التحول الديمقراطي في السودان: عملية الولادة التي تم اجهاضها

أمير حميده ابوالمك
مستشار حوكمة المؤسسات

💠الخطيئة التي قوضت التحول: الشراكة مع العسكر (البرهان – حميدتي)

تمثلت “الخطيئة الأصلية” للفترة الانتقالية في ذلك التحالف الذي تشكل بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي. فقد أقدمت القوى المدنية على تحالف مصيري مع مؤسسة عسكرية تمتلك تاريخاً طويلاً في الحكم الاستبدادي، وذلك بدافع الضرورة العملية لتجنب المواجهة الدموية وإدارة المرحلة الانتقالية.

من الناحية التحليلية، مثل هذا التحالف يمنح الطرف العسكري الشرعية والشعبية التي يحتاجها، بينما يحصل الشركاء المدنيون على سلطة شكلية. لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن مثل هذه التحالفات تنتهي دائماً لصالح الطرف غير الديمقراطي عندما تتصادم المصالح، وهو ما حدث تماماً في الحالة السودانية.

💠فشل الحراسة الداخلية: هشاشة الأحزاب السياسية

أظهرت الأحزاب السياسية ضمن تحالف قوى الحرية والتغيير فشلاً واضحاً في ممارسة دور “الحارس” للعملية الديمقراطية الناشئة. بدلاً من توحيد الصفوف لتحصين الانتقال السياسي، انشغلت هذه الأحزاب بالصراعات الداخلية والانقسامات والتنافس على النفوذ والمناصب.

لم يستطع التحالف المدني تحويل نفسه من ائتلاف احتجاجي إلى كتلة سياسية متماسكة قادرة على الحكم الفعال والدفاع عن العملية الانتقالية. كما بدأت بعض المكونات السياسية تفقد ارتباطها بالقاعدة الشعبية التي أوصلتها إلى السلطة، مما أفقدها القدرة على حشد الدعم الدفاعي عندما تعرضت العملية الانتقالية للخطر.

💠التفكيك التدريجي للشراكة

قبل الانقلاب العسكري المباشر، شهد السودان عملية تفكيك منهجية للشراكة بين المدنيين والعسكر. تمثلت هذه العملية في احتفاظ الجيش بسيطرته على الموارد الاقتصادية والامتيازات المالية خارج إطار السلطة المدنية، مع شن حملات إعلامية ممنهجة هدفت إلى تقويض شرعية الحكومة المدنية ووصفها بالفشل وعدم الكفاءة.

كما ساهمت الأوضاع الأمنية المتدهورة والانهيار الاقتصادي المتصاعد في خلق بيئة مواتية مهدت لتدخل الجيش تحت ذريعة “إنقاذ البلاد”.

💠غياب المعايير غير المكتوبة

تميزت علاقة الشراكة بين المدنيين والعسكر بغياب كامل للمعايير غير المكتوبة التي تضمن استدامة التحول الديمقراطي. فبدلاً من “التسامح المتبادل” الذي يعني اعتبار الطرف الآخر شريكاً شرعياً، نظر العسكر إلى شركائهم المدنيين كمنافسين على السلطة يجب تحييدهم.

كذلك، لم يمارس الطرف العسكري “ضبط النفس” في استخدام أدوات القوة المتاحة له، بل استغل نفوذه الاقتصادي وإمكاناته الإعلامية وأجهزته الأمنية لتعزيز موقعه على حساب الشركاء المدنيين.

💠الدروس المستقبلية

يقدم إخفاق التجربة الانتقالية السودانية دروساً بالغة الأهمية لأي محاولة مستقبلية للتحول الديمقراطي. أول هذه الدروس هو أن أي شراكة مع العسكر يجب أن تكون مؤقتة ومشروطة بإخضاع المؤسسة العسكرية بالكامل للسلطة المدنية، ونزع اقتصادها الموازي، وإعادة هيكلتها جذرياً.

كما يتطلب النجاح إصلاحاً جوهرياً في بنية الأحزاب السياسية وأدائها، لتصبح قادرة على بناء تحالفات مستقرة تقوم على البرامج وليس المصالح الضيقة. والأهم من ذلك، أن حماية المعايير الديمقراطية غير المكتوبة، مثل الاعتراف بشرعية الخصم وضبط النفس في ممارسة السلطة، تمثل عاملاً حاسماً في حماية أي عملية ديمقراطية ناشئة.

ختاماً، تظهر الحالة السودانية أن التحول الديمقراطي لا ينهار فقط بالانقلابات العسكرية المفاجئة، بل من خلال عملية تدريجية من التفكك تبدأ بتحالفات خاطئة، وتستمر بضعف الأداء الحزبي، وتنتهي بانهيار الشراكة تحت ضغط الطرف الأكثر تنظيماً والأقل التزاماً بالمعايير الديمقراطية.
golden.wrist.sd@gmail.com

عن أمير حميده ابو المك

شاهد أيضاً

بابنوسة: قميرة عمري ما بنساها…

بابنوسة: قميرة عمري ما بنساها…مدينة السودان التي حلمت بالحداثة.. فإبتلعتها الحربgolden.wrist.sd@gmail.com بقلم: الابن الحزين/ أمير …