خالد البلولة
منذ جاء نعي د.التجاني عبد القادر حامد، ظللت أتابع ما كُتب عنه بعد وفاته، وأتابع التعليقات أيضاً.وأتساءل:لماذا ندلق الأحبار والعواطف والمحبة مدحاً ونعياً بعد رحيل الشخص؟لماذا لا نعبر للناس عن بعض ما نحمله لهم من تقدير ومحبة وهم بيننا أحياء؟.كل الذين كتبوا عن التجاني أثنوا على أدبه وجليل أخلاقه. وكنت أتمنى لو قيل بعض ما قيل عنه بعد وفاته،وهو بيننا حي.
لا أعرف التجاني معرفة شخصية،فقط التقيته مرتين في قطر ومن الوهلة الأولى تشعر تجاهه بمحبة عميقة وألفة شديدة؛فقد كان فيه أدب عجيب، وصمت بليغ، وحضور هادئ يترك أثره في النفس.
(٢)
تعرفتُ على د.التجاني عبد القادر من خلال المقالات التي يكتبها في الصحافة وانتقل بها الي صفحته في الفيس بوك .. داومتُ على قراءة مقالاته النقدية للحركة الإسلامية، سواء في الصحافة أو عبر صفحته على «فيسبوك».كنت أتابع أفكاره ونقده، وأحاول أن أفهم التحولات التي مر بها فكره وموقفه من الحركة الإسلامية بعيداً عن الصورة التي قدّمتها كتابات الآخرين..فهو ابنها وتربى في كنفها .. ثم إتخذ موقفاً منها ..
اقتنيتُ في التسعينات كتابه «أصول الفكر السياسي في القرآن المكي»ايام شغفنا بالقراءة ومتابعة كل ما يكتب ،كان الكتاب عصياً على طالب مثلي انذاك يتلمس دربه ولم يكن لديه اهتمام كبير بالفكر السياسي، لكنه ترك لديّ انطباعاً بأن وراء ذلك الرجل الهادئ الذي عرفتُه لاحقاً عالماً واسعاً من التفكير والأسئلة.
(٣)
التقيتُ بروفيسور التجاني عبد القادر حامد عيانا بيانا مرتين ولأول مرة في الدوحة بقطر ..المرة الأولى كانت في مناسبة اجتماعية دعا إليها د. التجاني محمد الأمين، زميله في جامعة قطر وجمعت ثلة من معارفه السودانيين،الذين يقيمون في قطر او جاءوا اليها بعد الحرب او ما لفت نظري لم يكن صخابا،في سمته العام، كان رجلاً صموتاً هادئاً، كما عرفته في ذلك اللقاء…
وكعادة السودانيين، ما أن طرح الحديث في السياسة؛ وواقع السودان إبان الحرب، وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع ومآلاتها. وتحدث الجمع وأسهبوا.كان التجاني زاهداً في الحديث، وظل معظم الوقت مستمعاً، يتابع النقاش بهدوء، دون أن يتعجل الدخول فيه..كنت أراقبه وهو يصغي جيداً أكثر مما يتحدث، وكأن الصمت عنده سلوك ليقرأ ما يدور حوله. لم يكن متعجلاً إلى إبداء الرأي كلما طُرح موضوع،بل كان يمنح الآخرين مساحة للكلام،ثم يصغي إليهم باهتمام عجيب تواصل النقاش كل يدلي برايه ..وجزء من مسار النقاش في تلك الليلة تناول سقوط الانقاذ والحركة الاسلامية و الحرب،الدائرة في السودان وعجز الحكومة عن حماية المواطن من انتهاكات الدعامة الأمر الذي دفع كثيراً من المواطنين إلى الاستعصام بالقبيلة والأهل لحماية أنفسهم.
(٤)
واذكر أن أحد الحاضرين كان حادا في رأيه وأتهم التجاني أنه بمقالاته كان سبباً في سقوط الإنقاذ ،لم يرد عليه التجاني. وأخر تتطرق الي احتماء الناس بالقبيلة في مواجهة انتهاكات المليشيا وساله عن رايه في ذلك ان لم تخني الذاكرة وقال:- (ماذا يفعل المواطن،اذا عجزت الحكومة عن حمايته وعرضه يُنتهك، وأمواله تُسلب، حرائره تغتصب وأهله يُقتلون؟ ماذا يفعل سوى أن يحتمي بقبيلته وعزوته؟دفاعاً عن نفسه وعرضه وماله؟
احتدم النقاش بعد ذلك،ثم خيّم الصمت على الجميع للحظات ،قطع التجاني ذلك الصمت قائلاً،:في شيء من الحزم والجدية (أنا جئت هنا إلى دعوة عشاء،وليس للحديث في السياسة والحديث عن الحركة الاسلامية او تحربة الاسلاميين)
شعر د. التجاني محمد الأمين، (صاحب الدعوة) بتوتر النقاش فعمد الي إنهاء النقاش بصورة لطيفة قائلاً للحضور: ياجماعة انا ما معاكم في القصة ،دي هلمّوا إلى العشاء» بعد فرغنا من العشاء اخذت هاتفه على امل ان نتواصل،فالتقينا في مكتب الأستاذ عادل الباز بالدوحة ،ياتي بهدوء .ولا تشعربه ،يستاذن السكرتيرة .يدخل بهدوء ويخرج بذات الهدوء ..
لم يتذكرني في البداية، لكن، وكما نقول في السودان، يبدو تشابهت عليه الملامح (شايفك وين؟».ذكّرته بأننا التقينا في منزل د. التجاني محمد الأمين والأستاذ أبو بكر محمد إبراهيم وما إن أشرت إلى تلك المناسبة حتى تذكّرها؛ وما لفت انتباهي في المرة الثانية هو الأمر ذاته الذي لاحظته في المرة الأولى: أيثاره الصمت والإصغاء.يستمع أكثر مما يتحدث، يتابع حديث الآخرين بهدوء،. تجده متاملاً..باستمرار ..
(أخيرا)
تابعت عبر(فيسبوك)المقالات التي كُتبت عن الراحل، ولاحظت أن معظم الذين كتبوا عنه بمودة شديدة ،سواء كانوا من خارج التيار الإسلامي، او من الذين جايلوه.. لفتتني كثرة التعليقات التي ترحمت عليه، وبعضها استعادت ذكريات شخصية معه أيام الجامعة..لم اجد تعليقاً ناقماً عليه، فالرجل خلوق قولاً وفعلاً..
حاولت أن اسمع شهادة د. أبويكر محمد ايراهيم لكن العشرة ما بتهون، وقد زامله في ماليزيا، وفي جامعة قطر، وكان قريبًا منه، حتى لحظاته الأخيرة وعاش معه سنوات من الزمالة والصداقة…
لقد فقدت الأمة السودانية و الإسلامية مفكرًا عظيمًا، وبقي أثره في طلابه ومن عرفوه،وفي كتاباته وأفكاره التي ستظل شاهدة على حضوره..
رحم الله التجاني عبد القادر رحمة واسعة، وأحسن عزاء أهله ومحبيه.
