التصنيف الإرهابي… أداة لجرّ الإخوان إلى مقايضات قذرة أم إعلان سقوط الجماعة من الحسابات الامريكية؟

إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com

من الصعب قراءة علاقة الولايات المتحدة بجماعة الإخوان المسلمين خارج سياق التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي. فالجماعة التي رأت فيها واشنطن، ذات يوم، فرصةً لاحتواء المدّ الشيوعي… تحوّلت لاحقًا إلى عبء، ثم إلى شريك محتمل في لحظات، قبل أن تعود ورقةً مربكة لا تعرف الإدارات الأمريكية كيف تمسك بها دون أن تحترق أصابعها.

فمنذ بدايات الاتصال الأول في خمسينيات القرن العشرين، حين اعتبر دبلوماسيون أمريكيون أن “الإخوان” قد يشكّلون سدًّا أيديولوجيًا ضد السوفييت، مرورًا بمرحلة الانفتاح الحذر في السبعينيات والثمانينيات، وصولًا إلى انفجار “الربيع العربي” بعد سنة ٢٠١١… ظلّت واشنطن تتعامل مع الجماعة وفق قاعدة واحدة: “لا مبادئ ثابتة… بل مصالح تتحرك”.

ومع أنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة – من إدارة “أيزنهاور” إلى إدارة “بايدن” – لم تصنّف الإخوان رسميًا كـ”جماعة إرهابية”، إلا أنّ النقاش حول هذا التصنيف لم يغب يومًا عن مراكز القرار. ففي كل مرة كانت واشنطن تلوّح بخيار التصنيف، كانت تفعل ذلك لا من باب القناعة بكون الجماعة “منظمة إرهابية” بالمعنى الأمني الصارم، بل بوصفه أداة ضغط… عصا دبلوماسية تُشهر حين تريد الولايات المتحدة من الإخوان تقديم تنازلات معينة: قبول اللعبة الديمقراطية بشروط أمريكية، الالتزام باتفاقيات السلام، ضبط الخطاب الديني، أو تقديم ضمانات بعدم اللجوء إلى العنف. كان ذلك واضحًا خلال سنوات ما بعد ٢٠١١، حين سارعت واشنطن إلى التعامل مع فروع الإخوان المنتخبة في “تونس” و”مصر”، لا لأنها تؤمن بالمشروع الإسلامي السياسي، بل لأنّ صناديق الاقتراع فرضت واقعًا لا يمكن تجاهله… ولأنّ الإخوان كانوا – في تلك اللحظة – أداة مفيدة لإبعاد المنطقة عن حافة التطرف المسلح.

لكنّ هذه “البراغماتية” لم تدم طويلًا. فقد جاء انقلاب سنة ٢٠١٣ في مصر ليكشف حدود الرهان الأمريكي على الإسلام السياسي المعتدل. فحين اضطرّت واشنطن إلى الاختيار بين “الديمقراطية” و”استقرار الحلفاء”، اختارت الثانية بلا تردد. وهنا بدأت تتبلور نظرة جديدة: الإخوان لم يعودوا حليفًا محتملًا، ولا حتى خيارًا اضطراريًا… بل ورقة تتآكل قيمتها كلما تغيرت الخرائط الإقليمية. ومع صعود أنظمة معادية للإخوان في “أبوظبي” و”الرياض” و”القاهرة”، ومع دخول المنطقة في موجة تطبيع جديدة واتفاقيات أمنية واسعة، وجد البيت الأبيض نفسه أمام جماعة فقدت معظم أوراقها الداخلية، وتضاءل تأثيرها الإقليمي، وخرجت من دائرة الفاعلية السياسية المباشرة.

