البرهان و«حميدتي» يجتمعان بعد توترات… و«الحرية والتغيير» ترّحب

ميعاد مبارك: الخرطوم ـ «القدس العربي»: تنوعت المواقف والقراءات بخصوص اللقاء الذي جمع رئيس المجلس السيادي في السودان، عبد الفتاح البرهان، مع نائبه محمد حمدان دقلو «حميدتي» للمرة الأولى منذ أسابيع، في أعقاب تفجر الخلافات بين القطبين العسكريين. ففيما رحبت «الحرية والتغيير» بالاجتماع، اعتبرت «لجان المقاومة» استمرار الرجلين في السلطة «معضلة خطيرة» قد تؤدي إلى انهيار البلاد ويجب حلها، وفي حين رأى خبير أن لقاء «إذابة الجليد» «لم يتطرق للخلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش، والإصلاح العسكري» قال آخر إن الاجتماع «أنهى على أقل التراشقات الكلامية» بين الطرفين.
واستعرض اللقاء، الذي حصل مساء السبت، حسب بيان للمجلس السيادي «الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، وقرر الطرفان تكوين لجنة أمنية مشتركة من القوات النظامية وأجهزة الدولة ذات الصلة والحركات المسلحة لمتابعة الأوضاع الأمنية في البلاد». كما تناول الاجتماع، وفقاً للبيان، «سير العملية السياسية وضرورة المضي قدماً في الترتيبات المتفق عليها».

«مناخ جديد»

ووصف رئيس الحركة الشعبية ـ التيار الثوري والقيادي في قوى «الحرية والتغيير» ياسر عرمان، في تصريح لـ«القدس العربي» الاجتماع بـ»الناجح».
وزاد «سيدفع العملية السياسية إلى الأمام» مضيفاً: أن «الاجتماع خلق مناخاً جديداً يجب أن يستثمر لتسريع العملية السياسية والمضي بها إلى نهايتها».

«ضرورة إبعادهما»

لكن المتحدث باسم لجان «مقاومة الخرطوم» محمد طاهر أوضح لـ«القدس العربي» أن « البرهان وحميدتي سيضيّعان السودان، واستمرارهما في السلطة مشكلة خطيرة قد تؤدي إلى انهيار البلاد» مشددا على «ضرورة إبعادهما من السلطة وقيادة المؤسسة العسكرية».
وأكد أنه «حتى في حال تقاربهما، سيعود الخلاف بينهما مرة أخرى لجهة اختلاف مصالحهما وارتباطهما بمحاور خارجية متقاطعة، لذلك سيستمر الصراع بينهما وسيؤدي إلى انفجار الأوضاع في البلاد».
ولفت إلى أن لجان المقاومة «تواصل تنظيم صفوفها، وصولا لإسقاط قادة الانقلاب والحكم العسكري في البلاد، وتحقيق السلطة المدنية الكاملة».

«نزع فتيل الخلاف»

ومن المفترض أن يكون الاجتماع قد «ركز في الأساس على الخلاف بين الرجلين الذي خرج إلى العلن، ونزع فتيل الخلاف، الذي كان يدفع بعض الأطراف التابعة للنظام السابق نحو تصاعده ونشوب حرب في البلاد» وفق ما أكد المحلل السياسي، عبد الله رزق لـ«القدس العربي».
ولفت إلى أن «الأسباب المعلنة للخلاف بين البرهان وحميدتي والمتعلقة بالاتفاق الإطاري والإصلاح العسكري، ليست موضوعية لجهة الاتفاق عليها مسبقا وفقا للاتفاق الإطاري الموقع في 5 ديسمبر/ كانون الأول الماضي» مرجحا أن تكون تلك الخلافات «ذات طبيعة شخصية مرتبطة بطموحات شخصية لأحدهما، ربما يعرقلها الآخر».
وبين أن «الاجتماع ربما يلحقه اجتماع ثان، بعد اجتماع الخبراء الفنيين من الجانبين ومناقشة ترتيبات عملية الإصلاح العسكري وقضايا الدمج ووضع تصور لهيكل القيادة العسكرية، في المرحلة المقبلة» مضيفا: «لا أعتقد أن البرهان سيمانع في القيام بمعالجة مؤقتة، تضع حميدتي على الرغم من أنه لم يتخرج من الكلية الحربية، ضمن قادة القوات المسلحة».
ومن المنتظر، وفق رزق، أن يكون الاجتماع الذي وصفه بـ»التمهيدي» قد «أنهى على أقل التراشقات الكلامية بين الجيش والدعم السريع. أما بقية الموضوعات فستنظر فيها لجنة فنية عسكرية تحيل مخرجاتها للبرهان وحميدتي، لإبداء الرأي النهائي».
وأضاف: «مقابل الدور الذي يقوم به أنصار النظام السابق لتأجيج الصراع بين العسكر، برزت تحركات لقوى مدنية دفعت نحو التقارب بين القادة العسكريين ـ أطراف العملية السياسية الجارية ـ من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي في أسرع وقت ممكن، والحيلولة دون انفجار الأوضاع داخل المؤسسة العسكرية».

«لجان المقاومة» قالت إن استمرارهما في السلطة قد يؤدي لانهيار البلاد

ورأى أن «الجهات الدولية الراعية للعملية السياسية تريد أن تمضي العملية إلى نهاياتها من دون عقبات وتمارس ضغوطاً من أجل تسريع ذلك من دون تصادم بين القادة العسكريين، الأمر الذي قد يقود الأوضاع في السودان نحو الفوضى والذي سيقود إلى انتشار الإرهاب في الإقليم وتمدد فاغنر الروسية في المنطقة».
أما الخبير العسكري، أمين مجذوب، فقد اعتبر في حديثه لـ«القدس العربي» أن «اللقاء بين البرهان وحميدتي لقاء لإذابة الجليد، وتخفيف الخلاف العاصف الذي ظهر في الأسابيع الماضية».
وبيّن أن الاجتماع «ناقش الأوضاع الأمنية في البلاد ولم يتطرق للخلافات حول دمج الدعم السريع في الجيش، والإصلاح العسكري والهيكلة».
وأضاف: «ناقش الاجتماع الخطوط العريضة للموقف الأمني ومسيرة الاتفاق الإطاري والتسوية السياسية» مبينا أن «تشكيل اللجنة الأمنية أمر خاص ومؤقت لإدارة الوضع في العاصمة الخرطوم، وأن مجلس الأمن والدفاع يمكن أن يكون الجهة الأساسية التي تناقش أي أمور أمنية وتفلتات في الفترة المقبلة».

مخاوف من صِدام

وجاء اللقاء بين الحاكمين الفعليين للبلاد، وسط مخاوف من صدام مسلح بين الجيش و«الدعم السريع» بخاصة مع تقارير إعلامية أشارت إلى أن قوات عسكرية كبيرة دخلت الخرطوم في الأسابيع الماضية.
كما سبق الاجتماع بيان نادر للجيش السوداني، أكد فيه «التحامه مع الشعب» محذراً من «المزايدة السياسية» في إشارة فهمت على أنها جاءت رداً على تصريحات «حميدتي» التي هاجم فيها بشكل مبطن البرهان.
وقال الناطق الرسمي باسم الجيش، في بيان مصور، إن «مزايدة البعض بمواقف القوات المسلحة والحديث عن عدم رغبة قيادتها في إكمال مسيرة التغيير والتحول الديمقراطي، محاولات مكشوفة للتكسب السياسي والاستعطاف وعرقلة مسيرة الانتقال».
وأضاف أن «تلك المحاولات لن تنطلي على فطنة وذكاء الشعب ووعي ثوار وثائرات وشباب بلادنا حراس ثورة الشعب ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2019، ومن هذا المنطلق نؤكد لشعبنا أن قواته المسلحة ستبقى أملاّ مستداماً ومرتجى ورفيقاً وفياً لاستكمال مسيرة الثورة».
كما أشار إلى أن «القوات المسلحة تستمد قوتها وشرعيتها من صوت وهتاف الشعب السوداني (شعب واحد جيش واحد)».
وأكد الجيش «التزامه بمجريات العملية السياسية الجارية والتقيد الصارم والتام بما تم التوافق عليه في الاتفاق الإطاري، الذي يفضي إلى توحيد المنظومة العسكرية وقيام حكومة بقيادة مدنية، فيما تبقى من المرحلة الانتقالية لحين قيام الانتخابات بنهايتها».

«الحرية والتغيير» ترحب

وسارعت قوى «الحرية والتغيير» بالترحيب ببيان الجيش، مشيرة إلى أنه «حمل تأكيد التزام القوات المسلحة بالعملية السياسية الجارية والتقيد التام والصارم بنصوص الاتفاق الإطاري. «
وأكدت «تمسكها بالعملية السياسية المؤسّسة والمستندة على الاتفاق الإطاري والمفضية لإنهاء الانقلاب واسترداد مسار التحول الديمقراطي بتشكيل حكومة مدنية تمثل قوى الثورة وتعمل على تحقيق غاياتها».
أيضاً أبدت «حرصها على إكمال مناقشة قضايا المرحلة النهائية للعملية السياسية والتزامها بالعمل المشترك مع كل قوى الثورة لتأسيس وإدارة الفترة الانتقالية، بما يضمن استقرارها وإنجاز مهامها وفي مقدمتها توحيد وإصلاح المنظومة العسكرية وخروجها من المعادلة السياسية».
إضافة إلى «إطلاق عملية شاملة للعدالة والعدالة الانتقالية، ومعالجة الأزمة الاقتصادية والإصلاح المؤسسي وتفكيك دولة تمكين الثلاثين من يونيو/ حزيران 1989 (النظام السابق) وغيرها من المهام وصولاً لقيام انتخابات عامة حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية».

«رسائل مهمة وإيجابية»

كذلك رحبت القوى المدنية الموقعة على الاتفاق الإطاري، ببيان الجيش، مشيرة إلى أنه حمل «رسائل مهمة وإيجابية».
وأكدت أن «إعلان الجيش السوداني التزامه بالعملية السياسية الجارية، وبكل ما ورد في الاتفاق الإطاري، يعزز التزام كل أطراف العملية بالمضي فيها قدماً وتجاوز ما يعترضها من تحديات بروح وطنية ومسؤولة».
وأوضح البيان أن «الاتفاق الإطاري وضع أساساً سليماً لأهم القضايا التي تواجه البلاد، على رأسها ضرورة استرداد مسار الانتقال الديمقراطي تحت قيادة سلطة مدنية كاملة، ووحدة الجيش السوداني ونأيه عن السياسة ضمن عملية شاملة للإصلاح الأمني والعسكري، بالإضافة إلى الشروع في عملية شاملة ومنصفة للعدالة والعدالة الانتقالية وغيرها من القضايا الرئيسية التي عالجها الاتفاق الإطاري بصورة عميقة». ولفت إلى أن «الاتفاق يضع على عاتق أطرافه جميعاً ضرورة إكمال مناقشات المرحلة النهائية في أقرب فرصة ممكنة بما يؤسس لمرحلة انتقالية مستقرة وناجحة تقود في نهايتها لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة».
ووضع لقاء البرهان ـ «حميدتي» حداً لحرب كلامية استمرت لأسابيع عديدة بين أطراف المكون العسكري ممثلين في قادة الجيش و«الدعم السريع». وارتبطت غالبية هذه الحرب بالموقف من الاتفاق الإطاري، إضافة إلى ملف الترتيبات الأمنية، والدمج بصورة خاصة، بجانب ملف الحدود مع الجارتين أفريقيا الوسطى وتشاد، في أقصى غرب البلاد.
وكانت مخاوف كبيرة سرت في أوساط السودانيين من احتمالية نشوب صدام مسلح بين الطرفين، على اعتبار أن الخلاف بينهما هو الأخطر منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل/ نيسان 2019.
وقد غذت تلك المخاوف الأحاديث المتواترة عن إرسال «الدعم السريع» الآلاف من جنوده إلى العاصمة الخرطوم.
وجاء الاجتماع أيضا بعد جولة قام بها قائدا الجيش و«الدعم السريع» إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، في الأسابيع الماضية، فيما يزور حالياً وفد من قوى «الحرية والتغيير» أبو ظبي.

الاتفاق الإطاري

ويعد «الاتفاق الإطاري» الموقع بين مكونات «الحرية والتغيير» والعسكر وعدد من التنظيمات السياسية الأخرى والحركات المسلحة في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، الأساس للعملية السياسية الجارية في السودان. كما يمثل أساساً للخلافات بين الجيش و«الدعم السريع» اللذين يتبنيان وجهتي نظر مختلفتين حوله ترتبط بأطراف الاتفاق.
وكانت الأطراف الموقعة على الاتفاق الإطاري قد أحالت خمس قضايا أساسية للمرحلة النهائية من العملية السياسية، التي انطلقت في 9 يناير/ كانون الثاني الماضي، والتي شملت تفكيك النظام السابق وتقييم اتفاق السلام الموقع في 2020 بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية التي تضم حركات مسلحة وتنظيمات معارضة، فضلا عن وضع خريطة طريق لحل أزمة شرق السودان، والتي انعقدت أعمالها خلال الشهرين الماضيين، فيما بدأت السبت ورشة العدالة والعدالة الانتقالية والتي تنعقد في أقاليم البلاد الستة، وصولا لمؤتمر نهائي جامع في الخرطوم. وينتظر أن تكون ورشة الإصلاح الأمني والعسكري آخر أعمال المرحلة الأخيرة من العملية السياسية تمهيدا لتوقيع اتفاق نهائي بين الأطراف السودانية.
وفي أعقاب انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، تعقد المشهد السياسي في البلاد، وأصبحت الخلافات بين الأطراف تتصاعد يوماً بعد يوم، وسط استمرار التظاهرات الشعبية المطالبة بإنهاء حكم البرهان و«حميدتي».
ومع استحكام الأزمة السياسية تدهورت الأوضاع الاقتصادية والأمنية، في وقت تحاول الآلية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» والرباعية المشكلة من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، إيجاد حل سياسي ينهي الأزمة الراهنة في السودان.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

وزير الخارجية: سلام لا يستجيب لرغبات أهل السودان لن يقوم.. والميليشيا إلى زوال

القاهرة – السوداني: أكد وزير الخارجية د. محيي الدين، رفض الدولة السودانية أي تسوية سلام …

اترك تعليقاً