بقلم الريح علي الريح محمد
منذ فترة لم اسمع او اقرا حديث عن احتمالات لإنطلاق مفاوضات بين طرفي الحرب في السودان، الى متى تظل كلمة مفاوضات موبقة وكبيرة تستوجب العقاب والسجن والمحاكمة والتهديد بالاعدام وانا افكر في ذلك.
نبهني صديقي الباقر ((ان شئ طبيعي في أصل الاشياء ايقاف الحروب بأتفاق سياسي عبر تفاوض بل ويمكن ان يتحالف طرفي الصراع مجددا ضد خصوم الامس حلفا اليوم خصوم الغد يعني مع اي اتفاق هناك تحول في موازين القوى. وعلى ذلك يفترض علينا اليقظة من اي اتفاق سياسي معزول عن جماهير الشعب السوداني خصوصا بما يحمله من الأحتمالات والمالات التي لاتخدم جماهير الشعب السوداني)) انتهى.
التنبيه صحيح بحكم ما يحصل في ظل الحرب المفتوحة الان، ولان التفاوض والاتفاق ضروري لايقاف الحرب والتفاوض لايبدا بقرارات من مجلس الأمن وضغوط من الخارجية الامريكية وانزارات من البنتاغون وعقوبات من وزارة الخزانة الامريكية وهو ما ينتظره ويرجوه البعض.
المفاوضات المطلوبة يجب أن تكون في إطار جهد وضغط محلي ودولي مع بعض، كما هي الحالة عليه في بقية الحروب في العالم هذا التكامل بين المجهودين يضع ايطارا شاملا لعملية وقف الحرب والجهد الدولي مطلوب بالذات للرقابة على مسالة وقف إطلاق النار، حتى يتثنى بداية التفاوض. وكل حروب السودان والقطائع السياسية انتهت باتفاق في دولة صديقة في تلك اللحظة لطرفي النزاع (اديس ابابا وجيبوتي ومصوع ونيفاشا والقاهرة واسمرا وغيرها). بينما فشل حوار الداخل في مؤتمر المائدة المستديرة. ودور هذا الإطار التفاوضي الإشراف وتسهيل التفاوض ومواكبته للاسس والمعائير المتعارف عليها وتأكيد احترام المرجعيات الناظمة لها من الطرفين.
كذلك فإن إطلاق المفاوضات لاتتم من جانب واحد وانما يستدعي أساساً وجود توافق «فعلي» من الطرفين حول مرجعيات التفاوض، وحول خريطة طريق لتنفيذ القرارات. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى دور يمكن ان تلعبه القوى الوطنية الحادبة على مصلحة البلاد والشخصيات الوطنية بالعمل بكافة السبل السلمية من اجل ايقاف الحرب. بما في ذلك اصدار البيانات وتقديم المذكرات والحشد من اجل ذلك وشحذ الهمم للمضي قدما في عملية السلام. ولابد من وقف النار والسياسات الحربية دون شروط مسبقة وتأمين مسارات المساعدات الإنسانية تحت إشراف ومراقبة أممية، وضروري تكليف لجان تحقيق دولية للتقصي حول كافة الانتهاكات التي تمت قبل وأثناء الحرب ومحاسبة المجرمين وتقديم مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية للمحكمة الجنائية الدولية لانه لا مجال مجددا للافلات من العقاب واهدار حقوق الشعب السوداني. ومن الطلوبات المهمة جدا فك إسر جميع المعتقلات والمعتقلين لدى طرفي الحرب والكشف عن أماكن المفقودات والمفقودين فهذا ما يهم الشعب السوداني.
اما الشروط المسبقة مثل بسط سيطرة حكومة بورتسودان على جميع الأراضي السودانية ودخول المليشيا في معسكرات، وألا يكون هنالك أي أسلحة من دون موافقة حكومة بورتسودان ولا سلطة غير سلطة حكومة بورتسودان فهذه شروط واوراق سابقة لاوانها مكانها طاولة المفاوضات وليس اشتراطات قبل التفاوض وهي شروط تعجيزية.
