ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
كيف استطاعت دولة خرجت من واحدة من أسوأ الإبادات الجماعية في القرن العشرين أن تعيد بناء مؤسساتها واقتصادها وتتحول إلى نموذج للاستقرار في أفريقيا؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه السودان من هذه التجربة وهو يمر بمرحلة حرب وانهيار مؤسسي؟
«لا يبدأ السلام حين تصمت البنادق، بل حين يعود الناس إلى حقولهم ومدارسهم وأسواقهم.»
مقدمة
في عام ١٩٩٤ شهد العالم واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية فظاعة في التاريخ الحديث. ففي رواندا(Rwanda)، الدولة الصغيرة الواقعة في قلب منطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا، اندلعت موجة من العنف الجماعي خلال فترة قصيرة لم تتجاوز مئة يوم. وخلال تلك الأيام القليلة قُتل ما يقارب ثمانمائة ألف إنسان في واحدة من أسرع عمليات الإبادة الجماعية في التاريخ.
انهارت مؤسسات الدولة بالكامل. توقفت الإدارة الحكومية، تفككت القوات النظامية، وامتلأت الطرقات بالنازحين الفارين من العنف. عبر ملايين الروانديين الحدود نحو أوغندا وتنزانيا والكونغو، بينما بقيت البلاد في الداخل غارقة في الفوضى والخوف.
توقفت المدارس والمستشفيات، وتعطلت الإدارة الحكومية، وتلاشت الثقة بين المواطنين أنفسهم. بدا للكثير من المراقبين آنذاك أن رواندا قد تحولت إلى دولة فاشلة لن تقوم لها قائمة مرة أخرى.
لكن ما حدث بعد ذلك أصبح أحد أهم التحولات السياسية والتنموية في أفريقيا الحديثة. ففي أقل من ثلاثة عقود استطاعت رواندا أن تنتقل من حالة الإبادة الجماعية والانهيار الكامل إلى دولة مستقرة نسبياً ذات مؤسسات حكومية فعالة واقتصاد متنامٍ.
لم يكن هذا التحول نتيجة معجزة، بل نتيجة سياسات متدرجة بدأت أولاً باستعادة الأمن، ثم المصالحة الوطنية، ثم إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.
استعادة الأمن كشرط أولي للسلام
أول درس في التجربة الرواندية هو أن السلام لا يبدأ بالمفاوضات فقط، بل يبدأ باستعادة الأمن. فالدولة التي تفقد احتكارها للقوة لا تستطيع حماية مواطنيها، ولا تستطيع إيصال المساعدات الإنسانية، ولا يمكنها إعادة تشغيل الاقتصاد.
بعد انتهاء الإبادة الجماعية ركزت القيادة الجديدة على إعادة بناء الجيش والشرطة كمؤسسات وطنية منضبطة. تم تفكيك المليشيات المسلحة وإعادة فرض القانون في جميع أنحاء البلاد.
ومع استعادة الأمن بدأ النازحون يعودون تدريجياً إلى قراهم ومدنهم، وكان هذا الاستقرار الأمني الشرط الأساسي الذي سمح بعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. بدأت الأسواق تعمل من جديد، واستؤنفت الزراعة في القرى، وعادت المدارس والمراكز الصحية للعمل تدريجياً.
المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية
لكن الأمن وحده لم يكن كافياً. فالمجتمع الرواندي كان ممزقاً بعد الإبادة الجماعية، وكان خطر الانتقام المتبادل يهدد أي محاولة لإعادة البناء.
لهذا السبب أنشأت رواندا نظام العدالة الانتقالية عبر محاكم الغاتشاتشا (Gacaca)، وهي محاكم مجتمعية مستوحاة من تقاليد محلية قديمة. شارك المواطنون أنفسهم في كشف الجرائم ومحاسبة المتورطين فيها، وفي الوقت نفسه فتح الباب أمام المصالحة الوطنية.
ساعد هذا النظام في تخفيف الاحتقان الاجتماعي وسمح للمجتمع بأن يبدأ عملية الشفاء التدريجي بعد سنوات من العنف.
تحويل الإغاثة الإنسانية إلى تنمية اقتصادية
بعد استقرار الوضع الأمني بدأت رواندا تحويل المساعدات الإنسانية إلى برامج تنموية طويلة الأجل. وكان التركيز الأساسي على الاقتصاد الريفي.
ومن أبرز البرامج التي أطلقت برنامج “جيرينكا” المعروف ببرنامج “بقرة لكل أسرة فقيرة”. ساهم هذا البرنامج في تحسين التغذية وزيادة دخل الأسر الريفية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في القرى.
