التحول الاقتصادي من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية المستدامة

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان – مقالات من بطون كتب
التمهيد

يشهد العالم العربي، ومعه معظم دول الجنوب، تحولات متسارعة في بنية الاقتصاد والسياسات العامة. ومع ذلك، ووفق ماتشير بعض الكتب المرجعيه انه لا تزال إدارة الاقتصاد في كثير من الحالات محكومة بثقافة “إدارة الأزمات” أكثر من ثقافة “إدارة التنمية”. وتكمن الفجوة في غياب الرؤية طويلة المدى، وضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة، وغياب النهج المؤسسي القائم على المعرفة والابتكار.
هذا المقال يتناول بتحليل أكاديمي مسار الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية المستدامة، مستندًا إلى تجارب دولية ومراجع فكرية واقتصادية رصينة.

أولًا: منطق إدارة الأزمات في الاقتصاد العربي

تقوم إدارة الأزمات على رد الفعل لا الفعل، حيث تُستدعى الحلول المؤقتة بعد وقوع الضرر. وتُختزل السياسات الاقتصادية في إجراءات مالية طارئة، مثل تخفيض العملة أو فرض القيود على الواردات أو الدعم المؤقت للسلع الأساسية.
هذا النمط من الإدارة رسّخ “اقتصاد الصمود السلبي” الذي يواجه الصدمات دون أن يملك أدوات تجنبها. وقد أشار الاقتصادي المصري الدكتور جلال أمين إلى أن “كثرة الأزمات لا تعني الحيوية الاقتصادية، بل قد تعني غياب الرؤية المؤسسية وفساد الأولويات”.

ثانيًا: من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية

إدارة التنمية ليست مجرد استقرار اقتصادي، بل هي عملية بناء مستمرة تشمل التخطيط المتكامل، تعبئة الموارد، وتنمية القدرات البشرية والمؤسسية.
وتتبنى الأمم المتحدة والبنك الدولي مفهوم “التحول البنيوي”، أي نقل الاقتصاد من الاعتماد على الموارد الأولية إلى اقتصاد المعرفة والإنتاج. أما في التجارب الآسيوية (كوريا الجنوبية، ماليزيا، وسنغافورة)، فقد تحقق الانتقال عبر ربط التعليم بالاقتصاد، ووضع استراتيجيات وطنية تستمر رغم تغير الحكومات.

ثالثًا: أركان إدارة التنمية المستدامة

يمكن حصر ركائز إدارة التنمية المستدامة في ثلاث دوائر متكاملة:

  1. التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى:
    يتطلب مؤسسات قادرة على تحليل المتغيرات ورسم السياسات بناء على الأدلة لا الانطباعات.
  2. إدارة الموارد بكفاءة وعدالة:
    فالموارد ليست فقط مالية، بل بشرية وطبيعية وتقنية، ويجب إدارتها وفق مبدأ الاستدامة لا الاستهلاك.
  3. المساءلة والحوكمة الرشيدة:
    إذ لا تنجح التنمية في بيئة يغيب عنها تقييم الأداء والمحاسبة على النتائج.

رابعًا: التحول المطلوب في الفكر الاقتصادي العربي

تحتاج الدول العربية إلى تحول ذهني قبل التحول الهيكلي؛ أي الانتقال من التفكير في الأزمة إلى التفكير في الفرصة.
ويتطلب ذلك:

ربط التعليم والبحث العلمي بالتنمية الاقتصادية.

تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

بناء أجهزة حكومية مرنة تعتمد على التحليل لا البيروقراطية.

وقد أشار الاقتصادي المغربي د. الطيب بوعزة إلى أن “مستقبل التنمية العربية مرهون بقدرة الإدارات الاقتصادية على التعلم المؤسسي، لا على الاتكال الريعي”.

خامسًا: مقارنة مختصرة بالتجارب الدولية

في كوريا الجنوبية، تحولت الدولة من اقتصاد منهار بعد الحرب إلى اقتصاد صناعي متقدم بفضل مركزية مجلس التنمية الوطنية الذي وضع خططًا خمسية صارمة.

في ماليزيا، قامت خطة “رؤية 2020” على مبدأ تحويل كل أزمة إلى فرصة، فتم تحويل هبوط أسعار المطاط إلى حافز لتنويع القاعدة الإنتاجية.

أما في العالم العربي، فإن غياب التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية والمالية يجعل الاستراتيجيات تتعثر قبل اكتمالها.

الخاتمة والراي التحليلي

إن الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية المستدامة ليس مجرد تغيير في الأدوات، بل هو تحول ثقافي ومؤسسي شامل.
فالدول التي تعالج مشكلاتها بالمهدئات الاقتصادية تبقى رهينة للأزمات، بينما تلك التي تبني مؤسساتها على المعرفة والمساءلة تضع أساسًا لتنمية لا تنقطع.
وفي الرأي المهني، فإن أول طريق الإصلاح يبدأ من إعادة تعريف وظيفة الإدارة الاقتصادية بوصفها أداة لبناء المستقبل لا لتسكين الحاضر، ومن هنا فقط يمكن للعالم العربي أن ينتقل من اقتصاد التكيف إلى اقتصاد الإبداع.

المراجع

  1. جلال أمين، التنمية والحرية في العالم العربي، دار الشروق، القاهرة.
  2. الطيب بوعزة، التحول الاقتصادي العربي وآفاق التنمية المستدامة، الرباط، 2020.
  3. البنك الدولي، تقارير التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إصدارات متعددة.
  4. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية العربية، نيويورك.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …