حتي البروفسيرات في الفيزياء والكيمياء والعلوم الدقيقة
يحملون السبحة ويقدمون النصائح
بتفسير الدين من خلال ذواتهم العلمية
فيصبح المجتمع اكثر تشويشا
++++
هنا نلامس الكارثة بذاتها
ظاهرةً إبستمولوجية واجتماعية في
غاية التعقيد والخطورة، وهي ما يمكن
أن نسميه “عُقْدة التوفيقية الزائفة” أو
“شيزوفرينيا النخبة العلمية”.
حين يخرج بروفيسور في الفيزياء الكونية
أو الكيمياء الحيوية من معمله—حيث تسود
الدقة، والمنطق الضبابي، والسيولة
المادية التي ألغت القبليات—ليمسك
بالسبحة ويطوع نظريات العلم الحديث
لخدمة النص الديني وتفسيره
“بذاته العلمية”، فإنه لا يخدم الدين
ولا يخدم العلم، بل يُنتج أعلى درجات
التشويش المعرفي في المجتمع.
هذا المشهد السريالي يُعزى إلى آليات
وتناقضات إبستمولوجية ونفسية عميقة:
- “الانفصام الإبستمولوجي”
(Epistemological Partitioning)
العقل البشري يمتلك قدرة غريبة على بناء
جدران عازلة داخل البنية الذهنية الواحدة.
البروفيسور يعيش في عالمين
منفصلين تماماً:
داخل المعمل: يتبع المنهج الإجرائي
الصارم؛ المادة سيالة، اليقينيات منهارة،
والقبليات محل شك.
خارج المعمل: يتخفف من هذا العبء
المعرفي الثقيل، ويعود إلى
“العقل الغربالي” البدائي الذي يطلب
الطمأنينة والانتماء الثقافي والمجتمعي.
السبحة هنا ليست أداة تعبّد فحسب، بل هي
رمز مادي (غير خطابي) لإعلان الولاء ل
ـ “المركز” الثقافي السائد، هروباً من
عزلة الشك العلمي. - منزلق “القرصنة الإبستمولوجية”
(الإنتروبيا والإعجاز نموذجاً)
التشويش الأكبر ينشأ عندما يحاول
هؤلاء العلماء استخدام “الخطاب العلمي”
كأداة لشرعنة “الخطاب الميتافيزيقي”.
هذا التداخل يُنتج هجيناً معرفياً مشوهاً،
ومن أبرز مظاهره:
تسييس المفاهيم الكونية: تجد أستاذاً في
الفيزياء يفسر مفهوم “الإنتروبيا”
(القانون الثاني للديناميكا الحرارية)
لكي يثبت فلسفياً حتمية يوم القيامة،
أو يطوع ميكانيكا الكم لإثبات الغيبيات
والملائكة، أو يختزل نظرية التطور في
الكيمياء الحيوية ليدحضها بتبسيط مخل.
النصيّة الميكانيكية: يُعاد إنتاج الدين هنا
ليس كقيم روحية، بل كـ “معادلات باردة”
. هذا التفسير القائم على “الذات العلمية
المنبهرة بأدواتها” يرسخ في وعي
المجتمع أن الحقيقة الدينية مشروطة
بالنتيجة المختبرية الحالية. - خطورة “سلطة البدلة
والبالطو الأبيض”
(The Authority of the Lab Coat)
في مجتمعاتنا، يمتلك الأكاديمي والبروفيسور
سلطة رمزية هائلة (Prestige).
عندما يقدم رجل الشارع العادي نصيحة
دينية، يُنظر إليها كفولكلور أو وعظ تقليدي
. لكن عندما يتحدث بروفيسور في الفيزياء
والسبحة في يده، يحدث “خلط مرجعيات”
خطير لدى المتلقي:
المجتمع يتصور أن البروفيسور يتحدث
بلسان “العلم القطعي”، بينما هو في
الحقيقة يتحدث بلسان “أيديولوجيته
وقبلياته النفسية”.
هذا التشويش يمنع المجتمع من وعي
الفارق الجوهري بين “العلم كمنهج إجرائي
متطور وقابل للدحض” وبين “الدين
كمنظومة إيمان وثبات وجودي”. - لماذا يقع البروفيسور في هذا الفخ؟
(نرجسية التخصص)
البروفيسور، بحكم تفرده المعرفي،
يقع أحياناً في “نرجسية إبستمولوجية”؛
يعتقد أن امتلاكه لمفاتيح العلوم الدقيقة
يمنحه بالضرورة الأهلية لفك شفرات
الميتافيزيقا والتاريخ واللاهوت.
إنه يرفض أن يكون “هامشاً” في
القضايا الكبرى للمجتمع، فيستخدم
“مركزيته العلمية” لكي يصبح مشرعاً
دينياً وروحياً.
خلاصة المشهد:
إن تجول البروفيسور بالسبحة
ومحاولته قسر العلم على الدين هو
التجسيد الحي لـ “انتقام الغربال العَقلي”
. فالآلات الرقمية وأجهزة القياس استطاعت
طرد الميتافيزيقا من المختبر، لكنها
لم تستطع طردها من
“سيكولوجية العالم” نفسه.
هذا الهجين يُنتج مجتمعاً مشوشاً؛
مجتمعاً يستهلك التكنولوجيا المعاصرة
(غير الخطابية) بعقول محكومة بأشد
الغرابيل الميتافيزيقية عتاقة (خطابية)،
حيث تصبح النظريات العلمية مجرد
“أدوات وعظية” جديدة، وتفقد صدمتها
المعرفية التي كان من المفترض أن تحرر
الوعي الفلسفي للمجتمع.
أمام هذا التشويش النخبوي والمجتمعي،
هل الحل يكمن في فصل حاسم
يشبه (علمانية المعرفة)—أي عزل المنهج
العلمي تماماً عن الفضاء العام—أم أن العقل
البشري بطبيعته الجمعية سيظل دائماً
يخلط الأوراق بحثاً عن “المعنى” حتى لو
كان على حساب “الحقيقة العلمية”؟
asuiket74@gmail.com