كما شجعت الحكومة إنشاء التعاونيات الزراعية، خاصة في إنتاج القهوة والشاي. وبفضل هذه السياسات أصبحت القهوة الرواندية من المنتجات المعروفة في الأسواق العالمية، مما ساعد المزارعين على الحصول على أسعار أفضل لمنتجاتهم.
دعم الأسر الفقيرة والتمويل الأصغر
إلى جانب ذلك لعبت برامج التحويلات النقدية المباشرة دوراً مهماً في دعم الأسر الفقيرة، حيث سمحت للعائلات بالاستثمار في الزراعة أو إنشاء مشاريع صغيرة، وأسهمت في تحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
الزراعة والبيئة أساس الاستقرار
إحدى السمات المهمة في التجربة الرواندية هي الربط بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. فقد أطلقت الحكومة برامج واسعة لإعادة التشجير وتنظيم استخدام الأراضي الزراعية وحماية التربة من التدهور.
هذا التوجه ساعد في ضمان استدامة الإنتاج الزراعي وفي حماية الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها الاقتصاد الريفي.
الدروس المهمة للسودان
تقدم تجربة رواندا عدة دروس مهمة للسودان.
الدرس الاول : أول هذه الدروس أن استعادة الأمن وتوحيد البندقية شرط أساسي لأي عملية إعادة بناء. فلا يمكن للاقتصاد أن يعمل ولا يمكن للمجتمع أن يتعافى في ظل الفوضى الأمنية.
الدرس الثاني هو أهمية العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. فالمجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى آليات للعدالة والمصالحة تسمح بإعادة بناء الثقة بين المواطنين.
أما الدرس الثالث فهو أن الاقتصاد الريفي يمكن أن يكون أساس الاستقرار في دولة زراعية مثل السودان.
لكن هناك فرقاً مهماً بين التجربتين. فرواندا تعرضت لتدمير هائل خلال فترة قصيرة ثم بدأت عملية إعادة البناء بسرعة، بينما تعرض السودان لعملية تدمير مؤسسي طويلة الأمد نتيجة سياسات التمكين والفساد التي استمرت لعقود.
ولهذا فإن مهمة سودان التأسيس لن تكون مجرد إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل إعادة تأسيس الدولة نفسها على أسس جديدة من الحكم الرشيد والمؤسسات المهنية.
ومن المفارقات الدالة على حجم التحول الذي شهدته رواندا أنها، بعد أن كانت دولة غارقة في النزوح واللجوء في تسعينيات القرن الماضي، أصبحت اليوم من الدول التي تستقبل اللاجئين في أفريقيا، إذ يعيش فيها ما يقارب مليون لاجئ ومهاجر من دول الجوار ومن مناطق النزاعات.
الدرس الحاسم: توحيد البندقية
من أهم الدروس في التجربة الرواندية أن بناء السلام لا يمكن أن يتم في ظل تعدد الجيوش والمليشيات.
فبعد انتهاء الحرب أعادت رواندا بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة تحت سلطة الدولة. استعادة احتكار الدولة للسلاح كانت شرطاً أساسياً لعودة الأمن وإطلاق عملية إعادة البناء.
وهذا الدرس بالغ الأهمية للسودان اليوم، فالدولة لا يمكن أن تستقر إذا ظلت البنادق موزعة بين جيوش ومليشيات متعددة الولاءات.
لذلك فإن أحد الشروط الأساسية لنجاح مشروع سودان التأسيس هو تقليص عدد البنادق في البلاد إلى بندقية وطنية واحدة حاسمة منتصرة، ملتزمة بدستور التأسيس وخاضعة للسلطة الدستورية المدنية.
خاتمة
إن التجربة الرواندية تذكرنا بأن الدول لا تنهض فقط عندما تتوقف الحروب، بل عندما تبدأ عملية إعادة بناء المجتمع والاقتصاد والمؤسسات في الوقت نفسه.
والسودان اليوم يقف أمام فرصة تاريخية مشابهة. فإذا نجح في توحيد مؤسساته العسكرية والأمنية وإطلاق نهضة اقتصادية ريفية تعيد الحياة إلى القرى والمدن، فإن السلام لن يكون مجرد نهاية للحرب بل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية وبناء الدولة.
كلمة أخيرة
إن الدول لا تُقاس بحجم المأساة التي مرت بها، بل بقدرتها على تحويل تلك المأساة إلى بداية جديدة. فالحروب قد تدمر المدن والقرى لكنها لا تستطيع أن تدمر إرادة الشعوب في إعادة بناء أوطانها.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي مؤسس في تحالف تأسيس السودان
روما – إيطاليا ١٦ مارس ٢٠٢٦
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم