكشف حقيقة الطريقة التي حكم بها منذ “بدايته”. لم تكن قنبلة موقوتة زُرعت فجأة، بل نتيجة منطقية لمنطق حكم بُني على العناد والانغلاق منذ اللحظة الأولى.
ومع ذلك، فإن المفارقة الصوفية تحمل في طياتها أيضًا أملًا: فالنهاية التي “لا تشبه” البداية بالمعنى الإيجابي هي تلك التي تنطوي على وعي واستدراك لم يكن حاضرًا في البداية. الشيخ العارف يتجاوز ضعف الطفولة بوعيه لا بقوته. وسياسيًا، فإن السودان لن يكسر حلقة “البشير-البرهان” المتكررة إلا إذا أنتجت نخبته وقيادته العسكرية نمطًا جديدًا من ممارسة السلطة يقوم على الشرعية التفاوضية بدل الفرض الأحادي، وعلى الشفافية بدل “المخاتلة المكشوفة”، وعلى قراءة موازين القوى الدولية بعقلانية بدل المكابرة التي لا تجدي. وإلا فإن كل “بداية” جديدة للسلطة في السودان محكومة أن تنتج ذات “النهاية”: عزلة، اتهامات، وباب مغلق أمام حاكم ظن أن القوة العارية تُغني عن الشرعية.
