التحرر من النازية، قبل الإسلاميين

ناجي شريف بابكر
الجمعة الخامس من ديسمبر ٢٠٢٥
.

إذا أراد العالم مواجهة نتائج الغلوّ والتشدّد المتمثلة في أنشطة الإسلام السياسي الذي يدعم الأنظمة الشمولية والإستبدادية، إذا ما اتخذنا تجربة حكم الإنقاذ الاستبدادي القاهر في السودان وتجربة الدولة الإسلامية في الشام والعراق، كنموذجين غارقين في الإستبداد. يلزم ألا تقتصر مباضعه وعلاجاته على مجابهة الظواهر.. بل يتوجب عليه أن تلج مباضعه الجذور، إذا ماكان جادا في السعي لاجتثاث المشكلات من مكامنها النظرية وسردياتها المقدّسة. بمناسبة ما راج في الأيام المتأخرة عن سعي المشرّع الأمريكي من خلال سن التشريعات التي تعاقب التنظيم العالمي للأخوان المسلمين بحظره وتجفيف مصادره وقنواته التمويلية.

إن الأخوان المسلمين وتنظيم الجهاد الإسلامي والقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية والتنظيمات الدينية المتشددة المماثلة لها، تلك التي تستند على عقائد خلاف الإسلام كالحركة الصهيونية، وحزب شاس المتشدد اليهودي، أحزاب اليمين الفرنسي والمحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية (ذا نيو كونزيرفاتيف آرثودوكس) والنازيون الجدد وخلافهم. هذه التنظيمات والتكتلات السياسية تتفق جميعا على الصفوية او التفوق والإنتخاب الطبيعي، أي أن القاسم المشترك لعضويتها لا يتمثل في التوافق على برامج سياسية يرغبون في الدفع بها وترويجها لمصلحة الناس وتحسين أوضاعهم، لا.. ليس كذلك، إنما القاسم المشترك هو النقاء والتفوق على الآخر المختلف، إعتمد ذلك التفوّق على العقيدة، أو الطائفة، العرق أو اللون لا يهم. إنما هو تفوق يجعل النظرة إلى الآخر تتجاوز مسألة المواطنة والإنسانية، وتعتبر أن اختلاف الآخر، يكفي لشيطنته وتجريده من الحق المتساوي الذي تمنحه له الإنسانية، المواطنة وشراكة الأرض.. وربما تتجاوز ذلك في حدّها الأقصى لتجريده من نصيبه في الثروات، بل حتى من حقه في الحياة.. هنا تكمن أم الكبائر، المغالطة الملعونة والمشكلة الجذرية التي يتحتم على المشرّعين حول العالم مجابهتها والشروع في إبطالها.

يحتاج العالم أن يتواثق فيه الناس بقوة وعزيمة لقطع الطريق على أي أفكار أو معتقدات هدّامة من تلك الشاكلة، تطعن في كرامة الناس بحجة الإختلاف وتقسمهم إلى طيبين وأشرار، تلك التي تقدم إيرادها أو تلك التي تماثلها، من ان تتسلل وأن تجد شرعيتها والجهر بها، أو أن تتخفى تحت دثار المنظمات غير الحكومية، او الأحزاب السياسية المسموح لها بالنشاط العلني واعتلاء المنابر ووسائل التواصل الإجتماعي، وخوض الإنتخابات.. يتحتم على القوانين أن تعتبر الترويج لدعوات كتلك باعتبارها جنحٌ شيطانية هدامة. إذ أن مثل هذه المبادئ تهدم وتناقض نظرية العقد الإجتماعي التي قامت وتوافقت عليها المجتمعات المدنية الإنسانية الحديثة.. وتتناقض حتى مع الحقوق التي أرستها مواثيق العهد الدولي لحقوق الإنسان الذي توافقت عليه كل الدول الحرة، إن لم يكن طبقته حرفيا لكنها تحترمه وتعترف به اعترافا كاملا غير منقوص .

العالم لا يحتاج لمعركة حامية ضد الحركات الإسلامية بجريرة إسلامها كما يحلو لهم أن يوهموا الناس بذلك حتى يتثنى لهم تصوير المعركة وكأنها معركة كل المسلمين، بمن فيهم أولئك الذين كانوا يوما ضحايا لإنتقائية تلك الحركات، عسفها واستئثارها بالأراضي والثروات. إنما على العالم ان يحارب أوهامها وضلالاتها الطهورية بالتفوق والإنتقائية للحد الذي يدفعها للفتك بحياة الآخرين، حقوقهم ومصالحهم. يحتاج العالم أكثر للشروع الفوري في تجريم الأفكار النازية الظلامية المتشددة، التي تطعن في المساواة وتفرق بين أبناء الوطن الواحد، إعتمادا على العرق أو الطائفة او اللون او الدين، أيا كان من يحملها اعلنها أم أخفاها. فالناس سواسية كأسنان المشط قبل العرق وقبل الدين..

إن من يقدح في تلك المبادئ الإنسانية يتحتم اعتباره مناصرا للأبارتايد وخارجا على السلام والقانون، خطرا داهما على ما أنجزته الإنسانية في كفاحها الطويل ضد القهر والسخرة والإستعباد.
إنتهى..
E-Mail
nagibabiker@gmail.com

عن ناجي شريف بابكر

ناجي شريف بابكر

شاهد أيضاً

العرفان والحق.. ليسوا بغرماء .. صمتنا يفتك بنا أكثر مما يفعل الرصاص

Keep my ass, I mind yours من المفاهيم الضمنية التي يبدو أنها مسئولة عن واحدة …