من هنا يبرز السؤال الذي يشغل كثيرين اليوم: هل التلويح الأمريكي بتصنيف الإخوان “جماعة إرهابية” هو محاولة لابتزاز الجماعة ودفعها إلى تقديم تنازلات “قذرة” في ملفات المنطقة… أم أنّ الجماعة نفسها أصبحت ورقة محروقة لم تعد واشنطن بحاجة إليها؟ الحقيقة أنّ الأمرين معًا صحيحان، ولكن بدرجات مختلفة. فالإخوان، بالنسبة للولايات المتحدة، كانوا دائمًا “أداة وظيفية” أكثر منهم “حليفًا أيديولوجيًا”. وفي اللحظات التي احتاجت فيها واشنطن إلى قناة اتصال مع المجتمعات الإسلامية، أو إلى قوة منظمة يمكن أن توازن نفوذ اليسار والقوميين، لعب الإخوان هذا الدور. وفي اللحظات التي أرادت فيها واشنطن الضغط على أنظمة عربية معينة، كانت مجرد الإشارة إلى إمكانية “فتح الباب أمام الإسلاميين” كافية لإرباك الحسابات.

غير أنّ ميزان القوى اليوم تغيّر جذريًا. فالإخوان الذين كانوا، لعقود، قوة شعبية واسعة، باتوا بعد سنة ٢٠١٣ قوة مشتتة… محاصرة… فاقدة للنفوذ. لم يعد لهم ثقل في “مصر”، وتراجع نفوذهم في “تونس”، وتقلّص حضورهم في “السودان” بعد سقوط نظام البشير وتفكك شبكات الدولة القديمة. لذلك، فإنّ واشنطن – بخلاف ما كان يحدث في الماضي – لم تعد بحاجة إلى الجماعة كقناة، ولا كبديل، ولا كتهديد مضاد. وحتى حين تضغط بهم على بعض الأنظمة، فهي تفعل ذلك كمن يلوّح بورقة قديمة يعلم أنّها فقدت قيمتها، لكنها، مع ذلك، ما تزال صالحة للاستخدام الرمزي.

هكذا يصبح السؤال الحقيقي: هل تريد الولايات المتحدة من الإخوان “تنازلات” أم تريد “خروجهم من المشهد”؟ الجواب معقد، ولكنه يميل – بوضوح – إلى أنّ واشنطن لا تريد تصفية الجماعة بالكامل، لكنها أيضًا لا ترى في بقائها مكسبًا. تريدها ضعيفة… منضبطة… غير قادرة على إزعاج الأنظمة الحليفة، ولكنها في الوقت نفسه موجودة بدرجة كافية لتمثيل “الخيار الإسلامي غير العنيف” حين تحتاجه. ولهذا لم تُقدِم الولايات المتحدة – حتى في عهد “ترامب” – على تصنيف الجماعة إرهابية، رغم كل الضغوط العربية. فالتصنيف الكامل يعني إغلاق آخر نافذة يمكن استخدامها يومًا ما، بينما الإبقاء على التهديد دون التنفيذ يمنح واشنطن ورقة ضغط دائمة.

في النهاية، تتعامل واشنطن مع الإخوان وفق قاعدة بسيطة: “ليسوا حلفاء… وليسوا أعداء… بل مجرد أداة ينبغي أن تبقى قابلة للاستخدام”. لذلك فإنّ تلويح الولايات المتحدة بتصنيف الجماعة “منظمة إرهابية” هو، في جوهره، رسالة مزدوجة: ضغطٌ يُستخدم عند الحاجة… وتلويحٌ بنهاية ورقة لم تعد ذات قيمة. أما مستقبل هذه العلاقة، فيتوقف على ما إذا كانت المنطقة ستنتج مشهدًا سياسيًا جديدًا يحتاج إلى الإسلام السياسي من جديد… أم أنّ المرحلة التاريخية التي صنعت وزن الإخوان قد انتهت بالفعل، ولم يعد أمام الجماعة سوى أن تتحول إلى ظلٍّ باهت لفكرة كانت يومًا قادرة على تحريك الشارع… وصار اليوم يطويها الزمن ببطء.

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل …