الجالية اليهوديَّة في السُّودان: تأليف: محمد مصطفى النور .. تقديم: أحمد إبراهيم أبوشوك

الجالية اليهوديَّة في السُّودان: النَّشاط الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ (1898-1956)
تأليف
محمد مصطفى النور
تقديم
أحمد إبراهيم أبوشوك


الناشر
دار الريّس للنشر والتوزيع والترجمة- الشارقة (2025)

يُوثِّق كتاب “النَّشاط الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ للجالية اليهوديَّة في السُّودان”، لمؤلِّفه محمَّد مصطفى النُّور، تجربة الجالية اليهوديَّة في السُّودان، الَّتي تركت أثرًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا بارزًا في النِّصف الأوَّل من القرن العشرين (1900–1956). ويستند الكتاب إلى أطروحة تَقدَم بها المؤلَّف لنيل درجة الماجستير في الدِّراسات الأفريقيَّة والآسيويَّة في جامعة الخرطوم (عام 2009)، وكان هدفها الرَّئيس تحليل ديناميَّات التَّفاعل الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ بين الجالية اليهوديَّة من جهة، والسُّلطة الاستعماريَّة والمجتمع السُّودانيُّ من جهة أخرى، وذلك في ضوء التزام الجالية الدِّينيِّ، وانتمائها المكانيِّ للسُّودانيِّ، ودورها الوظيفيُّ في خدمة مصالحها الذَّاتيَّة وأجندة السُّلطة الإمبرياليَّة الَّتي وفَّرت لها الحماية القانونيَّة والسِّياسيَّة.
وقد بيَّنت الدِّراسة أنَّ الجالية اليهوديَّة في السُّودان لم تحظ باهتمام أكاديميّ كبير مقارنةً بالجاليات الأجنبيَّة الأخرى. ومن أبرز الأعمال الَّتي تناولت تاريخها كتاب إلي (إلياهو) سولومون مَلكَا (Eli Solomon Malka) عن “اليهود في السُّودان: أبناء يعقوب في بقعة المهدي” ، الصَّادر عن مطبعة جامعة سيراكيوز الأمريكيَّة عام 1997. ويتميَّز هذا العمل عن غيره من الدِّراسات الثَّانويَّة ذات الصِّلة ؛ لأنَّ مُؤلِّفه كان شاهد عيان ومشارك فعليّ في كثير من أحداثه التَّاريخيَّة، حيث عايش هجرة اليهود السَّفارديم إلى السُّودان، وتوظيف السُّلطات الاستعماريَّة لمهاراتهم التِّجاريَّة والدِّيوانيَّة في تنفيذ سياساتها الإمبرياليَّة، كما وثَّق طبيعة الأنشطة الاقتصاديَّة الَّتي مارسوها، والعلاقات الاجتماعيَّة الَّتي أسَّسوها داخليًّا وخارجيًّا، والأسباب الَّتي دفعتهم إلى مغادرة البلاد بعد الاستقلال. ويشتمل الكتاب في جزئه الثَّاني على جوانب من السِّيرة الذَّاتيَّة للمؤلِّف، متضمِّنةً ذكريات طفولته في السُّودان، وتفاصيل زواجه، وأسرته الصَّغيرة والممتدَّة، ومقتطفاتٍ من حياته الاجتماعيَّة في الخرطوم، إلى جانب تطوُّر أعماله التِّجاريَّة وتنقُّلاته بين السُّودان والدُّول المجاورة، ثمَّ فصول من حياته في سويسرا والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. وقد اتَّسم هذا الجزء من الكتاب بنزعة ذاتيَّة يغلب عليها الطَّابع الاستعلائيُّ؛ لأنَّ المؤلِّف ربط محطَّات تاريخ الجالية اليهوديَّة المفصليَّة في السُّودان بشخصه وشخص والده، دون إخضاعها لتحليل موضوعيّ يراعي سياقاتها الاجتماعيَّة والتَّاريخيَّة. وعلى النَّهج ذاته جاءت التَّرجمة التَّفسيريَّة الَّتي أنجزها مكِّي أبوقرجة لكتاب “اليهود في السُّودان” ، حيث نقل نصِّه الإنجليزيِّ إلى العربيَّة بتصرُّف، وأضاف إليه بعض الحواشي التَّعريفيَّة، واستبعد الكثير من المعلومات الَّتي أوردها المؤلِّف عن “تاريخ وجغرافيَّة السُّودان”، معلِّلاً ذلك بأنَّها معلومات “ضعيفة وعاديَّة في معظم الأحيان، ولا تضيف جديدًا للقارئ السُّودانيِّ.” إذًا السُّؤال المحوريُّ الَّذي يطرح نفسه: ما الَّذي يميِّز كتاب محمَّد مصطفى النُّور عن كتاب “اليهود في السُّودان”؟ وما الخصائص المنهجيَّة الَّتي رسمت مسار إسهامه المعرفيِّ؟
أوَّلاً: تمثِّل أطروحة النُّور مقاربة أكاديميَّة ناضجة، بُنيت على أُسس منهجيَّة واضحة، وأسئلة مفتاحيَّة، وإطار نظري مستلهم من أدبيَّات عبد الوهَّاب المسيري عن “الجماعات الوظيفيَّة” ودورها في خدمة الأجندات السِّياسيَّة للدُّول المستعمرة وغيرها. وقد أكسب هذا التَّوجُّه الأطروحة بُعدًا تفسيريًّا عابرًا للمحلِّيَّة، يتَّسم بطابع تحليليّ مقارن، يربط بين الخاصِّ والعامِّ وبين الماضي (السَّابق) والحاضر (اللَّاحق). وبناءً على ذلك، ارتكزت فصول الكتاب الخمسة على مجموعة من الأسئلة الجوهريَّة، من قبيل: كيف تشكَّلت البنية الاجتماعيَّة للجالية اليهوديَّة في السُّودان؟ وما دورها الوظيفيُّ في اقتصاد الدَّولة الإنجليزيَّة–المصريَّة ذات النَّزعة الإمبرياليَّة؟ وما طبيعة العلاقات الاجتماعيَّة الَّتي نسجتها بين أعضائها والمجتمع المضيف؟ وكيف تفاعلت الجالية مع قوميَّتها اليهوديَّة والتزامها الصَّهيونيِّ العالميِّ؟ وكيف نظر السُّودانيُّون إليها من واقع التزامهم الدِّينيِّ ومساندتهم للقضيَّة الفلسطينيَّة؟ وما الأسباب الَّتي دفعت أفرادها إلى مغادرة البلاد بعد الاستقلال؟ قد أفلح المؤلِّف في معالجة هذه الأسئلة معالجة أكاديميَّة دقيقة، مستندًا في ذلك إلى مدوَّنة مصدريَّة جامعة، مكَّنته من صوغ سرديَّة موضوعيَّة عن تاريخ الجالية اليهوديَّة في السُّودان، وأعانه منهجه الأكاديميُّ في استنطاق النُّصوص التَّاريخيَّة في ضوء سياقاتها الموضوعيَّة المتشابكة داخليًّا وخارجيًّا.
ثانيًا: أثارت الدِّراسة تساؤلات بالغة الأهمِّيَّة في متون فصولها عن طبيعة العلاقة الجدليَّة بين الجالية اليهوديَّة ودولة الحكم الثُّنائيِّ (1898-1956)، والعلاقة الوظيفيَّة المتبادلة بين الجالية اليهوديَّة والحكومة الاستعماريَّة، مع استدعاء بعض المفاهيم الأساسيَّة، مثل: “الاندماج”، و”الهويَّة”، و”المنفعة المتبادلة” في إطار العلاقات التَّراتبيَّة والهيمنة الاجتماعيَّة.
ثالثًا: استند المؤلِّف إلى مصادر أوَّليَّة نادرة، شملت وثائقًا أرشيفيَّةً من دار الوثائق القوميَّة بالخرطوم، وسجلَّات صادرة عن الجالية اليهوديَّة، ومراسلات إداريَّة، ومذكِّرات شخصيَّة، لا سيَّما مذكِّرات إلياهو (إلي) سولومون مَلكَا، كما عزَّز ذلك بإجراء سلسلة من المقابلات الشَّخصيَّة مع شهود عيان ومعاصرين، الأمر الَّذي أكسب الكتاب مصداقيَّةً وقيمة علميَّةً عاليةً.
وفي الختام أنَّ كتاب “النَّشاط الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ للجالية اليهوديَّة في السُّودان” يُعدُّ مساهمة أكاديميَّة جادَّة في توثيق وفهم تاريخ الجالية اليهوديَّة في السُّودان، استنادًا إلى فرضيَّة الدور الوظيفيِّ؛ لتحليل العلاقات الجدليَّة بين مركز صناعة القرار الاستعماريِّ في الخرطوم والكيانات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والدِّينيَّة الَّتي كانت تتحرَّك في مداراته الإداريَّة والاستثماريَّة. كما أنَّه يمهِّد الطَّريق لدراسات أعمق عن الجاليات الأجنبيَّة الأخرى الَّتي عاشت في كنف السُّودان الإنجليزيِّ-المصريَّ (1898–1956)، وقامت بأدوار وظيفيَّة لخدمة مصالحها الذَّاتيَّة وأجندة المستعمر واحتياجات المجتمع المضيف. فالتَّهنئة الصَّادقة إلى الأستاذ محمَّد مصطفى النُّور على إنجاز هذا العمل الرَّائد في مجاله، والَّذي يشكِّل إضافةً نوعيَّةً للمكتبة السُّودانيَّة والبحث الأكاديميِّ في حقل الدِّراسات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة.

أحمد إبراهيم أبوشوك
برستون، الولايات المتحدة الأمريكية
12 يونيو 2025

ahmedabushouk62@hotmail.com

عن أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

شاهد أيضاً

قراءة وثائقية-تحليلية في يوميات التحري القضائية لانقلاب 17 نوفمبر 1958

قراءة وثائقية-تحليلية في يوميات التحري القضائية لانقلاب 17 نوفمبر 1958شهادة عبد الله خليل في دائرة …