اذا اخذنا في الاعتبار موافقة الطرفين على النظام المدني فان ضبط الوجود الاجنبي في السودان والوثائق الثبوتية السودانية، وكذلك ابعاد الجيش من السياسة وحل ودمج المليشيات والحركات المسلحة في المجتمع وحصر السلاح لدى الجيش القومي السوداني فهذه معني بها السلطة المدنية القادمة. طبعا لا ننفي ان المطلوب في المقابل بعد التفاوض موقف صارم وعملي في متابعة حصرية السلاح وحل المليشيات التي تكونت بعد الحرب. يبدأ ذلك بالتأكيد في الوثائق والمواثيق أن قرار الحرب والسلم؛ الردع والإكراه في المفهوم العسكري والأمني، يجب أن يكون كلياً في يد السلطة المدنية، فلا توجد شراكة في القرار في أهم مجال سيادي للدولة، بين السلطة الوطنية وأطراف أخرى أياً كانت هذه الأطراف. وحدانية القرار في هذا الامر أهم عناصر تأكيد وتعزيز سيادة الدولة الفعلية وتحصين الوحدة الوطنية التي هي مصلحة للجميع في نهاية الأمر.
كذلك من المهم قبل البدء بالتفاوض، أو الأولوية المطلقة لإعطاء مصداقية للمفاوضات لاحقاً، يجب أن يكون عبر تنفيذ طرفي الحرب التزاماتهم فيما يخص اتفاق جدة الذي تم بين الطرفين بمعزل عن بقية القوى السودانية حيث لم يلتزم الطرفين عمليا ببنود الاتفاق.
يجب أن يكون واضحاً منذ البداية أن مرجعية المفاوضات تكمن في إحياء فعلي لاتفاقية جدة رغم التحفظات الكثيرة عليها. والتي التف عليه الطرفان بمحاولة الاتفاق في البحرين وجنوب السودان ولاحظنا كيف يسعى الطرفان من اجل كسب ود مسعد بولس مندوب ترامب للقرن الافريقي.
جدية المفاوضات إذا ما انطلقت، تكون بالتزام الطرفين بتلك الاتفاقية بوصفها مرجعية تفاوضية متفق عليها.
إذا ما أثير الحديث عن «تعزيز» اتفاقية جدة بسبب التطورات التي تخطتها الظروف والايام حسب بعض «النظريات»، فإن أي عمل في هذا المجال يجب أن يكون بشكل متوازن ومتزامن من حيث الإجراءات والالتزامات المطلوب اتخاذها من قبل طرفي الاتفاقية، وليس فقط بالطبع من طرف واحد.
إن مرجعية أي مفاوضات للسلام اتفاق جدة، بعد التأكيد بالطبع على ما أشرنا إليه انفا، الأمر الذي يؤكد مدى جدية الطرفين فيما ياتي من سلام قائم على احترام الحقوق المدنية المشروعة للسودانيين حيث التقاضي والتحقيق ومعرفة الحقائق، ويجب الالتزام بالتحقيق الدولي وعدم تكرار تجربة تحقيق فض الاعتصام.
ولجان التحقيق حول جرايم وخروقات الحرب تقوم بمساعدة أممية وعلى اسس وسوابق القوانين والأعراف الدولية ذات الصلة بالجرائم المشابهة.
هنالك كثير من العوائق والتحديات أمام ما أشرنا إليه. الأمر الذي يفترض تحركاً سودانياً ناشطاً ومبادراً تتصدى له جماهير الشعب السوداني وقوى الثورة والتغيير والتي تعمل على استعادة المسار الديمقراطي المدني. وهي القوى الموجهة لصناع الرأي العام للدفع نحو دعم الموقف الوطني والعمل على إحداث التغيير المطلوب في اتجاه وقف الحرب. ليس ذلك بالأمر السهل بالطبع؛ ولكنه يبقى بالأمر الأكثر من ضروري لتوفير الدعم المطلوب للمواطن السوداني. إن عدم المبادرة في مجال التفاوض يبقي السودانيين على قارعة الطريق في انتظار التكايا وفي الملاجئ بانتظار حلول الآخرين، وذلك بعد المعاناة من «حروب الآخرين». حروب لاناقة لهم فيها ولا جمل ودفعوا ثمنها غالياً على حساب انفسهم وعراضهم واموالهم.
elryahali@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم