لبنى أحمد حسين
عويل نساء، ونحيب شيوخ، وبكاء أطفال، وسط أوانٍ وأثاثات مبعثرة، وجدران مهدمة.
هذا ليس طيران البرهان، ولا مسيّرات حميدتي هذه المرة. إنها جرافات التكسير.
شهدت طيبة الشيخ عبد الباقي بولاية الجزيرة، وكمبو أربعة والخيرات بولاية الخرطوم، ومناطق أخرى، هدم عشرات بل مئات المنازل، وتشريد أسر، بدعوى التعدي على أراضٍ حكومية أو أراضٍ مخصصة لمرافق عامة. وبينما تتضارب الروايات حول الملكية وأسباب الإزالة، تبقى أسئلة كثيرة بلا إجابات.
ظهر مسؤول حكومي ببدلة رمادية، محاطًا بعشرات المدججين بالسلاح، لا ليوزع المؤن والخيام على من هُدمت بيوتهم، بل ليهدد بملاحقة من كُسرت بيوتهم بدفع غرامات إلى جانب التكسير!
بدايةً، أقول: أنا ضد ازدواجية المعايير في ملكية الأرض. لا يمكن أن تقول لي: هذه الأرض حصرًا لي لأنها أرض أجدادي، ثم تأتي في أرض أجدادي لتقول: الأرض للجميع، فكلنا سودانيون.
نعم، كلنا سودانيون، لكن يجب أن يكون نظام ملكية الأرض عادلًا وموحدًا في كل السودان.
وتوحيد المعايير يتم بإزالة النصوص المجحفة التي تكرّس للملكية القبلية، لا بالجرافات، ولا بتكسير بيوت البسطاء الذين لم يستشرهم أحد في اتفاقات قد تكرّس ملكية القبيلة للأرض على الورق. وعلى الأرض، حاشا ما سمعنا أن أحدًا من الشمالية أو الجزيرة طُرد أو مُنع من التملك في دارفور لأنها ليست أرض أجداده. فإذا أردنا دولة واحدة، فعلينا أن نحتكم إلى معيار واحد.
نعود إلى موضوع الجرافات.
السؤال الأول: من يملك الأرض؟ فهي إما ملكية خاصة أو حكومية.
إذا كانت ملكية خاصة، فقولًا واحدًا: اللجوء إلى القضاء هو الفيصل، ولا دخل لجهاز حماية الأراضي الحكومية في حسم نزاع بين زيد وعبيد على ملكية خاصة.
أما إذا كانت الأرض مملوكة للدولة أو مخصصة لمرفق حكومي، فلا أسأل: هل اتُّبعت إجراءات الإزالة؟ هل أُخطر السكان؟ متى صدر أول وآخر إنذار؟ هل مُنحت مهلة؟ هل كان هناك حق في الاعتراض؟ وهل حُصرت الأسر قبل التنفيذ؟ وهل وُضعت علامات “×” على البيوت المحددة للهدم قبل وصول الجرافات إليها؟
بل أسأل السؤال الأكبر: وماذا يفعل النازح في زمن الحرب؟
ماذا يفعل شخص نزح من دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق، بعدما شردته الحرب، ولا يملك حق الإيجار؟ أليس من الطبيعي أن يضرب راكوبته في العراء الذي تقول الدولة، التي لم توفر له خيمة، إنه من أملاكها؟
أم تريدون منه أن يتعدى على أملاك مواطنين آخرين؟ ويغذون ذلك بالقبلية لتنشب حرب أهلية؟
والسؤال موجه للسيد عز الدين، صاحب الجرافة، ولواليه، ورئيسهم البرهان.
ودون الدخول في جدل الحيازات، سواء كانت حديثة أو متوسطة أو طويلة الأمد، والحقوق التي قد تترتب على طول المدة، سأفترض أن هؤلاء السكان جاءوا فقط أمس الأول من ولاية النيل الأزرق، بعد أن شردتهم حربكم، واعتدوا على أرض حكومية فضاء، ونصبوا قطية من القش وسكنوا فيها.
ماذا تريدون منهم أن يفعلوا؟
هل وفرتم لهم مأوى؟
هل يلجأون إلى دول الجوار؟ أم يطيرون إلى المريخ؟
أم ستسددون لهم كلفة الإيجار المليارية؟
فالطبيعي، في ظروف كهذه، أن يجد النازح نفسه مضطرًا إلى “التعدي” على أرض حكومية فضاء، إذا لم تترك له الدولة خيارًا آخر. وهذا لا يجعل التعدي حقًا قانونيًا، لكنه يجعل الإزالة بلا بديل سياسة عمياء لا تحل المشكلة، وإنما تفاقمها.
لذلك، أدعو إلى اللجوء إلى القضاء في حالة النزاعات الخاصة. أما في الأراضي الحكومية الفضاء، فأدعو إلى تجميد الإزالات السكنية إلى حين انتهاء الحرب، ما لم يكن الإشغال يشكل خطرًا مباشرًا، كأن يقع في معابر السيول، أو تحت أسلاك الكهرباء، أو في مواقع تعيق وصول الخدمات والمرافق الحيوية.
ففي زمن الحرب، وفي بلد شُرّد فيه ملايين الناس، وتعيش فيه مناطق واسعة خارج سيطرة الدولة أو تحت خطر الهجمات، يكون واجب الدولة الأول هو حماية الناس وتوفير مأوى لهم، ولو مؤقتًا.
أما أن تهدم البيوت والرواكيب وتترك الأسر في العراء، فهذا ليس تصرف سلطة مسؤولة.
للأسف، لا أرى غير سلطة غشيمة تدفع الناس، من حيث تدري أو لا تدري، نحو الغضب والتمرد وحمل السلاح ضدها. فلا هي أوقفت أو حسمت الحرب التي شردت الناس، ولا هي آوتهم، ولا حتى تركتهم يرعون من خشاش الأرض.
وهذا عيب وحرام قبل أن يكون غير قانوني أو دستوري.
بهذا، أعلن تضامني مع كل الذين كُسرت بيوتهم ورواكيبهم في زمن الحرب. وأنا معكم من المحكمة الدستورية إلى المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.
فجهاز حماية الأراضي الحكومية جهة ولائية، أما الحق في السكن والحماية من التشريد فهو مسألة دستورية وحقوقية لا يجوز أن تُسحق بالجرافة.
وأتمنى أن يحسم الدستور والقانون هذا الجدل، حتى لا يتحول الاصطفاف حسب القبيلة مع هذا الطرف أو ضده إلى وقود للحرب، وقد يكون استدراجًا محتملًا لفتنة يستفيد منها من يريد توسيع الصراع وتعبئة القبائل للتمليش، لتكون وقودًا مجانيًا في حرب أراها تقودنا نحو تطبيق ما عُرف بـ”مثلث حمدي”.
منشن:
المحكمة الدستورية
المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب
جهاز حماية الأراضي الحكومية.
