لعل من أفدح ما ترتب على الحرب المتطاولة أن صار المثقف الوطني فاقداً سياسياً كبيراً. وأعنى بهذا المثقف ذا النظر المحيط الذي، في تعريف إدورد سعيد، يصدع بالحق ويأخذ سائر أهل الشوكة بغير رحمة. فقد فرضت الحرب وتجفيف المجتمع المدني وضعاً صار به المثقف عالة على أطراف المعركة. وكان أكبر رزئنا في المثقف المعارض. فصار في تباعة حملة السلاح في الهامش معطلاً نقده (إن وجد) إلى يوم تسقط الإنقاذ. بل صارت صفة أكثرهم النيلية العربية سبباً للإستحياء من الحق. وأنتهز ثائر الهامش هذه الصفة لترويعهم وإخذائهم ونسبة ما ربما ما يطرأ لهم من حق إلى رجوعهم القهقرى إلى “إسلاموعروبيتهم” وبيتهم الإنقاذي الأصيل.
وصار الهامش المسلح عجلاً مقدساً. يفعل ما بدا له ولا معقب. وخضعنا طوال العقود الماضية لابتذال غير عادي باسم الثورية والتغيير جعل السياسة مسرحاً كبيراً للامعقول. ونضرب مثلاً. فبينما تتلاحق الإدانات والرجاءات حركة العدل والمساواة أن تطلق أسراها (34 عددا) من حركة المرحوم بشر محمد التي انشقت عنها، نشر سيف مساعد، من عتاة إعلامييّ العدل والمساواة، على الإنترنت خبراً حزيناً عن من لقي ربه أسيراً لدي الحركة. فنشر عن إدارة الشؤون الإنسانية بالحركة وفاة المقدم مهدي حامد احمد حمد من منطقة السميح في ولاية شمال كردفان في يوم 24 مايو 2013. وكان المقدم أسيراً لدى الحركة منذ العام 2007 بعد معركة جلجلا في ولاية غرب دارفور. وجاء سبب الوفاة لإصابته في قصف جوي من الإنقاذ على الحركة في معركة أم قرناً جاك.
لم يقبل مساعد ممن قرعه بلطف أو شدة على هذا الفعل المنكر. فلا يكفي أنهم أسروا المرحوم لخمس سنوات فحسب بل عرضوا حياته للخطر باستصحابه إلى ميدان معارك لم يعد له دخلاً فيها. وألقى سيف بعصاتهم المضمونة وهي قولهم إن سجل الحركة في أسراها أفضل من الإنقاذ. ثم جاء وأعوانه بصورة لأسير عليه آثار تعذيب مؤلمة واضحة قالوا إنها من فعل الإتقاذ. وتدخل صلاح جادات، وهو من عتاة إعلاميّ الحركة أيضاً، ليعلق على صورة لأسير قيل إن لإنقاذ عذبته فقال: “تعالو شوفو بشاعة معاملة الإنقاذ للأسرى”. ودعا أحدهم لكي يأتوا بفديو قرنق، تقدس سره، يخطب في أسرى من الدفاع الشعبي ليعرف الناس نبل الهامش المسلح وعنايته بأسراه. وخطب قرنق يؤمن الأسرى على حياتهم. وبدا لي من دلائل واضحة أن الفيديو من صنع علاقات قرنق العامة. ما همانا. وفي هذا الفديو يفخر قرنق بأنه من فرط عقيدته في الوحدة كان أول قتلى حركته جنوبيين إنفصاليين. ويجد بعضنا في قرنق رأفة بالأسرى ولا يمانع في شرعته في قتل حامل الرأي المخالف.
قال أكاديمي يهودي إن إسرائيل وجدت في الهولكست سبباً لتسير في طريق الرداءة إلى نهاياته القصوى. وجعل مسلحو الهامش من الإنقاذ ذريعة لتنكب الطريق والإفراط في الرداءة. ويقبل مثقفو المعارضة من اليساريين بالذات بتلك الرداءة في الأسر الإجمالي الجزافي طويل المدى العادي، زي الزبادي. ولا يطرأ لهم أن استحسانهم مثل هذا المنطق الفاسد (أينا أبشع: ثوار الهامش أم الإنقاذ؟) هو بداية التنصل عن الثقافة. هو تخثر الذوق. وخيانة الثقافة
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم